دراما الأساطير وأسطرة التاريخ

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2004. 09:00 صباحاً

يقول الكاتب الفرنسي المعروف بيير برونيل: " لا وجود للأسطورة الأدبية دون تقمص يحييها في عصر تكون قادرة فيه على التعبير الأفضل عن مشاكله".

شهدت ساحة العمل الدرامي التلفزيوني في أشهر رمضان نشاطا ملحوظا من خلال مسلسلات تاريخية ذات حضور قوي يظهر فيها التفاعل مع التغير السياسي والغزو الثقافي والعولمة الأخلاقية من خلال ترتيب ديناميكي منطقي لمسلسلات تسرد الحدث التاريخي، بدءا في الأعوام الماضية ب"هولاكو" الغازي الذي يكرر تاريخ نكبة واحدة يشهدها مكان واحد هي مدينة السلام بغداد، ثم مسلسل "الزير سالم" الذي جاء ناقدا لتاريخ أمة واحدة تشغلها الحروب والنيران التي تندلع من الشرر، ثم القصة الأسطورية لتوحيد أمة على يد الملك "سيف بن ذي يزن"، والذي بالرغم من استناد أحداثه على السرد المقتبس من التاريخ الأسطوري أكثر من الوثائق التاريخية الموثقة  إلا أن الهدف الدرامي من وراء هذه الأسطورة، كغيرها من الأساطير المعروضة على الشاشات العربية، لا تهدف إلا للتعبير عن القضية المعاصرة التي أدخلت سيف بن ذي يزن التاريخ كملك حرر بلاد  اليمن ووحدها من سيطرة المحتل ليتلاءم مع الزمن الراهن ومع الظرف الحالي الذي تمر به المنطقة.

ثم شاهدنا لهذا العام المسلسل التاريخي الضخم الذي يتحدث عن السيرة الشعبية لأبي زيد الهلالي بكوكبة ضخمة جدا من الممثلين وحدت الإنتاج الدرامي العربي من عدة دول عربية واستهدفت حبكته الروائية أحداثا تخاطب العقل مستبعدة لكثير من الجوانب الأسطورية الخارقة التي تحيط بكثير من الروايات الشعبية لهذه السيرة أو لرموزها العالقة في خيال كثير من العامة منذ عشرات السنين. 

وتحكي قصة طفل أسود تم استبعاده منذ  الطفولة ليعود مدفوعا بالهم العام بالرغم من نزعة التمييز في رحلة يقود بها قومه باتجاه المغرب مقاوما كل الدسائس والمؤامرات ليحقق حلما قوميا بالخلاص.  ويلاحظ العناية التي اتجهت لتصوير هذا العمل في فضاءات عربية مختلفة ليكمل معالجة القضية  القومية على اختلاف وجودها العربي  مستندا في مادته على إبراز ما ضيعته الأمة من القيم الأخلاقية وسط ثقافات كثيرة بتنا نعيشها داخل ثقافة عربية واحدة كانت تتغنى بشخصية الفارس أو الأسطورة البطل وقبيلته والتي ترمز لشخصيات بشرية مشهورة وراء صورة البطل الأسطوري،  والتي توقع العمل أن تعبر عن الخلاص الذي تعتمد عليه الأمم المغلوبة للتخلص من حالة التردي الذي تعيشه.

وتعد السيرة الهلالية من الملاحم الشعرية والأدبية الكبرى في تاريخ الإنسانية والأدب العربي، كما تندرج تحت جنس من الأجناس الأدبية المسماة أدب الرحلات، ذلك أن هذه الملاحم تبنى في جوهرها على حكاية رحلة يقوم بها البطل ليحقق هدفا بعينه، وقد تبنى هذه الرحلات الأسطورية على بعض الوقائع التاريخية أو الشخصيات الحقيقة في عصر ما، ثم يترك الأديب لخياله العنان ليخلق الملحمة التي تمثل خلاصة رؤية المجتمع لقضاياه الكبرى في مرحلة زمنية معينة والمتوقع أن تتحدث عن حالة راهنة وعن مواجهة تحمل تحد قومي ممثل بالهلاليين وتعرضها لتحديات وصعوبات نزحت بها عن موطنا الأصلي بحثا عن روافد جديدة للحياة وبعيدا جدا عن موطنها الأصلي، وهو ما عرف بعد ذلك بتغريبة بني هلال التي ترمز لمرحلة مخاض أمة دام أكثر من نصف قرن.

ويساهم الإنتاج الدرامي في بعث الأسطورة في أذهان الناس والإبقاء عليها ضمن شروط الكاتب والمخرج، أي أن المادة قد توجه من كاتب يحمل رسالة ويترك فيها الخيار للمشاهد في التحليل والإدراك. والكاتب الذي يعود للأسطورة يبحث دائما عن جواب لما يدور في واقعه، لذا لا بد من تحليل ما قدمه عبر نصه الجديد لهذه الأسطورة التي أخضعها لمجموعة من التبدلات والتحولات التي تخضع لخيار الكاتب وأيدولوجية عصره. ولا بد من تفسير لما يلجأ كاتب أو جيل ما إلى استعادة سيناريو معين وتفعيله، وهنا يحضر ما يقترحه جون لوي باكس من أن الأسطورة مجموعة من المعارف لحياة سابقة، ولإعادة استخدامها آنيا يجب أن يعاد استحضارها لكي تقودنا إلى القوانين والأطر والنماذج المنظمة لها.

وعلى عكس ما صرح به مخرج مسلسل السيرة الهلالية فلا يلاحظ  تلك الخطورة في تناول شخصيات تعيش في أذهان ووجدان الناس نظرا لاختلاف الرواية الشعبية من فئة إلى أخرى أو لمصيرها الذي غابت به عن أذهان الكثير بعد أن حلت محلها الدراما الأمريكية برحلات مستكشفيها إلى عوالم يحاولون الهيمنة عليها أو عوالم انقرضت أعادوا صناعتها من جديد أو بنوع جديد من أدب الرحلات المستقبلي المسمى بأدب الخيال العلمي أو حتى برحلات جليفر وأليس إلى بلاد العجائب.

وبهدف تهجين العرض الدرامي مع الواقع تعتمد دراما الأساطير على فكرة الإسقاط السياسي لتجسيد فكرة العمل الأساسية والتي تعتمد على أسطرة التاريخ  وترميز الهيمنة الأجنبية وما صنع على يديها وما زال يحاك من مؤامرات ودسائس وعن هم الواقع الذي يحلم في كسر القيود. ويتم اختيار النصوص وفق ملاءمتها الكبيرة لنموذج معين وليس وفق خصائصها الجمالية. والمثير للإعجاب في الإنتاج الرمضاني تلك الحركة الفنية التي تبتعد عن الإنتاج الدرامي تحت شعار الفن للفن ليتم اختيار الأعمال الدرامية بشروط تكرس الفن لخدمة القضايا المصيرية.

أما أسطرة التاريخ فبرز بقوة في قصة "الزير سالم" و"التغريبة الفلسطينية"، وتندرج تحت ما يسميه العالم الفرنسي فيليب سيللييه بالأساطير السياسية – البطولية على غرار ما دونه التاريخ الفرنسي في أسطورة قيصر ولويس الرابع عشر ونابليون ليصبح البطل في هذه الأساطير الزير سالم والمهجر الفلسطيني.
وها هو التلفزيون يحسن استخدام الدراما في إيحاءات سياسية وحلول تاريخية قد تخدم لتنظيم أو إعادة تنظيم للعالم أو الواقع وتحاول أن تثير السؤال ليبحث المشاهد عن الجواب فهل سيمسك المشاهد خيط الحوار الفكري الذي يحاول الكاتب أن يبدأه وسيلعب دوره في تقديم نظرة مقارنة أم أنه سيطير في عالم الإثارة والتحليق في محيط الخيال والمتعة ...  بعيدا عن الواقع.

التعليق