عيسى الشعيبي

لحظة السيسي

تم نشره في الاثنين 9 حزيران / يونيو 2014. 11:02 مـساءً

بدا عبدالفتاح السيسي، وسط مظاهر الاحتفال الباذخ بتنصيبه رئيساً منتخباً لأكبر بلد عربي، واحداً من قادة مصر الكبار في تاريخها المعاصر، أو هكذا أراد له المحتفون به في ميدان التحرير وقصر القبة؛ أولئك المسكونون بحنين جارف إلى عهد القادة التاريخيين مثل جمال عبدالناصر. ومع أن هناك شوطاً طويلاً ما يزال على الرجل القادم من مؤسسة الجيش اجتيازه بجدارة، كي يُخرج بلد التسعين مليوناً من عنق الزجاجة، ويعيد لها مكانتها السابقة، إلا أن المشير الذي بات رئيساً معترفاً به في الداخل والخارج، بدا ممتلكاً لمقومات الزعامة في وقت مبكر.
ويزيد من وزن هذا الرئيس الحائز على استحقاق الشرعيتين: الشعبية والدستورية، في البلد الذي يتوسط قارات العالم القديم، إدراكه جزالة الآمال المعلقة عليه، وجسامة المهام الملقاة على كتفيه، فضلاً عن الظروف المعقّدة التي أنتجته، وطوّبته رجل مرحلة مصيرية فارقة، بين ماضٍ لم يمضِ تماماً، ومستقبل يراوغ على عتبة الانتقال من زمن الثورة إلى عهد الدولة. الأمر الذي يجعل من هذه المرحلة العاصفة في بر مصر وبحرها، لحظة السيسي بامتياز، أيا كان مبلغ الكراهية له من جانب المتميزين غيظاً من نجاحه، أو كانت درجة الرجاء التي تغمر أفئدة الملايين من حوله.
وليس من شك في أن سلسلة الاختبارات الصعبة التي مرّ بها رجل مصر القوي، على مدى نحو سنة ماضية، قد أهّلته للإمساك بزمام هذه المرحلة المصيرية التي ستُدون على أنها مرحلة السيسي، خصوصاً بعد أن استجاب لنداء الملايين المروعين من حكم المرشد؛ فأسقط نظاماً استبدادياً كان قد اختطف ثورتهم، ثم جابه العنف والإرهاب بكفاءة متزايدة، وجرف بعد ذلك شعبية كاسحة، تأكدت حقيقتها داخل صناديق الاقتراع التي حصدت له أكثر من 23 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
والحق أنه ما كان للحظة السيسي هذه أن تتحقق على هذا النحو الباهر، لو أنها اخفقت في مخاطبة عالم عربي كان يفتقد "المحروسة" منذ نحو أربعة عقود خلت؛ إذ لا يمكن لباحث سياسي أو مؤرخ إغفال حقيقة أن احتضان العرب للشقيقة الكبرى في ساعة الشدة، سواء بالتضامن الشعبي والمؤازرة السياسية أو بالدعم المالي، كان أحد أهم العوامل التي كرست لحظة السيسي هذه، ومنحتها قوة إسناد مواتية لأشرعة سفينة مصرية متهالكة.
وتأسيساً على حقيقة أن الحدث المصري لم يكن في أي يوم مضى مجرد حدث داخلي فقط، فإنه ينبغي فهم هذا التطور الذي أمسك السيسي بمقاليده، على أنه شأن عربي أيضاً. الأمر الذي يفسر مغزى هذا الاحتشاد الرسمي العربي وراء القائد الأعلى للجيش الكبير الباقي وحده بعد تفكك جيشيّ العراق وسورية، والمعول عليه لإعادة التوازن لواقع إقليمي مختل بشدة؛ بما صب القمح في طاحونة السيسي، وشد من عضده لمواصلة العبور نحو مستقبل مرتجى لمصر والأمة العربية.
ولعل هذه الحفاوة العربية البالغة بتنصيب السيسي رئيساً لمصر العربية، كانت تعكس في واقع الأمر مدى الرهان الذي يعقده العرب على هذه اللحظة المصرية المأمول بها، شعبياً ورسمياً، لعودة الروح القومية المضيّعة، وإعادة بناء شيء من معادلة القوة المبددة، ووقف هذه الاستباحة المتمادية، والحد من هذا الاستقواء على شعوب الأمة التي أصابها المرض عندما مرضت مصر، وما كان لها أن تتعافى إلا بعد أن يستعيد قلب العروبة النابض نبضه، وتسترد الأمة عافيتها بالضرورة، وفق ما تزخر به الوقائع التاريخية الزاهية في زمن المرحلة الناصرية.
إزاء ذلك كله، فإن المرء يجد لديه كل الشجاعة الأدبية والسياسية للقول إن هذه اللحظة الباذخة في حياة مصر والعرب، هي لحظة عبدالفتاح السيسي، من دون أن يسقط من ذهنه بعض ارتدادات هذا الزلزال المصري على مسألة الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية التعبير والتظاهر. وهي مسألة يمكن القبول بها مرحلياً، وفهمها موضوعياً وفق مفهوم الضرورات، في ظل حالة أحسب أنها ستكون مؤقتة، إلى أن يتم دحر العنف والإرهاب، وتحقيق قدر من الأمان والاستقرار، وإعادة عجلة الحياة الاقتصادية إلى الدوران بوتيرة مقبولة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تمجيد الطغاة (مراقب)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2014.
    استغرب كل الاستغراب كل هذا التطبيل والتزمير لفرعون مصر الجديد الذي جاء على ظهر دبابته ساحقا امال قطاع عريض من شعبه. والاشد غرابه ان يمتدح كاتبنا من جاء بالتزوير والخيانة لاول رئيس مصري منتخب, اهذه الديموقراطية التي تطمح لها الشعوب المقهورة؟ كنا نتطلع ان نترفع عن تمجيد الطغاة وصناعة اصناما لهم. ان امام السيسي وامثاله من الطغاة اياما صعبة وحسابا عسيرا وان غدا لناظره قريب
  • »جيل النكسة (ahmad)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2014.
    الاخ الكاتب
    القبول بتقليص الحريات والحنين الى زمن النكسة و عدم قبول الراي الاخر و الاستخفاف بعقول المواطنين يعبر عن راي من عايش النكسة و النكبة و الفقسة ويحن اليها
    ارجو تعليقك على لحظة اختراع جهاز علاج كل الامراض بما فيها الايدز كما ورد على شاشة التلفزيون الرسمي المصري و برعاية صاحب اللحظة
  • »السيسي ومهمة الانقاذ الصعبة (سفيان)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2014.
    حبذا لو أن احتفالات اعتلاء السيسي لمنصب الرئاسة لم تقترن بالحادثة المروعة لاغتصاب فتيات حرمن من فرحة وصوله لسدة الرآسة .... وأين ؟ في ميدان التحرير وعلى مرأى العديد من الناس الذين لم يرعوي بعضهم عن تصوير تلك المأساة وكأن ليست لهم أعراضا ولم تلدهن نساء ! هذا الميدان الذي اقترن أسمه بأكثر من حدث وحادث وشهد بحور متلاطمة من الناس في عدة مناسبات وزع في بعضها وجبات فاخرة جاهزة دفع ثمنها من سعى لفرض هيمنة فريق على فريق . واهم من يظن بأن التجاذب على مصر سينتهي بين ليلة وضحاها بل أنه سيمتد لينشر مزيدا من العنف والبطالة رغم تدفق الوعود بمليارات قد يصل بعضها ؟ الربيع العبري ينخر في أسس الدول الآن وينقض على دوائرها وأنفس مواطنيها وبات أخوة الأمس أعداء اليوم . هذه المهمة الملقاة على السيسي مهمة "انقاذ" ان صح التعبير وسوف يستغرق انقاذ مصر مما بها وقتا ولم يخطيء السيسي عندما قال بأنه يحتاج لسنتين . يهمنا وضع مصر من منطلق ايماننا بالأخوة العربية التي أطاحت جامعتها ببعض أسسها بتفويضها الغرب للانقضاض على ليبيا وسعيها المضني لالحاق سوريا بالعراق من حيث الدمار وشلالات الدم . مايعنينا بشكل أساسي يتمثل بالاهتزازات المرتدة التي قد يصلنا بعضها جراء تسارع الأحداث بها . على سبيل المثال وليس الحصر فأننا بأردننا نعاني الأمرين من تدفق اخوتنا السوريين ولا نجد مناصا من مشاركتهم طعامنا وماءنا وتنهال الوعود علينا بمساعدات تسهم في تحمل هذه الاعباء وقد تؤدي الوعود التي منحت لمصر لايقاف جزء من تلك المساعدات فينوء أردننا بثقل الحمل نتيجة الزيادة المضطردة في التكاليف والنقص الحاد في الموارد . مايحصل من هزات الربيع العبري يطالنا بوجه أو بآخر ، أملنا بأن يتمكن السيسي من ايقاف التردي الذي يتردد صداه في أكثر من بلد عربي وأن يحالفه التوفيق في مهمة الانقاذ الصعبة التي قد أوكلت اليه وقبل بها وأن لايكتب في مذكراته مستقبلا بأنه كان مرغما وليس بطل ؟
  • »GUN-POWDER BARREL (ابو خليل الكزاعير)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2014.
    هناك نوع او بعض المبالغة ، في استمرار سيطرة السيسي على الاوضاع في مصر ، رغم ما يمتلك من مافيا عسكرية ، ودعم صهيوني وخليجي وأمريكي ، وبوجوه وأشكال متعددة ..... وخاصة بعد افشال طموحات الشعب المصري في اختيار حكم مدني ، من خلال انقلاب السيسي على الرئيس محمد مرسي ، وإعادة حكم العسكر والمستمر منذ (60) سنة ، على رقاب المصريين ... حيث ان هدف هذا الانقلاب ، لا يخدم مصالح الشعب المصري ، بقدر ان الهدف الرئيس من وراء الانقلاب ، ليس سوى محاولة لتركيع وتطويع الشعب المصري ، في الاستمرار لخدمة مصالح دولية وإقليمية معروفة.
  • »Boasting (ismael)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2014.
    الاخ عيسى، ماذا أبقيت للمتنبي في مدح كافور؟ السيسي رئيس خلافي وقراراته ومرحلته وقيادته مختلف عليها. وتاريخيا تميز الزعماء الحقيقيون عن اللاهثين خلف السلطة بقدرتهم على تجاوز الخلاف وتوحيد الشعب. هذا هو الفرق بين شارل ديغول وتشرشل مثلا وبين توني بلير وساركوزي. وهو الفرق بين زعيم كمحمد علي باشا وبين السادات ومبارك ومرسي والسيسي.