الإسرائيليون وميزانية جيشهم

تم نشره في الجمعة 23 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً


مرّة أخرى، يقف الرأي العام الإسرائيلي أمام مسرحية سنوية مكرورة: "الجدل الحاد" حول ميزانية الحرب. إذ يطالب الجيش الآن، كعادته، بزيادة الميزانية، بينما غالبية الحكومة تبدي اعتراضا. والنتيجة منذ الآن معروفة ومؤكدة: سيحصل الجيش على كل ما يطلب وزيادة، والجمهور الإسرائيلي الذي يدفع ثمن ميزانيات الحرب والاحتلال والاستيطان، على قناعة تامة بأن هذا هو صمّام الأمان الوحيد لوجوده ووجود كيانه. وهذا انطباع تبثه الحركة الصهيونية منذ عشرات السنين، ويبتلعه الجمهور من دون اعتراض.
تبلغ ميزانية جيش الاحتلال المباشرة ما بين 16 مليارا إلى 17 مليار دولار سنويا، يضاف إليها الدعم الأميركي السنوي بنحو 3 مليارات دولار. وعادة، فإن الميزانية المباشرة التي يقرّها الكنيست تقل عن هذا بأكثر من مليار دولار، إلا أنه بعد إقرار الميزانية، يتلقى الجيش سنويا زيادات دورية من الاحتياطي الذي يتكدّس في الموازنة العامة.
وتقتطع ميزانية الجيش المباشرة نحو 19 % من الموازنة العامة. لكن سلسلة من الأبحاث الإسرائيلية التي صدرت على مر السنين، بيّنت أن فاتورة الحرب والاحتلال والاستيطان، بما يشمل كل مصاريف "الأمن" التي تدفعها عدة وزارات بأشكال مختلفة، تقتطع نحو ثلث الموازنة العامة، علما أن ثلثا آخر يذهب لتسديد الديون والفوائد، التي منها ما صُرف أيضا على الجيش والاحتلال، وهذا ما يُقرّب نسبة الصرف العسكري والاحتلال العام إلى 45 %.
وكانت الموازنة العامة للعامين الماضي والحالي (2013 و2014)، قد نصت على تقليص ميزانية الجيش بالإجمال، بنحو 1.6 مليار دولار. لكن قبل أن ينتهي العام الماضي، كانت الحكومة قد ألغت كل التقليصات، ورفعت ميزانية الجيش قليلا. ويطالب الجيش اليوم بزيادة إضافية تفوق 600 مليون دولار. ويأتي هذا المطلب قبل أن تبدأ الحكومة بالتداول بميزانية العام المقبل 2015. ولهذا الغرض، تبدأ قيادة الجيش مدعومة من وزيرها موشيه يعلون، بإطلاق التهديدات، مثل وقف التدريبات العسكرية، وإلغاء صفقات تسلح، وما إلى ذلك؛ الأمر الذي يُحرّض الجمهور الغارق في "الخوف من الغير"، بموجب الدعاية الصهيونية، على تأييد الجيش في مطلبه.
واللافت في الجدل الدائر في وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن لا أحد يتطرق إلى حجم صفقات التسلح الضخمة التي تصل سنويا إلى مليارات الدولارات، ولا إلى كلفة الجيش جراء الاحتلال؛ بل تركّز الصحافة، ومعها عدد من الساسة، على بند الرواتب والتقاعد والامتيازات المالية للجنود، ولكن بالأساس للضباط وقيادة الجيش العليا. وهذا أيضا لا يجد تعاطفا لدى الرأي العام، ففي نهاية المطاف هؤلاء الجنود والضباط هم مواطنون. وعلى الرغم من أن إسرائيل توقفت منذ سنوات عن إصدار معطيات حول عدد الجيش النظامي، إلا أنه حسب التقديرات، يتراوح ما بين 220 ألفا إلى 250 ألف جندي وعامل في جيش الاحتلال، يشكلون 8 % تقريبا من القوى العاملة في إسرائيل.
وكما في كل جولة من هذا الجدل المتكرر، نشهد "عنتريات" من عدد من الوزراء، وخاصة من وزير المالية. إلا أن السيناريو المعروف والمتوقع في الفترة القصيرة المقبلة يقول، إننا سنقرأ عن "تقارير عسكرية خطيرة" حول تهديدات وشيكة على إسرائيل، واجتماعات طارئة لقادة الحكومة، تخرج بالقرار المعروف: يجب ضمان جاهزية الجيش لمواجهة التحديات. وبذلك يتم تسديد كامل الفاتورة التي يطلبها الجيش.
كما سبق القول، فإن الجمهور في إسرائيل يدفع ثمن هذه الفاتورة. وصحيح أن سياسة التمييز العنصري الموجهة ضد فلسطينيي 48، تخفف من الضربات الاقتصادية التي يتلقاها الجمهور اليهودي في إسرائيل، إلا أن هذه السياسة باتت قريبة من القاع، بشكل يستوجب الوصول إلى جيب المواطن اليهودي أيضا. ولكن هناك شك كبير في أن يستنفر اليهود في إسرائيل ضد هذه السياسة الاقتصادية، بسبب القناعات المترسخة لديهم، بأن الجيش هو ضمان وجودهم، وضمان كيانهم. لكن يبقى السؤال: إلى متى؟

التعليق