بدعة خسائر إسرائيل الاقتصادية

تم نشره في الجمعة 25 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً

تكاثرت في الأيام الأخيرة التقارير الإسرائيلية حول ما يسمى "خسائر إسرائيل الاقتصادية". وبموجب تجارب السنين، سنشهد في الأسابيع المقبلة مزيدا من هذه التقارير، في إطار محاولة إسرائيل استكمال لعب دور "الضحية"؛ فمرتكبة الجرائم ضد الإنسانية، مرتكبة المجازر في غزة، بحاجة إلى صورة المطار الدولي "الخالي"، وإلى بكائيات القطاعات الاقتصادية المختلفة. ومرّة أخرى، يشتري البعض منا هذه البضاعة الإسرائيلية البالية، بينما الحقيقة الماثلة في حروب إسرائيل الأخيرة، هي أن الاقتصاد لا يتأثر، والنمو يواصل ارتفاعه، وستتلقى الخزينة العامة مزيدا من الدعم؛ الأمر الذي تدعمه الحقائق والمعطيات.
فقبل شن العدوان على قطاع غزة وخلاله، سعت إسرائيل إلى لعب دور الضحية، وهي تلقى مساندة واضحة من دول كبرى في العالم. وهذا الدور بحاجة إلى إبراز وصول القذائف الصاروخية إلى المدن والبلدات اليهودية، وإلى "محيط المطار الدولي الخالي"، وإلى لعبة الأرقام الصارخة التي تحكي لنا بدعة "الخسائر الاقتصادية". وهذه القضية بالذات، تلعب فيها عدة جهات، كل من أجل مصالحها.
الجهة الأولى والأساسية، هي حكومة إسرائيل، التي تهدف من وراء إبراز تقارير "الخسائر" إلى لعب دور الضحية، وإلى تهيئة "جهات الدعم" في العالم للاستعداد لتسديد قسط كبير من فواتير الحرب، كما شهدنا هذا على مر السنين، ولكن بشكل خاص في سنوات الألفين، وتحت تسميات مختلفة. والداعم الأساسي هو الولايات المتحدة، لتلحق بها دول أخرى، وإن بشكل غير مباشر.
أما الجهة الثانية، فهي جيش الاحتلال. فميزانية الجيش المباشرة تقتطع من الموازنة العامة أكثر من 16 %، وتقدر ميزانية الجيش السنوية الثابتة بنحو 16 مليار دولار، عدا عن 3 مليارات دولار هي الدعم العسكري الأميركي السنوي. كما يتلقى الجيش ميزانيات إضافية غير ثابتة من الموازنة العامة، تتراوح سنويا ما بين مليار إلى 1.5 مليار دولار.
ويدور في السنوات الأخيرة جدل حول حجم ميزانية جيش الاحتلال، كما يدور النقاش حول حجم الرواتب والامتيازات المالية للضباط والجنود، وليس التسلح وآلة الحرب. ويرفض الجيش إجراء أي تقليص، وشهدنا أن كل تقليص طال ميزانية الجيش في السنوات الأخيرة، تمت إعادته في السنة ذاتها مع إضافات. وقد جاء العدوان الحالي ليقفل الجدل الدائر، لا بل إن الجيش سيحصل في ميزانية العام المقبل على إضافات كبيرة من أجل "ملء مخازن الأسلحة".
ثم يأتي القطاع الاقتصادي الخاص، الذي يُكثر الحديث عن الخسائر المالية، من أجل رفع سقف التعويض الحكومي.
ولكن ما شهدناه في السنوات الأخيرة، وبشكل خاص في العام 2006 خلال العدوانين على غزة ولبنان، هو أن النمو الاقتصادي سجل في شهري الحرب ارتفاعا حادا، كما أن الاقتصاد ككل لم يتضرر، لا بل واصل نموه العالي نسبيا. وهذا يعود إلى سلسلة من العوامل الاقتصادية التي لا مجال للتوسع فيها هنا، ولكن مثلا، إذا تحدثت إسرائيل حاليا عن تراجع القوة الشرائية، فالتجربة تقول إنه بعد وقف إطلاق النار تعود الحركة الشرائية بقوة أكبر. كما أن اضطرار الحكومة لاستخدام ميزانيات الاحتياط، يعني تدفق أموال أكبر على الجمهور والاقتصاد الإسرائيلي. ويضاف إلى كل هذا، الدعم المباشر الذي ستحصل عليه إسرائيل من عدة دول.
واليكم بعض المعطيات: فحتى الأيام الأخيرة، يجري الحديث في إسرائيل عن أن تكلفة الحرب والخسائر الاقتصادية بتفاصيلها العامة والدقيقة، قد تصل في نهاية المطاف إلى ما بين 2.5 مليار إلى 3 مليارات دولار، بينما حجم الناتج العام في إسرائيل يتجاوز بقليل 250 مليار دولار، أي بمعدل يزيد على 31 ألف دولار للفرد الواحد. وهذه المعطيات وحدها، تفند بدعة "الانهيار الاقتصادي". وبالإمكان القول إن الحروب في إسرائيل باتت مربحة في كيان يبلغ فيه حجم الصناعات الحربية نحو 30 % من إجمالي الاقتصاد.
لكن رغم هذه الحقائق، فإن الحكومة الإسرائيلية ستستثمر هذا العدوان الإرهابي من أجل توجيه ضربات اقتصادية أكبر ضمن ميزانية العام المقبل 2015. وضحية هذه الضربات ستكون بالأساس الشرائح الفقيرة، التي غالبيتها من فلسطينيي 48. أما المتضررون من اليهود، فسيلزمون الهدوء، لأن الحكومة ستقنعهم بأن هذا "ثمن بقائهم على قيد الحياة، من عدوهم الأكبر"، فيما يواصل حيتان المال جني الأرباح الخيالية بشكل عام، ومن الحرب بشكل خاص.

التعليق