إبراهيم غرايبة

جماليات كرة القدم

تم نشره في الجمعة 20 حزيران / يونيو 2014. 12:05 صباحاً

توحد كرة القدم العالم أكثر من أي شيء آخر. ويضم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عضويته دولا واتحادات أكثر من هيئة الأمم المتحدة. وقد تحولت اللعبة، ممارسة ومشاهدة وتنظيما، إلى استثمار عالمي هائل. وهي أساسا منظومة من المهارات الجمالية التي يحبها الناس، وقد درجت المجتمعات البشرية منذ القدم على مشاهدة المباريات المختلفة، والانفعال مع التنافس بين اللاعبين والفرق. ويبدو أن كرة القدم تمثل محصلة التجارب والأفكار والرموز البشرية في هذا المجال؛ التنافس في المهارات والقدرات، والعرض الجمالي سواء في اللعب نفسه أو ما يصاحبه، والتشجيع، والرهان، والمدرجات والملاعب وتصميمها بما يذكر بالمدرجات والساحات الرومانية واليونانية.. والدراما المتضمنة في المشاهد، سواء في الملعب أو المدرجات أو الشاشات، وكيف تحول الاستثمار الاحتكاري في عرض المباريات إلى سلوك اجتماعي جديد، يدفع الناس إلى المقاهي والأماكن العامة لمشاهدة المباريات، لتتحول هذه المقاهي نفسها إلى مدرجات للمشاهدين والمشجعين.
حظي كتاب الباحث والروائي الأورغواني إدوارد غاليانو "كرة القدم في الظل والشمس"، ترجمة صالح علماني، بأهمية كبرى في الأيام الأخيرة. الكتاب صدر العام 2011، ولكنه يُقرأ ويناقش هذه الأيام على نطاق واسع.
يقول غاليانو: كلما تحولت كرة القدم إلى صناعة، يجري استبعاد الجمال فيها وتحويل المتعة إلى مجرد لعب. وحين لا يكون اللعب مربحا، فإنه مهما كان جميلا وممتعا يصبح غير مفيد! وبسبب ذلك، تحولت كرة القدم من لعب إلى مشاهدة واستعراض، لا يجري تنظيمه من أجل اللعب، ولكن من أجل منع اللعب! كرة القدم الاحترافية تعني القوة والسرعة بلا فرح أو خيال أو مغامرة!
اللاعب المحترف الذي اختير من بين الفقراء الذين يلعبون في الساحات الترابية والأحياء الهامشية لأجل المتعة، تحول إلى لاعب لأجل الربح أو الربح! يشتريه ويبيعه رجال الأعمال، وهو لا حول له ولا طول، ويعتقلونه في معسكرات التدريب، ويفرضون عليه أسلوب حياة بالغ القسوة، ويشيخ في الثلاثين من عمره بعد أن قامر بحياته. ثم تتبخر الشهرة والمال أيضا. وحارس المرمى وثن وحيد يراقب اللعب من بعيد، عليه أن يتلقى الصفعات ويحمل كل الذنوب والآثام، يمكن أن يدمر بخطأ واحد مباراة كاملة، فيحكم عليه بالتعاسة الأبدية، وتلاحقه اللعنة حتى نهاية حياته!
وهناك المشجع، اللاعب رقم 12؛ فاللعب من دون تشجيع مثل الرقص بلا موسيقى. يشارك آلاف الورعين أمثاله في معبد كرة القدم بأننا أفضل وأن الخصم سيئ، وأن الحكم يلعب مع الخصم. ثم تخلو المدرجات من المشجعين ويخيم عليها الظلام والصمت والخواء، ويرجع المشجع الى وحدته، يصبح "أنا" ولم يعد "نحن".. يضيع ويتفتت!
والحكم ذلك الطاغية الدخيل، والجلاد المتكبر، تهتف الجماهير من أول المباراة إلى آخرها مطالبة برأسه. وهو ينفخ بصفارته ريح القدر؛ يمنح الأهداف أو يلغيها، ويقرر ويعاقب بالأصفر مجبرا اللاعب على الندم، أو يلقى به بالأحمر إلى المنفى.. يعدو أكثر من اللاعبين بلا راحة ولا لعب! يتحمل كل اللعنات، يفوز اللاعبون رغما عنه ولكنه سبب الخسارة... ماذا سيفعل المشجعون من غير حكم؟!
بدأت المقال متلمسا فكرة العنوان "الجمال في كرة القدم"، ثم خطر لي أن أبحث في "غوغل"؛ فوجدت هذا الكتاب المدهش، وأغواني بقراءته والتخلي عما بدأت به!

التعليق