أطباء إسرائيل والإطعام القسري

تم نشره في الجمعة 27 حزيران / يونيو 2014. 11:00 مـساءً

أظهرت نقابة الأطباء الإسرائيلية موقفا يثير الاستغراب بمستوى حدته، في اعتراضها على مشروع القانون الحكومي لإطعام الأسرى المضربين عن الطعام قسرا؛ فكيف لهذه النقابة التي تضم آلاف الأطباء اليهود، أن تتخذ موقفا طابعه مهني، ولكن له انعكاسات سياسية؟ إذ إن هذا الموقف يحبط الأداة التي تريدها حكومة الاحتلال لكسر إضراب الأسرى البطولي.
لا نريد أن تتملكنا النظرة السوداوية؛ فهؤلاء أيضا أطباء، نسبة جدية منهم تختار الإخلاص للمهنة وأخلاقياتها. لكن في المقابل، ليس من السهل على هؤلاء الأطباء أن يتخذوا موقفا لا يتماشى مع نهج القطيع السائد في الشارع الإسرائيلي، وأن "يغرّدوا" خارج سرب التحريض على كل ما هو عربي وفلسطيني، إلا إذا كان هناك ما هو أكبر يدفعهم إلى هذا الموقف.
منذ اللحظة الأولى، أعلنت نقابة الأطباء موقفها الرافض، وعللت رفضها بأن تطبيق هذا القانون يتعارض مع حقوق الإنسان والمريض، وبشكل خاص أخلاقيات المهنة التي حددها الاتحاد العالمي للأطباء. أكثر من هذا، فإن القانون يتعارض مع القانون الدولي. وظهرت سريعا غداة ظهور نص القانون، تقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية تتحدث عن أن أطباء إسرائيليين يتخوفون من ملاحقات قضائية دولية لهم، في حال أقدموا على إطعام الأسرى قسرا، حتى إن نقابة الأطباء أعلنت أنها لن تدافع عن أي طبيب يواجه محاكمة دولية لقيامه بإطعام الأسرى قسرا.
وكما سبق، فقد يستغرب كثيرون من هذا الموقف الحاد. ولكن في خلفيته، وعدا عن الالتزام بالمواثيق الدولية وأخلاقيات المهنة، أن نسبة عالية جدا من الأطباء الإسرائيليين لها طموح العمل في دول العالم، نظرا للمردود المالي الأعلى مما يتقاضونه في إسرائيل. فقد بيّن مسح ظهر قبل فترة، أنه حتى العام 2010 هاجر من إسرائيل 11 % من الأطباء، وأن التوجه هو ارتفاع النسبة في السنوات اللاحقة. ما يعني أن نية الأطباء الإسرائيليين للهجرة بهدف العمل في الخارج، أعلى بكثير ممن هاجروا فعلا، وكثير من هؤلاء الأطباء يتخوفون من احتمال سد آفاق العمل في الخارج في حال انصاعوا لقوانين حكومتهم العنصرية.
لكن الجيد في موقف الأطباء الإسرائيليين أيضا، أنه أثار جدلا حادا في أوساط النخبة في إسرائيل، وأيضا في وسائل الإعلام الإسرائيلية، حول شرعية هذا القانون بسبب شراسته. وظهر الكثير من المقالات في الصحف، والتعليقات في وسائل الإعلام الإلكترونية، تشرح خطورة القانون.
لكن كل هذا لم يردع حكومة اليمين المتطرف، ورئيسها شخصيا بنيامين نتنياهو، عن الاستمرار في تشريع القانون، وحتى مهاجمة معارضيه. وتحاول الحكومة تجميل الصورة الدموية لهذا القانون، من خلال تعديلات طفيفة عليه، من مثل أن القانون يطبق على من بات يواجه خطرا على حياته من الأسرى المضربين، وليس فقط تدهور حالته الصحية. وأكدت النائب العنصرية المتطرفة في الكنيسيت ميري ريغيف، رئيسة لجنة الشؤون الداخلية البرلمانية، أن هذا التعديل ليس جوهريا، وأن هناك إصرارا على إقرار القانون كليا في الأيام اللاحقة. وسمعناها تقول، "إذا أرادوا (الأسرى) أن يموتوا فليموتوا ولكن ليس عندنا".
غير أن الجدل في إسرائيل تمحور حول القانون وشكل التعامل مع الأسرى المضربين عن الطعام، وليس حول أسباب اندلاع الإضراب عن الطعام؛ وهي استفحال واستمرار الاعتقالات الإدارية لسنوات طويلة، لعدد كبير من الأسرى. وهذا ما لفت النظر إليه المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس"، تسفي بارئيل، الذي كتب في مقال له قبل أيام: "إن التغذية القسرية ليست عملا لإنقاذ معتقلين تتعرض حياتهم للخطر، بل هي فقط درع واقية سياسية" (للحكومة). وأضاف منتقدا تغييب أسباب الإضراب عن الحوار العام: "سنتجادل حتى الموت حول كيف؟ وهل من المناسب إنقاذ مضرب عن الطعام؟ أفلسنا إنسانيين؟ لكننا لن نتجادل في علة إضرابه واعتقاله، لأن هذا متروك لجهاز الشاباك (المخابرات)".

التعليق