عيسى الشعيبي

مفهوم الهزيمة وماهية النصر

تم نشره في الخميس 28 آب / أغسطس 2014. 11:05 مـساءً

توفيت في دمشق أوائل الشهر الحالي، الدكتورة خيرية قاسمية، وحيدة حزينة في المدينة التي لجأت إليها من حيفا وهي في سن التاسعة من العمر، بعد أن باتت هذه الباحثة المتميزة واحدة من المؤرخين المرموقين، لاسيما في التاريخ الفلسطيني الحديث.
من بين أوائل المخطوطات التي حققتها قاسمية، كانت مذكرات فوزي القاوقجي، قائد جيش الإنقاذ في حرب العام 1948. وهو الضابط السوري المولود في طرابلس في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كان قبل ذلك ضابطاً في سلاح الخيالة العثماني، ثم قائداً لحرس الملك فيصل الأول في دمشق.
كان القاوقجي مثالاً للمحارب عابر الأزمان والحدود؛ من ضابط في جيش السلطة العثمانية، إلى قائد في زمن المملكة الفيصلية، إلى ثائر ضد الانتداب الفرنسي على سورية، ومن بعده ضد الانتداب البريطاني على فلسطين.
بحسب المذكرات الصادرة في حياة فوزي القاوقجي قبل وفاته العام 1977، لم يخسر هذا الثائر، الذي قاد المتطوعين العرب في شمالي فلسطين قبل النكبة، أياً من المعارك التي خاضها طوال عمره، ومع ذلك فقد كانت المحصلة لكل تلك المعارك هزيمة منكرة.
تذكرت القاوقجي في غمرة الاحتفالات الصاخبة، داخل غزة وخارجها، ابتهاجاً بالنصر على إسرائيل، بعد صمود أسطوري في وجه آلة قتل فتاكة دام لخمسين يوماً. ثم رحت أسائل نفسي عن ماهية النصر الذي يستحق كل هذا الرصاص في الهواء، وكل هذه الحفاوة بين الأنقاض.
والحق أن العرب والفلسطينيين لم يسبق أن راودت أذهانهم الشكوك بتحقيقهم النصر في أي من حروبهم مع إسرائيل، بما في ذلك حرب حزيران 1967، التي قال فيها بعضهم إن العدو قد فشل في إسقاط أنظمة الحكم التقدمية الثورية، وبذلك فإن الهزيمة كانت من نصيبه.
وقد تكررت الحال بعد حرب العام 1982، التي أملت على قوات منظمة التحرير الفلسطينية، بعد 88 يوماً من الصمود، الانسحاب بأسلحتهم الفردية، على ظهور البواخر الأميركية والفرنسية، إلى مناف بعيدة، وهم يرفعون أصابعهم بإشارة النصر التشيرتشلية الشهيرة.
اليوم، يتكرر المشهد ذاته، مع جرعة من الترهيب الفكري ضد كل من يتساءل بحرقة عن المطالب التي تم تحقيقها في نهاية هذه الملحمة من القتال اللامتماثل، أو يحذر من مخاطر التعلق بأوهام نصر مبكر، لاسيما أن المعركة السياسية الوشيكة لم تبدأ بعد، والنتائج المنشودة ما تزال بعيدة.
أحسب أن إسرائيل لم تنتصر، وهذا أمر مهم للغاية؛ وأن المقاومة لم تهزم بالمقابل، وهو أمر أشد أهمية من سابقه. فيما يمكن اعتبار مصر الجديدة والسلطة الفلسطينية الرابحين سياسياً من هذه الحرب، التي انصبت صواريخها ضد إسرائيل، بينما دار خطابها التعبوي ضد هذين الطرفين.
دعونا ننظر إلى الوقائع أولاً، كي نرى أن حقيقة أهداف كل من إسرائيل والمقاومة لم تتحقق بصورة حاسمة، وبالتالي فإن سائر الادعاءات بكسب المعركة، ليس لها سوى القليل في رصيد الطرفين من المكاسب غير النهائية. إذ لم تتمكن إسرائيل من كسر مقاومة ارتقى أداؤها العسكري إلى مستويات غير مسبوقة؛ فيما لم تستطع المقاومة انتزاع أي من مطالبها المشروعة، لاسيما إنهاء الحصار الجائر، بما في ذلك بناء الميناء البحري وإعادة تشغيل المطار، ناهيك عن إعادة الإعمار وتحويل الأموال.
وبالتدقيق في نص ما أعلنت عنه القاهرة، نجد أننا أمام حالة وقف إطلاق نار مفتوح المدى؛ أي إننا لسنا أمام تهدئة أو هدنة أو تسوية ولو مؤقتة، وأن الحصار القائم لن يرفع، بل ستجري إدارته بصورة محسنة، فيما المطالب الجوهرية مؤجلة وتخضع لروح المساومة.
وفي الواقع، فقد عدنا إلى تفاهمات ما بعد حرب العام 2012 التي ظلّت غير مفعلة. كما عدنا إلى الورقة المصرية التي قيل إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، وإنها مؤامرة، بل وولدت ميتة وصارت من الماضي، وذلك بعد سقوط نحو 13 ألف ضحية بين شهيد وجريح، وتدمير عشرات آلاف المنازل والمرافق والمساجد وغيرها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عالم جديد يتطلب عقولا جديدة (سعيد)

    الجمعة 29 آب / أغسطس 2014.
    مشكلة المقال انه يحاكم ما يحدث اليوم بمنطق عقلي انتهت صلاحيته.
  • »غريب!! (مواطن)

    الجمعة 29 آب / أغسطس 2014.
    بمنطق بسيط بعيدا عن العواطف, اسرائيل حدت أهدافها من الحرب, و هي ايقاف الصواريخ, تدمير حماس, و تدمير شبكة الأنفاق, المقاومة حددت أهدافها, ان لا يدخل الاسرائيليون غزة, و ان يرفعوا الحصار, و أن يحافظوا على سلاحهم لآخر لحظة, قل لي بربك من حقق أهدافه؟ ان يقتل اليهود العائلات الآمنة و الأطفال و الشيوخ لا يعني مطلقا انهم حققوا أهدافهم, الا انهم أخذوا ضريبة الدم التي تعودوا عليها, و ما يغيظ, ان من تربى على الهزائم يرفض حقيقة النصر, و ان من لا يرى الا الخلاف مع اتجاه الاسلام السياسي اينما كان من باكستان الى المغرب, لن يرى الأمل الذي يبثه الدين, و من تربى تحت ظل حراب الذل و العار لن يرى العذزة و الكرامة, من يقول الكاتب الكريم انهم فائزون سياسيا, يتغافل عن كل الشواهد التي تثبت انتها السلطة و مصر سياسيا في قضية المسلمين المركزية, و كل ما تراه من شو اعلامي هو لحفظ كرامة من لا كرامة له من الاقلابين و الخونة
  • »النصر لا يقاس دائما بالضربة القاضية (عاصم الشهابي)

    الجمعة 29 آب / أغسطس 2014.
    كل الأحترام لرأي الكاتب عيشى الشعيبي بتفسير النصر والهزيمة في الحرب الإسرائيلة الوحشية ضد فلسطيني غزة. وهنا أذكر فقط التالي: ورد في جريدة الغد اليوم بأن أستطلعات الرأي العام في إسرائيل تبين بأن الإسرائيلين يعتقدون أنه لا يوجد منتصر في الحرب الأخيرة ضد غزة. وهذا بحد ذاته يؤكد أن المقاومة الفلسطينية قامت بتقدم إنجاز عسكري كبير يجب أن يفتخر فيه كل العرب، خاصة أن المقاومة الفلسطينية بجميع فصائها وبدعم صمود أهل غزة الشجعان وقفت ضد رابع أو خامس أقوى دول العالم في التسلح المتقدم. والطلوب الأن أن يقف جميع العرب دول وشعوب بدعم مفاوضات رفع الحصار الظالم عن غزة وبالضغط على إسرائيل لوقف إستعمار ما تبقى من الأراضي الفلسطينية غرب النهر. وأغلب الظن أن الحرب الأخيرة التي فشلت أن تقضى على المقاومة الفلسطينية أثبت لإسرائيل وللعالم بأن الشعب الفلسطيني وبدعم الشعوب العربية والأصدقاء في العالم يريد حلا عادلا لقضية فلسطين، ولا سلام وأمان لإسرائيل دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة في العيش بحرية وكرامه على تراب وطنه فلسطين.
  • »لمن يعاني من عقدة الهزيمة. (ابو خليل الكزاعير)

    الجمعة 29 آب / أغسطس 2014.
    دون الدخول في حوارات الطرشان ، او في مهاترات ، او في حوارات بيزنطية ، او الاصغاء لبعض الأراء الانهزامية ، من هنا وهناك ، ومن فلان وعلان ...... فالصمود الاسطوري للمقاومة ، والشعب الفلسطيني في قطاع غزة ، وبعد خوض ثلاثة حروب وحشية ، وبربرية ، وهمجية مع العدو الصهيوني ....... لم يستطع العدو الصهيوني ، وما وراءه من تحالف ، وتواطؤ دولي ، وإقليمي ، من هزيمة رجال المقاومة ، او نزع ارادة المقاومة ، او فرض الاستسلام على المقاومة ، او احتلال قطاع غزة ، او ايقاف اطلاق الصواريخ ، او تدمير منصات الصواريخ ، او تدمير الانفاق او...... كل ذلك ، يعتبر بمثابة مؤشرات نصر ، وانتصار للمقاومة ، والشعب الفلسطيني ..... وان تدمير الحجر ، وقتل الاطفال ، والنساء يعكس هزيمة مخزية ، ومذلة للعدو الصهيوني امام نفسه ، قبل ان تكون مخزية ، ومذلة امام الرأي العام ، وان الشعوب عبر تاريخها الطويل ، لا تعرف معنى الهزيمة ...... فسيرة ، وتاريخ ، وقدر الشعب الفلسطيني ، منذ اكثر من ستة عقود ، وهو لا زال يقدم الوف الشهداء ، وينجب اضعافها ، وتزداد الاجيال ، قوة ، وعنفوان ، وإيمان ، بعدالة القضية ، وانتظار اليوم الموعود ..... يوم تحرير فلسطين ، كامل فلسطين ، ومن النهر الى البحر.