الوالة وقصيب.. واحة بهاء متصاعد بعبق التاريخ

تم نشره في الأحد 2 كانون الثاني / يناير 2005. 09:00 صباحاً
  • الوالة وقصيب.. واحة بهاء متصاعد بعبق التاريخ

    بعد زمن من النسيان والاهمال, بدأت اهتمامات المعنيين واصحاب القرار تتجه الى منطقة الوالة وواديها حيث خربة اسكندر, وحيث شلالات المياه والواحات في المدينة التي يعود تأسيسها الى حقبة الانباط بناة المدينة الوردية الساحرة.

    والوالة جزء من حواضر مادبا الزاخرة بآثار اقوام مضوا مثل ماعين, مكاور, صياغة والزارة وام الرصاص, ومنذ اعوام بدأت شركات تنقيب يونانية وكندية اعمال حفر وبحث عن اثار وشواهد تاريخية, واكتشفوا هناك في وادي التمر وقريباً من وادي الوالة عدداً منها, مثل الحاووز الذي كان يستخدمه الانباط لجمع المياه من خلال نظام يمثل ابداعاً اخر من ابداعات الحضارة النبطية, وتبين اثناء عمليات التنقيب وجود آثار تعود للعصر البرونزي الذي تميز بالاسوار وابراج الدفاع. وليس بعيداً عن الوالة وواديها باقي حواضر لواء الجيزة من قصر المشتى والقسطل وام الوليد وام الرصاص وعيون الذيب الذي ما يزال يعاني من الاهمال, وجميعها حوافر تشكل الامتداد المديني الراصد والمراقب للطريق الصحراوي (السلفاني) التاريخي القديم.

    ومن الخطط المستقبلية لدائرة الاثار العامة- كما تدل بعض الشواهد- ايلاء الموقع الاثري في منطقة الوالة اهتماماً ورعاية, وهو موقع تتصوره بوابة خشبية كبيرة, وبناء لكنيسة قديمة ذات ارضية فسيفسائية يتخللها حجارة دائرية الشكل كبيرة الحجم يقال بأنها كانت طاحونة او معصرة زيتون لما عرف عن اهالي المنطقة من شغلهم بالزراعة وخصوصاً زراعة الزيتون.

    وتنتشر في الوالة التي تبعد عن مادبا 20 كيلومتراً باتجاه الشرق ينابيع المياه وشلالاتها التي حولت المنطقة الى واحة خضراء مزدانة بالاشجار المثمرة والحرجية واشجار النخيل والشجيرات والزهور البرية والاعشاب.

    وفي مصب الشلالات بركة كبيرة كانت حفرتها شركة يونانية اثناء مشروع انشاء سد الوالة وتركتها دون طمم, مما دفع الجهات الرسمية الى تطويقها بسياج حماية بسبب خطورتها (طولها 900 متر وعرضها 200 وعمقها 30 متراً) ومنعاً لحوادث السقوط فيها, الا ان الامطار الغزيرو التي هطلت في شهر تشرين الثاني الماضي نزعت ذلك السياج وأدت الى اتساع البركة طولاً وعرضاً وعمقاً وازدياد خطر الانزلاق فيها خصوصاً ان الارض المحيطة فيها رملية, وهو ما جعل كذلك الطريق المارة فوقها غير آمنة الى حد ما, وتقطعها السيارات بصعوبة ومشقة.

    وفي تلك المنطقة التي حولتها المياه الى طبيعة اخاذة بمناظرها الخلابة وسهولها الخضراء تنتشر انواع عديدة من الطيور اهمها مالك الحزين الطائر الابيض المعتاش على الاسماك والحشرات والضفادع وغيرها. وهناك البط الذي استشعر الامن والدفء في مياهها وحولها, ومن طيورها ايضا الحجل والدوري.

    ومن الوالة حتى البحر الميت يمتد نهر تحيطه الخضرة على مسافة 40 كيلو مترا يلتقي بالمياه السخنة شرقي البحر, ويشكل النهر والطبيعة المحيطة به عامل جذب سياحي, ولطبيعته المناخية الباردة صيفاً والدافئة شتاء وهو ما يفعله كثير من السياح الذين يزورون المنطقة المفتقرة لوجود فنادق ومنتجعات ومرافق وخدمات سياحية.

    ويكثير في المنطقة الى ما تقدم الصيد الجائر لانواع الطيور المهاجرة والحجل ومالك الحزين وغير ذلك من انواع الطيور اضافة للارانب البرية وانواع برية اخرى, ويشيع هناك تحطيب الاشجار وكسر اغصانها بهدف استخدامها لاغراض شخصية من اشعال نار ولعمل اسيجة للبيوت ومآرب اخرى. ومع انتشار كروم العنب واشجار الزيتون والبرتقال والليمون والخضروات ورعي الماعز والاغنام في سهولها بكثرة, فإن منطقة الوالة تحتاج الى ما سبق لمركز دفاع مدني او شعبة بريد, ومركز صحي.

    وفي منطقة يتواجد فيها اكثر من 15 بئراً ارتوازياً فإن شلالاتها تشكل انسياباً جمالياً هادراً بالروعة المتفردة, وعلى طريق الماء والصحراء تنتشر الحمامات الاثرية السياحية التي اهمها حمامات قصيب نسبة الى القصيب المتواجد هناك بكثرة, ويظل القصيب جانبي الطريق المتجه غرباً الى ان يصل المياه المعدنية القريبة من البحر الميت.

    وربما كان من التوجهات السياحية الاستثمارية الضرورية في منطقة الوالة والهيدان وحمامات ماعين وقصيب, ربط المواطنين المحليين هناك بالبيئة الحضارية الاثرية السياحية المحيطة بهم, ورفدهم بالتوعية وتعريفهم بأهمية ما هو قائم بين ظهرانيهم, ليصبح اهتمامهم بهذه الحواضر والآثار جزءاً من حياتهم وعملهم وتقدمهم المدني والمعيشي, ولتصير حماية هذه المواقع هماً وطنياً قبل ان يكون هماً رسمياً. ومن الضروري كذلك ابراز الدور الاجتماعي وتأثيره الايجابي في حال تعاون المجتمع المحلي مع مشاريع التنمية السياحية والاقتصادية في تلك المناطق التي تعاني كما اسلفنا من نقص الخدمات, وعدم وجود بنية تحتية سياحية تعمل على زيادة الزائرين للمنطقة وتلبي احتياجاتهم وتؤمن لهم استجماماً مريحاً وممتعاً.

    ولا بد في سياق متواصل من الاشارة الى مشكلة التنقيب عن الذهب والنبش عنه في مباني الوالة وقصيب التاريخية والاثرية مما ادى الى خراب بعضها, وذكر احد سكان المنطقة انه شاهد اواني فخارية ملقاة على قارعة الطريق مما يؤكد ان العابثين والباحثين عن الذهب لا يكترثون لقيمة المكان وموجوداته التاريخية, ولا يلقون بالاً لهذا البعد, ولا يترددون بالتالي عن القاء آثار تاريخية قد يكون لبعضها اهمية بحثية تاريخية كبرى في حال كشفها عن حضارات اخرى سكنت المنطقة غير التي ذكرها التاريخ, ومن اكثر المعالم التي تعرضت للخراب والطمس قصر قصيب.

   والقادم من جسر الوالة باتجاه حمامات قصيب, لا بد له ان يمر فوق جسر الهيدان, ثم عين الزراعة حيث تنتهي الطريق شبه المعبدة, لنبدأ رحلة السير على الاقدام, وهي رحلة تحتاج الى ثلاث ساعات من المشي المتواصل والاستمتاع بالماء والخضراء ووجوه اهل المنطقة الحسنة والبشوشة, وخلال رحلة الوصول الى قصيب تجد عين عنيزان وعين برته كعيون ماء تروي العطاش وتمنح المشاة مزيداً من الامل والاحساس بالامن والامان, فالماء موجود, وهي رحلة مشقة تستحقها قصيب المتميزة بطبيعة ساحرة, وبعيون مياهها الحارة والباردة الطالعة من جبالها البركانية الشاهقة والمطعمة بكتل صخرية سوداء, بعضها دائري وبعضها الاخر على شكل مستطيلات غاية في الروعة والاتقان. وتصل درجة حرارة بعض عيون الماء في القصيب الى 60 درجة مئوية, والمدهش في شلالات قصيب ان بعض خيوط الماء الباردة تنساب بتجاور مع المياه الحارة, ويتدفقان معاً جنباً الى جنب لصناعة معجزة الجمال والروعة, وخلف الشلال مغارة معتمة تضخ من احشائها ماء بارداً يلتقي مع الشلال حيث يستقران في حوض المياه الدافئة, وعلى بعد 200 متر توجد مغارة تتصاعد منها سحب البخار, يحث لا يستطيع الانسان ابقاء يده داخلها لاكثر من نصف دقيقة بسبب ارتفاع حرارة مياهها.

التعليق