العيد.. تواصل مع الأرحام وشعور مع الفقراء يغطيان أقطار الأرض

تم نشره في الأحد 27 تموز / يوليو 2014. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 27 تموز / يوليو 2014. 11:53 مـساءً
  • - (تصوير محمد أبو غوش)

إعداد د. محمود قدوم

إذا كان المسلمون يفرحون بعيد الفطر ابتهاجا بنعمة التوفيق لإتمام الصيام والقيام في شهر رمضان، فإنّه لا بد من التنبيه إلى عدم الفصل بين معنى العيد في حياة المسلمين والمهام التي أناطها بهم الإسلام، فهو جزء من مسيرة التكليف في هذا الدين العظيم، فما أشد حاجة المسلمين إلى أن يفهموا أعيادهم فهماً جديداً يستقبلون به هذه المناسبات حتى تكون أيام خير عامرة تنبه في الأمة مكامن قوتها، وتجدد النفوس بمعاني هذه القوة، لا كما هي الآن في كثير من بلاد المسلمين ممسوحة مفرّغة من المعنى، والناس فيها أكبر همهم تجديد الثياب وتكثير أوقات الفراغ.
يقول استشاري الفقه الإسلامي، د. مصطفى إسعيفان: العيد فرحة للصائم إذ أتم شهره في طاعة الله تعالى، وأعيادنا في الإسلام مرتبطة بالعبادة والطاعة، ولا ترتبط بالفسق والفجور، ولا يعني العيد أبدا أن ينسلخ المسلم من عهد الطاعة والعبودية لله، بل بالتقوى يتحقق معنى العيد.ويضيف، هذه الفرحة في العيد مضبوطة بضوابط الشرع، نعم، العيد حد فاصل بين الممنوع والمسموح: فأبيح فيه الطعام والشراب واللهو المباح وشرع فيه التوسعة على الأهل بما يضفي على النفوس بهجة وأنسا وراحة، لكنّ الشرع -في الوقت نفسه- ضبط هذه الفرحة بأحكام تقمع الهوى وجموح النفس.
والمسلمون في فرحتهم بعيد الفطر المبارك ينبغي عليهم أن يكونوا مرآة صادقة تعكس حركة المسلم في فرحه، وسروره، وهي حركة منضبطة غير منفلتة، فيها الأدب، واحترام مشاعر الآخرين، والعيد مناسبة طيبة لوصل ما انقطع من حبال الوصال والمودة، مع الأرحام، والجيران، والأصدقاء، ولإدخال السرور والفرحة والبهجة على الأسرة، والأهل، خاصة من طريق الهدية. ولا ينبغي للمسلم أن تنسيه فرحته بالعيد إخوته المسلمين المرضى في بيوتهم أو في المستشفيات، فزيارتهم يثيب الله تعالى عليها بالأجر الجزيل.
وفي عيد الفطر السعيد يشارك الفقراءُ الأغنياء الابتهاج بالعيد، من خلال ما يصلهم من زكاة الفطر، الواجب إخراجها على كلّ مسلم قادر عليها.
ولقد شرع الله سبحانه عيدَين للمسلمين في كل عام، كل منهما قد أتى بعد عبادة عظيمة جليلة، فعيد الفطر المبارك جاء بعد عبادة جليلة هي الركن الرابع من أركان الإسلام وهي إكمال عدة رمضان، فشرع العيد فرحة للصائمين لإكمال صيامهم وإتمام الشهر الكريم، وعيد الأضحى جاء بعد عبادة عظيمة أخرى هي الركن الخامس من أركان الإسلام وهي حج بيت الله الحرام.
وبعد أن صام المسلمون شهراً كاملاً أكرمهم الله بعد ختمه، بعيد تشترك الأمة كلّها في الابتهاج بحضوره، وإعلان الفرحة فيه.

يقول عضو الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين د.عامر القضاة: تنقضي الأيام وتمضي ساعاتها، ويرحل شهر الخير، فيكرم الله عبده الصائم القائم بجوائز وأعطيات ومكرمات كثيرة، أولاها:" للصّائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه". فيفرح بطاعة قدّمها، ويكرمه مولاه بعيد سعيد يفرح ضمن إطار اللهو المباح.
ويضيف: العيد يعود بالسعادة والتوسعة على الأهل ليشعروا بقيمة الدين، ويرتقوا بلذة العبادة العائلية؛ فالعيد تواصل مع الأرحام، فتتعانق القلوب والأرواح قبل الأجساد، والعيد شعور مع الفقراء، العيد شعور مع كل المسلمين في آلامهم، ليكرمهم الله بتحقيق آمالهم.
العيد تصافح وتغافر وصفاء القلوب من الغل والحقد والحسد، والعيد محطة تعبدية تبدأ بالتكبير والعزّة، ولا تنتهي إلا بأمنيات القبول والرضوان، العيد قلب جديد كما هو لباس جديد، عزم أكيد، ومضاء وهمة من حديد.
يقول الداعية الإسلامي: محمد راتب النابلسي، العيد عند المسلمين مظهر من مظاهر الدين وشعيرة من شعائره، ينطوي العيد في الإسلام على حكم عظيمة، ومعان جليلة، وأسرار بديعة، لا تعرفها الأمم الأخرى في شتى أعيادها.
فالعيد في معناه الديني شكر لله تعالى على تمام العبادة، لقوله تعالى:" وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَاهَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ". سورة البقرة: 185.
وشكر لله على تمام العبادة، لا يكون باللسان فقط، بل لا بد أن يمتزج بالمشاعر والقلب رضاً واطمئناناً، وأن يظهر في اللباس والوجه فرحاً وابتهاجاً، فيمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة وفجوة.
أمّا العيد في معناه الإنساني فهو يوم تلتقي فيه قوة الغني وضعف الفقير على محبة ورحمة وعدل من وحي السماء، عنوانها الزكاة والإحسان والتوسعة.
ويضيف النابلسي أما العيد في معناه الاجتماعي فهو يوم الأطفال يفيض عليهم بالمرح والفرح، ويوم الفقراء يلقاهم باليسر والسعة، ويوم الأرحام يجمعها على البر والصلة، ويوم المسلمين يجمعهم على التسامح والتزاور، ويوم الأصدقاء يجدد فيهم أواصر الحب ودواعي القرب، ويوم النفوس الكريمة تتناسى أضغانها فتجتمع بعد افتراق وتتصافى بعد كدر وتتصافح بعد انقباض.
ويلفت النابلسي إلى أنه مما يؤسف له أن بعض المسلمين جردوا الأعياد من حليتها الدينية، وعطلوها عن معانيها الروحية الفوارة التي كانت تفيض على النفوس بالبهجة، مع تجهم الأحداث، فكثير منهم يلقون أعيادهم فاترةً وبحس بليد وشعور بارد وأسرة عابسة، حتى ولكأن العيد عميلة تجارية تتبع الخصب والجدب وتتأثر بالعسر واليسر والنفاق والكساد، لا صبغة روحية تؤثر ولا تتأثر، ولئن كان من حق العيد أن نبتهج به ونفرح، وكان من حقنا أن نتبادل به التهاني ونطرح الهموم، ونتهادى البشائر، فإن من حقوق إخوتنا المشردين المعذبين شرقاً وغرباً يقتضي أن نحزن لمحنتهم ونغتم، ونعنى بقضاياهم ونهتم، فالمجتمع السعيد الواعي هو ذلك الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروة، ويمتد شعوره الإنساني إلى أبعد مدى ذلك حينما يبدو في العيد متماسكاً متعاوناً متراحماً حتى ليخفق فيه كل قلب بالحب والبر والرحمة، ويذكر فيه أبناؤه مصائب إخوانهم بالأقطار حين تنزل بهم الكوارث والنكبات.
ويعلق النابلسي على ذلك بالقول: المعنى دقيق جداً لا يراد من ذلك ذرف الدموع، ولبس ثياب الحداد في العيد، ولا يراد من ذلك أن يعتكف الإنسان كما يعتكف من فقد حبيبه، ولا أن يمتنع عن الطعام كما يفعل الصائم، وإنما يراد من ذلك أن تظهر أعيادنا بمظهر الأمة الواعية التي تلتزم الاعتدال في سرائها وضرائها، فلا يحول احتفاؤها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فريق من أبنائها، ويراد من ذلك أيضاً أن نقتصد في مرحنا وإنفاقنا لنوفر من ذلك ما تحتاج إليه أمتنا في صراعها المرير الدامي، ويراد من ذلك أن نشعر بالإخاء قوياً في أيام العيد فيبدو علينا في أحاديثنا عن نكبات إخواننا وجهادهم ما يقوي العزائم ويشحذ الهمم، ويبسط الأيدي بالبذل ويطلق الألسنة بالدعاء، فهذا هو الحزن المجدي الذي يترجم إلى عمل واقعي.
ويلفت النابلسي بالقول: تذكر في صبيحة العيد وأنت تقبّل أولادك تذكر المجتمع الذي يئن من وطأة الاحتلال، تذكر اليتامى الذين لا يجدون في صبيحة العيد حنان الأب، لقوله تعالى:" وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ" التوبة: 71. وقوله تعالى:" وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ" البقرة: 272.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَن نَفَّسَ عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس اللَّهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة".

آداب العيد

هذا العيد الذي يفرح به المسلمون في أقطار الأرض كلها قد شرع الله تعالى له سننا وآداباً تمثلها النبي صلى الله عليه وسلم في يوم العيد، فكان يحافظ عليها ويؤديها شكراً لله على ما أتم من نعمة وعلى ما أرشد الأمة إلى الصراط المستقيم، وهذه الآداب هي:

تكبيرات العيد

ويبدأ التكبير في عيد الفطر من غروب الشمس ليلة العيد إلى خروج الإمام لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}، وقد ورد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظ في التكبير، منها:" الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد".
ويسن الجهر به للرجال في الطرقات والمساجد والبيوت. وأما النساء فيخفضن أصواتهن به.

التجمل في العيد

كان صلى الله عليه وسلم يلبس في يومي العيد أفضل ما يجده من الثياب، وكان يتجمل ويدهن ويضع العطر فكان لا يشم إلا طيبا طاهراً عليه الصلاة والسلام.

الأكل صباح العيد

وكان صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يَطعَم، ولا يطعم يوم النحر حتى يذبح.

الزكاة قبل صلاة العيد

كان صلى الله عليه وسلم يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر.
ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أنه كان يخرج إلى المصلى ليصلي العيد ولم يرد عنه أنه صلى العيد في المسجد، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: "كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى".
ومن السنة الخروج إلى المصلى ماشياً فإن عاد ندب له أن يسير من طريق آخر غير التي أتى منها فعن جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم العيد خالف الطريق".
وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى العيد مكبراً مهللاً شاكراً الله على أنعمه، ممتثلاً قول ربه تبارك وتعالى:"وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" سورة البقرة(185).

خروج النساء والأطفال

يشرع خروج الصبيان والنساء في العيدين للمصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض، لحديث أم عطية قالت: "أمرنا أن نخرج العواتق -أي الجارية البالغة- والحُيَّض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيّض المصلى".
وعن ابن عبَّاس قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بَنَاتَهُ وَنِسَاءَهُ أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ.

تنبيهات في يوم العيد

-يحرم صوم يومي العيدين؛ لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر.
-بعض الناس يفرحون بالعيد؛ لأنهم تركوا رمضان، وانتهوا من الصيام، وهذا خطأ، فإن العيد إنما يفرح به المؤمنون؛ لأن الله تعالى وفقهم لإكمال عدة الشهر وإتمام الصيام، وليس الفرح بسبب إنهاء الصيام الذي يعده بعض الناس عبئًا ثقيلاً عليهم.
-صلة الرحم فريضة وأمر واجب, وقطيعة الرحم كبيرة من كبائر الذنوب, قال صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة قاطع رحم) متفق عليه. ويوم العيد فرصة لصلة الرحم وزيارة الأقارب وإدخال السرور عليهم. وهذا من جلائل الأعمال وسبب في بسط الرزق وتأخير الأجل, قال صلى الله عليه وسلم:(من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه. ولا تكن صلتك لأقاربك مكافأة لهم على قيامهم بحقك, بل صلهم ولو قطعوك, قال النبي صلى الله عليه وسلم (ليس الواصل بالمكافئ, ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) رواه البخاري. واعلم أن من صلة الرحم الاتصال الهاتفي على الأقارب عند تعذر المقابلة, والاطمئنان على صحتهم, وسؤالهم عن أحوالهم, وتهنئتهم عند مناسباتهم السارة, ومواساتهم عند الشدائد والمكاره.
-العيد مناسبة طيبة لتصفية القلوب, وإزالة الشوائب عن النفوس وتنقية الخواطر مما علق بها من بغضاء أو شحناء, فلتغتنم هذه الفرصة, ولتجدد المحبة, وتحل المسامحة والعفو محل العتب والهجران, مع جميع الناس من الأقارب والأصدقاء والجيران. وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم:(وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث, يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا, وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) متفق عليه.
-لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى الرجال متبرجة متزينة متعطرة, حتى لا تحصل الفتنة منها وبها, فكم حصل نتيجة التساهل بذلك من أمور لا تحمد عقباها. قال الله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) [الأحزاب: 33] وقال صلى الله عليه وسلم:(أيما امرأة استعطرت فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية).
-الحذر من الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء, وهو محرم كل وقت وحين. وإنما حصل التنبيه هنا لكثرة اجتماع الناس في هذا اليوم وتكرر الزيارات واللقاءات العائلية فيه.
-تحرم المصافحة بين المرأة والرجل الأجنبي. وهي عادة قبيحة مذمومة. وإذا كان النظر إلى الأجنبية محرماً فالمصافحة أعظم فتنة. ولما طلبت النساء المؤمنات من النبي صلى الله عليه وسلم في المبايعة على الإسلام أن يصافحهن امتنع وقال:(إني لا أصافح النساء). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).
-بعض الناس يجتمعون في العيد على الغناء؛ واللهو المحرم، وهذا لا يجوز في العيد ولاغيره، وليس مناسبة لانتهاك المحرمات، ولكنه مناسبة شكر لله وفرح بفضله.
-بعض الناس يعتقدون مشروعية إحياء ليلة العيد بالصلاة، ويتناقلون في ذلك حديثًا لا يصح، وهو أن "من قام ليلتي العيد محتسبًا لله؛ لم يمتْ قلبه يوم تموتُ القلوب".
-الإغراق في المباحات من لبس وأكل وشرب حتى تجاوزوا الأمر إلى الإسراف في ذلك ، قال تعالى:"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" الأعراف : 31.
-بعض الناس يتهاون في أداء صلاة العيد، ويحرم نفسه الأجر فلا يشهد الصلاة، ودعاء المسلمين وقد يكون المانع من حضوره سهره الطويل.

التعليق