عيسى الشعيبي

رُد قلبي

تم نشره في الخميس 3 تموز / يوليو 2014. 11:01 مـساءً

كثيراً ما كنت أسائل نفسي ساهماً، وأنا أمعن النظر مترفقاً بها، مداوياً جراحاتها بمرهم مزيجه الصبر والخيال والأمل، ومقلباً صفحات دفتر العمر المنسل كأنه الماء من بين أصابع الزمن الذي لا يرحم ولا يقدر عليه أحد: هل كان لهذه الحياة معنى يبرر كل هذا العناء؟ وهل كانت لدروبها الزلقة قيمة تسوغ الاعتداد بالنجاة في اللحظة الأخيرة دائما، والصمود بقليل من الحظ على حافة الحافة؟ هل كانت التضحيات الشخصية ذات جدوى ولها ما يبررها، أم كانت مجرد حرث في بحر هائج الأمواج؟
حين كان يداهمني الارتياب أحياناً، وينوء عليّ بكلكله، كنت أقول في نفسي لنفسي: لم لا؟! ففي كل مسيرة حياة جراح وترضيات، وفيها عزاء كثير وطيبات. فلكل شجرة ظلها، ولكل وردة عطرها الخاص؛ على نحو ما لكل خيار كلفة عادلة، ولكل مجتهد نصيب. الأمر الذي كان يعيدني إلى الاعتصام على باب التصالح مع الأقدار المقدرة، ويحملني على إقامة التوازن الداخلي بين الادعاءات الأخلاقية، والضرورات الموضوعية الملحة على جبهة الحياة العاصفة.
وها أنا اليوم أعنون مقالي باسم رواية قديمة ليوسف السباعي (ردّ قلبي)، أنتجتها السينما المصرية أواسط خمسينيات القرن الماضي، من بطولة مريم فخرالدين وشكري سرحان (كان يلقب بفتى الشاشة الأول)، وذلك كي أحتفي سعيداً بلقائي بعد عدة عقود، بذلك الولد الذي كنت وإياه في صف مدرسي واحد، وتزاملنا في كلية جامعية واحدة، وأقمنا معاً في شقة مفروشة في القاهرة، ثم مضينا بعد ذلك كلٌّ في طريقه. وطال المطال، إلى أن التقينا ككهلين مفعمين بحنين شديد إلى الماضي الذي كنا فيه أولاد فلاحين فقراء، تسكنهما الدهشة الدائمة.
والحق أنه سبق لي الالتقاء بعد غياب طويل بعدد لا يحصى من الأصدقاء والمعارف ورفاق درب حياة تنقلت بي بين عدة أمصار، ودرت فيها في مدارات القراءة والكتابة والبحث؛ إلا أن لقائي مع الفتى الذي شارف اليوم حيطان السبعين، وصار مثالاً للنجاح الشخصي في محيطه القريب، رد لقلبي اطمئناناً كنت أشتهيه، ورد لعمري في الوقت ذاته معنى كنت أنشده وأبتغيه. فقد بت الآن على يقين أن لكل الحيوات الإنسانية قيما تتفرد بها، وأن لكل منها رسالة يعتد بها. وفوق ذلك زدت إدراكاً أن التضحيات ليست حرثاً في البحر أبداً.
لا أود أن يكون مقالي هذا مكرساً لأمر خاص، أو تنويهاً بعلاقة ثنائية لا محل لها في باب مقالات الرأي والأفكار التي تخاطب الكافة في أمر عام. غير أنني وجدت في العزيز محمد موسى العقدة، غير المشهور في عالم الثقافة والسياسة والإبداع، مصدر اعتزاز بشخصية نبيلة لا تتكرر إلا قليلاً في المجال الاجتماعي، وذلك لفرط امتلائه بغنى النفس، وطول باعه في عمل الخير، وتواضعه الجم حد التواري عن الأنظار، وهو يقيم مشروعات غير ربحية، ويؤسس لجان إغاثة للأيتام، وينفق على طلبة في الأردن وفلسطين.
قد يعتب عليّ هذا الصديق العتيق لإيراد اسمه من دون استئذان، وقد يفتح عليه هذا التنويه أبواباً واسعة لطلب العون والمناصرة لأناس محتاجين لا حصر لهم. إلا أن اقتناعي بمبدأ أن الفضل ينبغي أن يكون له أب، وأن يسمى باسم صاحبه، هو ما أملى عليّ كسر حلقة الصمت والإيثار الذي تتمتع به كوكبة صغيرة من رجال الأعمال الاستثنائيين، سواء في دروب التميز والنجاح، أو على صعيد البذل مع نكران الذات.
ما قصدت قوله من وراء هذه الكلمات التي حاذرت فيها الإطراء ما أمكنني ذلك، أن النضال لا يقتصر على مجالات العمل الحزبي والميدان السياسي فقط، ناهيك عن الاستعداد للتضحية بالنفس في خدمة القضايا الكبرى فحسب، وإنما هو الكفاح في الحياة بمعناها الواسع أيضاً، والقبض على مفاتيح النجاح فيها باقتدار وكفاءة، وامتلاك القدرة النفسية على اقتسام بعض مردوداتها مع الآخرين من دون امتنان أو طلباً لشهرة أو جاه، تماماً على نحو ما بدت لي عليه طينة هذا الرجل/ المؤسسة، الذي صنع نفسه بنفسه، وصار مصدر فخر لأصدقائه، بعد أن صار قصة نجاح شخصي ملهمة لأصدقائه، وباعثة على الاعتزاز به.

التعليق