الأرجنتين والعبودية السيادية

تم نشره في الأحد 13 تموز / يوليو 2014. 12:00 صباحاً

آن كروغر *

واشنطن– لقد عاد الدين السيادي الى واجهة الاخبار مؤخرا وهذه المرة بسبب الحكم الاخير للمحكمة العليا الأميركية والمتعلق بدين الارجنتين وكنتيجة لذلك الحكم فإن من المرجح ان تصبح قضية معقدة بالفعل اكثر تعقيدا.
يعتبر الدين السيادي ومنذ قرون عدة من الخصائص الرئيسة للنظام المالي العالمي فالملوك كانوا يقترضون بالعادة على المستوى الدولي من اجل تمويل الحروب وغيرها من المصروفات وعندما لم يستطيعوا الدفع كما حصل في بعض الاحيان اصبح هولاء الملوك متعثري بالسداد.
أما اليوم فلقد تم استبدال الملوك بالحكومات التي عادة ما تكون منتخبه ديمقراطيا ولكنها ما تزال تقترض وما تزال تجد نفسها في مواقف بحيث يصبح دينها غير قابل للاستدامة وتصبح بحاجه للعون الخارجي من اجل تلبية التزاماتها لخدمة الدين.
عندما تصبح الشركات الخاصة ( او الحكومات اللامركزية) معسرة، فإن هناك عادة اجراءات قانونية تتعلق بالافلاس من اجل تحديد ما الذي يستوجب عمله وبدون مثل هذه الاجراءات فإن اقتصاد السوق سوف يصبح غير قابل للتطبيق.
ان من اسباب ذلك انه بدون تلك الاجراءات فإن الدائنين سوف يتوقفون عن تمديد الائتمان وسوف يطالبون بالسداد عندما يرون اول اشارة على وجود متاعب وهذا بسبب ان الدائنين الاوائل سوف يتلقون كامل المبلغ المستحق لهم مما يترك مبالغ اقل للدائنين اللاحقين وهذا بدوره يخلق حافز لجميع الدائنين ان يسارعوا للخروج حتى قبل ان يصبح خدمة الدين امرا مستحيلا.
وفي العديد من الحالات فإن قيمة اصول الكيان المضطرب كنشاط تجاري غير مهدد بالتصفية تكون اكبر مما لو تم بيع الاصول بشكل منفصل وفي مثل هذه الحالات سوف يكون الدائنون في وضع افضل عند حصول انخفاض في قيمة الديون بدلا من التصفية وهكذا فإن قانون الافلاس يحمي الدائنين من بعضهم البعض عن طريق تجنب حصيله قد تضر بهم جميعا بدون داعي.
ولكن بالنسبة للدين السيادي لا يوجد هناك قانون دولي ملزم يسمح بالافلاس وبالرغم من ظهور بعض الممارسات الروتينية مع نمو الاسواق الرأسمالية الدولية ولكنها ما تزال مخصصة لاغراض معينه.  لو اخذنا بعين الاعتبار الغموض الحاصل وحقيقة ان المدينين السياديين يمكن ان يقوموا بسداد ديون العمله المحلية عن طريق طباعة الاموال فإن الدائنين عادة ما يطالبون باسعار فائده اعلى كثيرا ان لم يتم اصدار السندات بموجب قانون دولة متقدمة وبعملتها – عادة ما تكون الولايات المتحده الامريكية أو المملكة المتحدة.
عندما تقرر الدوله ان دينها الخارجي غير قابل للاستدامة فإنه يتوجب على الحكومة ودائنيها التفاوض فيما بينهم عن ماذا يتوجب عمله. بالنسبة للسندات السيادية التي تحتفظ بها الحكومات الاخرى فإن نادي باريس للدول الدائنة قد قام بتطوير اجراءات من اجل التعامل مع الديون ولكن عندما يحتفظ الدائنون من القطاع الخاص بديون سيادية فإن تنظيمهم ينطوي على تحد جديد عند وقوع اي حادثة.
عندما يكون الدين غير قابل للاستدامة فإن هناك العديد من النتائج التي يتم التفاوض بشأنها؛ ففي بعض الاحيان تتم اعادة جدولة دفعات خدمة الدين وربما تمديدها على فترات اطول مما يعطي الدوله المدينة الوقت من اجل استعادة قدرتها على الدفع. واحيانا يوافق الدائنون على استبدال السندات القديمة بسندات جديدة والتي اما ان تكون قيمتها الاسمية اقل او تكون دفعات الفائدة اقل. ان هناك عدد قليل من الحكومات التي ترفض الدفع على الاطلاق وبأي شكل من الاشكال.
لقد تعثرت الارجنتين في سداد دينها سنة 2001 ولكن بعد سنوات عديده صعبة تمكنت الارجنتين من التفاوض على تبديل السندات المستحقة بسندات بقيمة اسمية اقل بكثير ولقد قبل حوالي 93 % من الدائنين الاستبدال وتلقوا سندات جديده بقيمة اسمية تعادل ربع قيمة السندات القديمة وبعد سنة 2005 احتفظت الارجنتين بخدمة الدين على السندات الجديدة.
لكن بعض الدائنين رفضوا ورفعوا دعوى قضائية ضد الارجنتين في نيويورك ( نظرا لان السندات صدرت بموجب قانون نيويورك). ان السندات الارجنتينية (مثل معظم السندات الاخرى) تتضمن ما يطلق علية بند باري باسو وهو بند يلزم الحكومة بالتعامل مع جميع حملة السندات على قدم المساواة. ان الدائنين الرافضين يدعون انه نظرا لأنه يتم حاليا خدمة السندات الجديده بشكل كامل فإن التعامل على قدم المساواه يتطلب ان يحصل المساهمين الرافضين على المبلغ المستحق لهم كاملا (بما في ذلك ليس فقط الفائدة ولكن ايضا المبلغ الاساسي).
لقد حكمت الدائرة الثانية في محكمة الاستئناف في الولايات المتحدة الأميركية بأن الارجنتين كانت ملزمة باحترام التزاماتها لحملة السندات الرافضين بنفس النسبة (100 % على وجه التحديد) كحملة سندات التبادل ولقد أقرت المحكمة العليا مؤخرا هذا الحكم.
طبقا لأمر المحكمة فإن من غير الممكن ان تدفع الارجنتين لحاملي السندات الجديدة ما لم تقم بالدفع للرافضين ولا تستطيع اية مؤسسة مالية امريكية ان تعمل كوسيط من اجل الدفع عن الارجنتين وكنتيجة لذلك إما ان تقوم الارجنتين بالدفع للرافضين بشكل كامل او ان تقصر في سداد السندات الجديدة.
بغض النظر عن كيفية الخروج من هذا المأزق فإن الحكم يثير العديد من التساولات لاولئك الذين يصدرون الدين السيادي وحاملي ذلك الدين ولو اعتقد الدائنون الان ان الرفض يزيد من احتمالية  ان يحصلوا على قيمة كاملة بتاريخ لاحق فإن اعادة هيكلة الدين السيادي واستعادة الوضع الطبيعي لاقتصاد المدين سوف يكون اكثر صعوبة.
ان معظم السندات الجديدة منذ الازمة الارجنتينية قد تم اصدارها ببنود تتعلق بالعمل الجماعي وبموجب تلك البنود فإن حاملي السندات ملزمون بقبول اعادة الهيكلة لو قبلت نسبة معينة (عادة حوالي 70 %) بذلك ومع مرور الوقت فإن السندات المعلقة والتي لا تحتوي على بنود العمل الجماعي قد اصبحت أقل ولكن بنود العمل الجماعي يمكن ان لا تحل كامل المشكلة لأنه سوف تكون هناك حاجه للتصويت على كل اصدار للسندات بحيث يمكن التوصل للموقف الرافض عن طريق شراء النسبة المعطلة لاصدار صغير.

*خبيرة اقتصادية رفيعة سابقة في البنك الدولي ونائبة سابقة في إدارة صندوق النقد الدولي، وأستاذة الاقتصاد الدولي في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز.
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق