الخطيب: لا أشعر بالحرج من الكتابة عن الأنثى لأنها نصف العالم الآخر

تم نشره في الخميس 30 كانون الأول / ديسمبر 2004. 10:00 صباحاً
  • الخطيب: لا أشعر بالحرج من الكتابة عن الأنثى لأنها نصف العالم الآخر

 يقطع الشاعر د. ابراهيم الخطيب في هذا الحوار بأن قصيدة النثر فضفاضة ولكن الشعرية الموجودة عند بعض الشعراء الذين يكتبونها تجعلك في غنى عن القصائد المحنطة في الاجناس الاخرى, ويرى صاحب مجموعة "قاب دم وانتظار انه ليس متعصبا لشكل شعري دون اخر وان عليه ان يظل وفيا للارث الادبي من عصر الجاهلية الى الادب المعاصر.


     ويتحدث الخطيب عن العلاقة بين الشعر والطب رابطا بين جراح الجسد وبين الشاعر الذي يرمم ندوب الروح في مقارنة تنم عن انه قد استفاد كثيرا من الحالتين في تأثيث قصيدته الساعية الى شفاء الجسم والروح معا.


* منذ اعوام وانت منهمك في كتابة القصيدة السياسية والتعالق مع الشأن السياسي, ما هو جديدك الان وماذا تكتب?


- عندي ديوان شعر خاص بالانتفاضة الثانية اسمه "قاب دم وانتظار" حاولت فيه الابتعاد عن الشعارات السياسية لان فيها خطورة على الشعر من حيث اللجوء الى المباشرة التي تنال من العملية الابداعية لأنني كشاعر لو خيرت لذهبت الى الغموض الاكثر دهشة بشكل عام الشعر الوطني يميل نحو المباشرة وهذا ما نلاحظه عند الكثير من الشعراء الذين كتبوا في هذا الموضوع وحتى يتخلصوا من هذا المزلق ذهبوا باتجاه العالمية حيث الموضوع هو الانسان لست صارما باتجاه عدم اللجوء للوضوح او استخدامه كوسيلة, انا لا اتعامل في كتابة الشعر بين ما يجب ان اكتب وما لا يجب من ناحية اخرى الشعر العربي كله مبني على الوضوح يمكن ان تكون قصيدة واضحة كل الوضوح ولكنها تنتهي بمفاجأة تنتهي على سوية البيت او الجملة فالنسيج القوي من الايحاءات قد تعجز عن القصيدة المحملة بالرمز والغموض الشفاف, مع ان اختيار الشكل العشري واختيار مادته لا تكون بقرار مسبق وكما قيل لكل قصيدة شخصيتها, اما موضوعات المجموعة الشعرية فهي تعتمد اربعة عناوين تقريبا (جنين محمد الدرة, اوراق وفاء ادريس, وادوارد سعيد, قصيدة جنين تشبه القصيدة الملحمية بمعنى انها تحكي عن الشهادة والحرب تحت مظلة الدين مع ان الوازع عند الكثيرين لم يكن كذلك وانما الدفاع عن تلك البقعة الضيقة جغرافيا والواسعة بالمعنى الاستشهادي, صحيح ان الملاحم في التاريخ كانت تتداخل فيها الاسطورة كما في الالياذة والادويسا ولكن الاسطورة هنا انك حتى في عالم العولمة تحارب بمفارقة بعيدة جدا عن الماضي حيث كان السيف والحصان هو القاسم المشترك بين المتحاربين لولا حصان طروادة وهو الذي يمثل ابداعا قتاليا خروجا عن منطق السيف والحصان اما في جنين فالقاسم المشترك كان معدوما انت بصدرك والعدو بحديده بحرا وارضا وجوا وهنا تبدأ اسطورة الواقع او واقع الاسطورة المعاصرة.


     قصيدة محمد الدرة تدور حول الحقد الاسرائيلي على طفل اعزل تدخلوا بينه وبين دفاتره وخلعوه من بين رفاق المدرسة ليقتل في حضن ابيه اي انها دفاع عن الانسان الفلسطيني المعزول عربيا وعالميا, اما قصيدة وفاء ادريس فهي قصيدة مكونة من حوالي احد عشر مقطعا ولكل مقطع صفة المذكرة اليومية ولهذا فالقصائد العديدة التي تنضوي تحت هذا العنوان تختلف طولا وصياغة فنية فكلها باستثناء قصيدة واحدة تقوم على التفعيلة كما انها تتراوح بين حاجات الانثى الخاصة والوازع الوطني وادانة الواقع العربي وبعض القصائد تشبه اللوحات التشكيلية كأن تصف هدم منزل، اطلاق رصاص على مدرسة، قتل طفل ،مداهمة مصل يحاور مسبحته بمعزل عن الدنيا, اما قصيدة ادوارد سعيد فقصيدته تندرج تحت ما يسمى القصيدة الشاملة وهي تبدأ بأبيات عمودية قليلة تلخص ادوارد سعيد ثم تتوغل في حياته منذ الطفولة وحتى صار رمادا ? على ارز لبنان مرورا بالطعنات التي اثخنته واثخنت شعبه من اربعينيات القرن الماضي.


     وتدخل في جزئيات حياته في امريكا حيث ظلت فلسطين جرحا في خاصرته وتدخلت بينه وبين جنسيته حيث كان عربيا خالصا خارج حدود جواز سفره الامريكي.


* الا ترى بأنك لم تزل محصورا بين السياسي والغزلي على حساب الموضوعات الاخرى?


- اولا الشعر والشاعرية لا تعتمد فقط على الموضوع من كل زوايا الكون ينز الشعر والاسئلة التي تحاصر الشاعر وهي ليست المرأة فقط لكن الامسيات الشعرية لها استراتيجية خاصة وحينما اذهب الى اي امسية لا اضع خطة اي القصائد سأقرأ ولكن في السياق تدخل المرأة, لكن لو حذفنا المرأة والخمرة من تراثنا الشعري ماذا يبقى? المرأة تشكل عالما قديما وجديدا فكثير من موضوعات الشعر اندثرت مثل الفخر والمديح والهجاء وبقيت المرأة منذ ابتسامة عبلة في شعر عنترة حتى اغفى نزار قباني عن هذه الدنيا ولست اشعر بحرج في الكتابة عن الانثى لأنها نصف العالم الاخر او اليد الاخرى التي اصفق بها ولكن للامانة الادبية انا انسان مسكون بالفقد ولأن العاطفة الوحيدة التي لا يشك بها هي الحزن كان لا بد ان يكون السؤال لماذا هذا الكم من المراثي في شعرك اضافة الى ان دواوين بأكملها تعتبر مراثي (عزالدين القسام) دم حنظلة وغيرها اما الكم الشعري المنذور للوطن فيتجاوز هذا بكثير, لماذا يقول البعض فهذا سؤال يجب ان يلقى على المتلقي حيث يوجه له اصبع الاتهام لماذا علقت في ذاكرته قصيدة المرأة فيجب ان يدار بعيدا عن صدري.


* لماذا تعتبر قصيدة الغزل تهمة?


- قصيدة الغزل ابتدأت كحاجة وجدانية لدي واصبت منذ ايام الدراسة الثانوية بحب قصائد الغزل العربي القديم فقد كان استاذ اللغة العربية يعاني من فشل عاطفي ولذلك حفظنا الكثير من قصائد الغزل فقصيدة ابن زيدون حفظناها عن ظهر قلب في الصف الثاني الاعدادي ومن هنا جاءت بذرة شعر الغزل قبل ان اكتشف الشعر في نفسي وكانت اول قصيدة اكتبها ايام كان لدي تسلية وتقفية كانت قصيدة غزل ولكنها كانت بعين الحاضر تسير في طريق الموروث الشعري الخالي من الابداع في نظري الآن والحديث عن الغزل وتقنية شعر الغزل تدخلنا في تقنية الشعر لدي وتنظيري له فلا تختلف دينماتية القصيدة الغزلية عن دينماتية قصيدة الرثاء او اي قصيدة تتناول اي موضوع اخر واخيرا اظل تلميذا خجولا لشعراء الموشحات وشعراء العصر العباسي الموزع بين الوتر والرقص والكأس والشعر الغزلي فهناك قصيدة كانت تغنى في ليالي الرشيد كل ليلة "لا تعجبني يا سلم من رجل ضحك المشيب فبكى".


* ثمة من يرى انك ما زلت مصرا على ادواتك القديمة في الكتابة, دعنا نسأل ماذا عن التجديد?


- انا لست منبتا بمعنى ان اتعصب لشكل شعري دون اخر انا وفي جدا لإرثنا الادبي من الجاهلية حتى الادب المعاصر افتتنت جدا في قراءاتي الاولى بالقصائد العمودية الحديثة لـ "بشارة الخوري" و"سعيد عقل" واستطعت ان اعقد مصالحة بين ابي نواس وابي تمام واكون من هؤلاء القدماء والمحدثين اسرة لي فأخذت اتجول بين انتاجهم الشعري وقد تمثلته فحينما اقرأ قصيدة خمرية لأبي نواس او حتى ابي محجن الثقفي اجدها نفس الفروع التي انبثقت منها قصيدة الخمر بشارة الخوري, وتلمست القاسم المشترك بين هؤلاء الشعراء بحيث انطوت الازمنة بين هؤلاء لكأنهم يكتبون من ينبوع واحد فأخذت اكتب القصيدة العمودية القريبة من هؤلاء دون ان اقع في العيب الشعري الاول "التقليد" ولكن هذا لم يقف حائلا دون الاخذ بأسباب المعاصرة بكتابة قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر, كلها تلتقي حول الصورة الشعرية المبتكرة والشكل ليس عائقا امام تجوالي بين هذه الاجناس الثلاثة جذوري عميقة في الماضي وفروعي تتجاوز اسوار القديم لفضاء الحداثة.


* ألا ترى ان القصيدة العمودية قد استنفذت دورها?


- قفزا من العصر العباسي المتأخر الى بدايات القرن العشرين متجاوزا عهد الظلام الفاصل بينهما حيث كان النثر واقعا في عبودية الجناس والطباق والمحسنات البديعية والشعر ايضا كان مصابا بالداء نفسه وبقيت آثاره حتى يومنا هذا في خطب الجمعة ولكن الشعر العمودي الحديث الذي اعاد الصدى من ابي نواس وشعراء حقبته الى بدايات القرن  العشرين حيث القصائد الحديثة المغناة لـ "بشارة الخوري" وعلي محمود طه وما اختيار هذه القصائد للغناء الا دليل على قربها من الروح البشرية وما زلنا نغنيها حتى يومنا هذا حين ننسى انفاسنا ونضع جانبا كشافات النقد وادوات الجراحة التي يستعملها النقاد في هجمتهم على هذا الشكل من الشعر الذي لم يأخذ وقته الكافي الذي امتد ثلاثة عقود فقط, وانا اكتب فيه عنادا لكنني اخذت موقعا اعتقد انه يناسبني بين الاجناس الثلاثة وحيث ان القصيدة تبدأ دندنة وجدانية بيني وبين نفسي فكيف ما تبدأ تشق طريقها اما في هذا الشكل او ذاك وقد قال لي الكثيرون كأنك وجدت نفسك في الشكل العمودي فرددت بكتابة قصيدة تفعيلة واعتقد انني انا موجود في الاشكال الثلاثة سواء كنت البس لباس الكلاسيكي بربطة عنق او البس بنطال الجينز, ولست ضد اي شكل من اشكال الشعر انا مع التفعيلة حين لا تفتعل ومع قصيدة النثر التي اسقطت نثريتها "المحاكاة التقليد التعليل المفارقة" وتميزت في بعض نماذج بعض الشعراء الذين يمتلكون ثقافة واسعة وموهبة اصيلة, صحيح ان قصيدة النثر فضفاضة ولكن الشعرية الموجودة عند بعض الشعراء ممن يكتبونها تجعلك في غنى عن القصائد المحنطة في الاجناس الاخرى.


* برأيك ما هو الفرق بين كتابة القصيدة العمودية وقصيدة النثر?


- في البدء قبل المخاض الشعري نعود الى الكلمة والكلمة مغلفة بالمعنى ولكي نثقب هالتها لنحرر المعنى وندخل في الكتابة الفنية نزاوجها مع كلمة اخرى حركناها من معجمها لترتطم بكلمة اخرى هذا يشكل ايقاعا, وما لرمية يشبه هذه العملية بلعبة "البلياردو" تفسرها انت تصوب كرة ممثلة للكلمة هنا بكرة اخرى والايقاع الذي ينبعث من الصدمة هذه له موسيقاه الخاصة هكذا ازاوج بين الكلمات بعيدا عن سلطة القافية والوزن ولهذا كما قلت لكل كتابة فنية "شعر عمودي/تفعيلة قصيدة نثر" شخصيتها المستقلة التي تحدد مسارها وسياجها وقوانينها والشاعر يسير معها مأخوذاً باليقظة في غمرة الحلم . انا اشبه الاشكال الادبية بالاواني المستطرفة اشكالها مختلفة ولكن النسغ يأخذ سوية الشاعر.


* ماذا تقول المدونة النقدية الاردنية, وما مدى اقترابها من النص الشعري?


- المبدعون الاردنيون في واد ورجال النقد في واد اخر كأنهم في كوكبين مختلفين مرد ذلك اولاً الى النقد بمعنى النقود فالناقد الذي لا يدفع له اجر ما يكتبه ليس معنياً في الكتابة عن مبدع اردني الا اذا كانت تربطه به علاقة تسمو على المكافأة النقدية. ثانياً هناك ثلاثة انواع من النقد : نقد صحفي وهذا يدخلنا في خصومات مع من يتناولونه. يشبه زوبعة في فنجان ونقد اكاديمي وهذا في معظمه جاف بارد يستخدم ادوات نقدية قد تكون بالية او بعيدة عن النص المنقود وفي معظمهما استعراض ثقافي معرفي ينأى تماماً عن واجب الناقد. والنقد الاكاديمي الاخر يدخل باب الترقية الجامعية فلماذا يكتب ناقد اكاديمي محلي عن شاعر محلي وهذا يكون الا مغامرة قد لا تصل به الى الغاية المرجوة فيذهب الكثيرون من النقاد والاكاديميين الى اسماء مكرسة كتب عنها الكثيرون . لكن النقد الذي اقدره وهو الاقرب الى الصدق ولو انه منحاز هو نقد ارباب الادب لبعضهم كأن ينقد شاعر شاعراً اخر هنا يكون النقد صادقاً ولكنه منحاز الى رؤية الشاعر الاول وهنا تكمن الخطورة ان من كتبوا عني دراسات نقدية اغلبهم من خارج الاردن بعضهم يعرفونني وبعضهم التقيت بهم صدفة دون سابق ترتيب كالاستاذ عادل فريحات استاذ الادب الحديث في جامعة دمشق مثلاً ومن العراق كتب عني د. عبد الستار جواد واما من الاردن فقد كتب دراسة مطولة د. بسام قطوس ود. احمد الزعبي "الذي كتب في موضوع غريب في النقد سماه "تناص الكركتير" في ديوان دم حنظلة . اما دم حنظلة . اما الدراسات القصيرة فكتبها كثيرون ولكنها خالية من النظرة الشمولية في النقد وابقى انا الناقد الاول لاعمالي.
 
* هل تحدثنا عن العلاقة بين الطبيب والشاعر وهل تتداخل هذه العلاقة في كتابتك الشعرية ؟


- الطبيب يعالج جراح الجسد والشاعر يرمم ندوب الروح الاثنان رافدان عضويان لفزلويوجيا الجسد. فان تفرش يديك تحت رأس مريض وتكون مخدة له تماماً يشبه اسماعه قصيدة تحمله من نفسه الاولى الى نفس ثانية ومقارعة الالم والمرض وزرع ابتسامة العافية والرضا في شفاه متعب او متعبة هو المحصلة في الحالتين . في الطب والشعر استفاد الشاعر من الطبيب سمفونية الالم ولهذا تكثر مفردات الوجع والدم والسهد والعافية في قصائدي والطب استفاد من الشعر الصبر ففي الحالتين هناك مخاض يصل بك الى استواء الجسم والروح . في عملي الجراحي احب ان احافظ ما امكن على تشريح الجسم عند فتح الجرح واغلاقه وكون ساحة العملية نظيفة من النزف واغلاق الجلد احاول به وهذه يدركها الذين يساعدونني في الجراحة بجعل الجرح جميلاً وخالياً من الندوب المستقبلية وفي انتظار حالات الولادة كثيراً ما اذهب الى غرفة معزولة في المستشفى واكتب قصيدة وهناك الكثير من العناوين لقصائد كتبتها في ليالي المستشفى .

التعليق