"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"

تم نشره في الجمعة 22 آب / أغسطس 2014. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

ما أروع دقة الوصف القرآني لطبيعة الصراع بين الحق والباطل، ولحقائق دفائن نفوس الكافرين ومن معهم وشايعهم؛ وأن هذه معركة مستمرة استمرار الزمان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهي حقائق قرآنية لا وجهات نظر شخصية أو تحليلات سياسية واستراتيجية؛ فالحق سبحانه خلقنا وهو أدرى بشؤوننا، وأعلم بمكنونات النفوس، وشاءت إرادته سبحانه لهذا الدين أن يكون الخاتم. وما كان خاتما فهو الأكمل والأشمل والمهيمن على سائر الديانات الأخرى. ومن هنا كنا خير أمة أخرجت للناس، وكان نبينا خير الأنبياء جميعا، وكان كتابنا معجزا محفوظا: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر، الآية 9).
وجاء قول الله تعالى: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ" (البقرة، 217)، ضمن آية عظيمة في آيات الجهاد في سورة البقرة، لتبين حقائق أخرى حول طبيعة الصراع بين الحق والباطل. فالعدو يحاول بكل ما أوتي أن يشوّه صورة الحق في نفوس الناس، وأن يلصق به شبهات ويضع حوله الشكوك. ومن هنا، لما حدثت سرية نخلة في العام الثاني للهجرة (قبيل بدر)، وهي المسماه سرية عبدالله بن جحش وهو أميرهم، فقد ساروا إلى ما هو أبعد من مكة، في مكان بين مكة والطائف، وبما يصوّر الجرأة والقوة التي كان عليها المسلمون. وهناك، صادفوا مجموعة من المشركين، وكان الزمان آخر رجب الحرام، فتشاوروا هل يقاتلونهم ويغنموا منهم، وسبب ذلك هو الشهر الحرام. وإن تركوهم حتى الغد، فسيخرجون من الشهر الحرام ولكن سيدخلون في المكان الحرام (مكة). وكانت نتيجة اجتهادهم أن يقاتلوهم. وحصل ذلك وغنموا منهم، وعادوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وأشاعت قريش أن محمدا انتهك الشهر الحرام. وأصاب المسلمين حرجٌ عظيم، لا لمجرد الإشاعة، بل لما ظنوه أنها مخالفة، فأنزل الله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة، 217).
هكذا هو القرآن في وضوحه وواقعيته، يرد على الكفار فيما أشاعوه؛ فلئن كان القتال في الشهر الحرام كبيرا، فإن ما يفعله المشركون تجاه المؤمنين من صد عن سبيل الله والكفر به سبحانه وبالمسجد الحرام الذي لم يراعوا حرمته، فأخرجوا منه أهله وعذبوهم وطردوهم، هذا أكبر بكثير من فعلة المسلمين. فالفتنة التي عرّضوا المسلمين لها أكبر من القتل. وهنا ندرك مسألة مهمة في ديننا، وهي فقه الموازنات. فهناك كبير وأكبر، وصغير وأصغر، مما يسمح بوجود الاجتهاد في موازنة الأمور ودرء المفاسد وجلب المصالح، والتفضيل بين الأمور من حيث الفعل وتركه، بناء على غلبة الظن في الأمور.
وجاء بعد هذه المسألة في الرد على المشركين قوله تعالى: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ"؛ فهو ديدنهم، وفي سبيل ذلك يضعون أيديهم بأيدي أصناف الكفر كله، بمن فيهم اليهود والمنافقون وغيرهم، فهو فعل مستمر لا للصد أو النواحي المعنوية والفكرية والأخلاقية فقط، بل نصّ القرآن على القتل الذي لا يهدأ بال الكفر إلا به، حيث الاستئصال والوصول إلى حد الإشباع من الرضى، فهي أخلاقهم التي يأبى الله إلا كشفها وإن تظاهروا أمام العالم بسلميتهم وحضارتهم، إذ إنه إذا وصل الأمر إلى الإسلام فالمعادلة معكوسة، والمبادئ منتقضة. فالغرب -مثلا- يزعم دعم الديمقراطية، لكنها إن كانت بين المسلمين تصير محرّمة، بل يدعمون الدكتاتوريات! وهكذا في مجال حقوق الإنسان، وغيرها من المجالات.
ولا بد من إدراك واقعي عند جميع المسلمين لهذه الحقيقة المرّة في موقف الآخرين من المسلمين. فما جرى ويجري من تصفية جسدية ينطبق تماما على الواقع. ولنا أن نراجع في ذاكرتنا ما قام به المشركون تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، ثم عبر الزمن من وقوف التجمعات الكافرة أمام المسلمين، وما كان من حروب صليبية واستعمار حديث وتصفيات عرقية ودينية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، وكره دفين للمسلمين حتى في بلاد الغرب حيث الديمقراطية؛ فهو الخوف من هذا الدين، وتمني استئصاله واجتثاثه. هذا كله إضافة إلى نتائج الحروب الصليبية الفكرية؛ بالغزو الفكري والأخلاقي، حين أدرك بعضهم أن تحويل المسلمين عن دينهم أمر صعب، فعمدوا إلى الغزو الفكري وتشويه الإسلام والدخول في عالم الشبهات والشهوات. وأستطيع القول إنهم نجحوا في ذلك إلى حد ما، ومع ذلك تبقى التصفية الجسدية مقصودة.
والمقطع الأخير من الآية يتحدث عن الردة؛ إذ يحذرنا الله تعالى من أن نستجيب لهؤلاء الكفار فيما يريدونه. فهم يهدفون من وراء حربهم الشرسة إلى تحويلنا عن ديننا وارتدادنا عنه، فجاء التحذير: "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"؛ فالمطلوب هو الثبات والثقة بالله تعالى وبهذا الدين. وعبثا يحاول أعداؤنا أن يوصلونا إلى درجة اليأس، خاصة والغلبة لهم، والدولة لهم. فلا بد من يقين به تعالى وبوعده على مر الزمان، فهذا الدين هو الحق ولو تركه أهله، وهذا أكثر ما يؤسَف له؛ أن المسلمين يعيشون هذه الردة العامة عن دينهم، فلم يلتزموا أحكامه وشريعته، ولو فعلوا ذلك لكانوا سادة الدنيا، ولكنها الاستجابة للكافرين والحالة المريضة التي نعيشها في تحكّم أعدائنا بنا، وشلل إرادتنا الذي طال معظم شعوبنا ودولنا وأنظمتنا، بل دخل إلى عقولنا وبيوتنا.
ولعل المعركة بين الحق والباطل تشتد هذه الأيام، لوجود طلائع البعث الإسلامي من جديد، ولأن الوعي الإسلامي ازداد، ولأن الشعوب تتطلع فعلا إلى الحرية والكرامة، خاصة التي جربت الفساد والاستعباد. فقد عرفت هذه الشعوب طريقها، وعرفت حقائق لطالما حاول الأعداء طمسها وتزويرها. ويتزعم الحرب اليوم يهود، حين تحكموا في مفاصل القرار العالمي، وهم يملون سياساتهم ويتحكمون بمصائر الشعوب بعد أن قامت من غفلتها، ويريدون للزمان أن يستدير.
الوعي مطلوب، والدراسة لسنن الله تعالى في الحياة مطلوبة. والأهم من هذا كله الثقة بالله وبمنهجه. ومكر هؤلاء إلى زوال ولو كان عظيما تزول منه الجبال، فالله أكبر منهم جميعا وأعظم، ولم نُكَلَّف إلا الأخذ بالأسباب. والله تعالى وعد، ووعده الحق، بأن النصر لهذا الدين، فيا له من دين لو أن له رجالا!

*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحريه والكرامه (نافر)

    الثلاثاء 28 نيسان / أبريل 2015.
    كلمتين استبدلهما بالعبوديه لله
    الحريه هي التحرر من الطاغوت
    والكرامه هي طاعة الله