ستيفن سوتلوف والقصص التي رواها

تم نشره في الأحد 7 أيلول / سبتمبر 2014. 11:00 مـساءً
  • ستيفن سوتلوف، الصحفي الأميركي الذي قتلته "داعش" مؤخراً - (أرشيفية)

يوري فريدمان* - (ذي أتلانتيك) 2/9/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

"المدنيون في حلب عالقون في جمود عنيف، متروكون لتحمل حرب تصبح معاناتها ومصاعبها أكبر مع كل يوم يمضي... ويخشى الناس في حلب من أن يكونوا مجرد لاعبين في حرب لا نهاية لها في الأفق".
هكذا استهل ستيفن سوتلوف إرساليته لمجلة "فورين بوليسي" من مدينة حلب السورية يوم 24 كانون الأول (ديسمبر) من العام 2012. وبعد عامين من ذلك تقريباً، لا تلوح في الأفق الآن أي نهاية لحرب سورية الوحشية أيضاً. لكن واحداً من الصحفيين القلائل الذين يطلعون العالم على وقائع هذه الحرب قتل.
يوم الثلاثاء الماضي، بعد أسبوعين من إعلان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية عن قطعه رأس الصحفي الأميركي جيمس فولي، ذكرت المجموعة الاستخباراتية "سايت" أن "داعش" نفذت تهديدها بفعل الشيء نفسه بسوتلوف. وبثت المجموعة السنية المتطرفة شريط فيديو عن قطع الرأس على الشبكة الإلكترونية، مدعية، كما كان الحال مع فولي، بأن هذا القتل يجيء رداً على الضربات الجوية الأميركية ضد "داعش" في العراق. وتقول صحيفة "النيويورك تايمز": "المقاتل المقنع نفسه الذي يتحدث الانجليزية بلكنة بريطانية والذي ظهر في شريط قطع رأس فولي يظهر أيضاً إلى جانب السيد سوتلوف"، مؤكداً: "لقد عدت يا أوباما. عدت بسبب سياستك الخارجية المتعجرفة تجاه الدولة الإسلامية".
قبل اختطافه في شمالي سورية في العام 2013، كان سوتلوف (31 عاماً) الصحفي الحر من ميامي، قد أمضى عامين في تغطية الربيع العربي وما أعقبه من فوضى عارمة. وقد خاطر بحياته في التغطية من البحرين ومصر وليبيا وسورية وتركيا. وتلتقط تغطيته بشكل واسع بمفاصل التحولات الشرق أوسطية في الأعوام الأخيرة: نشوة الثورة ومساراتها المعذبة نحو الانتقال السياسي وألم الحرب الأهلية.
من ليبيا، حيث ركب سفناً مع الثوار الليبيين وحيث اختلط بالسجناء المؤيدين لمعمر القذافي، كتب سوتلوف عن التحديات الكبيرة التي استشرف حدوثها في ليبيا في حقبة ما بعد القذافي، في تأملات تبدو أنها كانت تنطوي على بصيرة نافذة، على ضوء الفوضى العارمة التي تعم ليبيا راهناً. وفيما يلي تقرير كان سوتلوف قد أرسله إلى مجلة "تايم" في آب (أغسطس) من العام 2011:
"ما هو الدستور؟"، سألت زبيدة بن طاهر مجموعة من الليبيين الفضوليين المتجمعين في قاعة محاضرات في جامعة قاريونس في بنغازي في أوائل نيسان (أبريل). ومع أن حديث الكاتبة كان يدور في ظاهره عن العملية الانتخابية، فقد كان عليها أن تبدأ من الأساسيات المجردة عند مخاطبة جمهور لم يتوافر على أي معرفة بما تنطوي عليه الديمقراطية. وفي أوائل حزيران (يونيو) بدأت محاضرة أخرى حول الموضوع نفسه بنقاش حول الأنظمة السياسية المختلفة، كالديمقراطيات والأنظمة الشيوعية والدكتاتوريات في العالم الثالث. ومن دون التوفر على أي خبرة، وجد الليبيون أنفسهم مجبرين على البدء في عملية الانتقال باتجاه الديمقراطية عبر البدء بتعلم أساسياتها.
خلال الانقلاب ضد الرئيس المصري محمد مرسي في تموز (يوليو) من العام 2013، استنطق سوتلوف في مقال كتبه لصحيفة "وورلد أفيرز جورنال" الروايات المختلفة التي تقسم المجتمع المصري:
"عندما قلت لصديقي المصري أحمد كمال إنني أريد الذهاب إلى معسكر احتجاج الإخوان المسلمين في مدينة نصر، اعتلى ملامحه شحوب. ناشدني: "لا تذهب إلى هناك. إنهم متعصبون يكرهون الأجانب. وسيكون الأميركيون من أمثالك تحت الخطر هناك". وبعد ساعة من الحوار العقيم حول عدد لا نهاية له من أكواب الشاي الحلو، نهضت وصافحت أحمد، واتجهت مباشرة إلى العرين الذي اعتقد أنني سوف ألتهم فيه.
"لكنني عندما وصلت إلى مدينة نصر، وجدت أن الصورة التي رسمها أحمد عن متطرفين طويلي اللحى حاملين الهراوات وعازمين على التخاشن مع المصريين العلمانيين، كانت خالية من الحقيقة مثلها مثل الكثير من الأشياء الأخرى في هذا البلد المقسم. الانقلابات يجري تصويرها على أنها ثورات، وصور المحتجين السلميين تُرسم على أنهم متشددون، والمواطنون الساخطون يحتفى بهم بينما حول الثوريون مصر إلى سيرك حيث نقطة الجذب هي عدم اليقين الذي يصف الاتجاه نحو المجهول".
كان قد بدأ العديد من مقالاته بنوادر شخصية، ونثر في تغطياته تفاصيل دنيوية مثل السعر الدقيق للخبز، مذكراً القراء بأن القوى التي لا وجه لها، مثل الحرب الأهلية السورية والانقلاب العسكري في مصر، إنما كانت تغير من ناحية أساسية حيوات الناس الحقيقيين بطرق مختلفة، لكنها ليست أقل كارثية. وفيما يلي فقرة من تقريره من حلب:
"يتمنى محمد جادو لو أن الزمن يعود إلى الوراء. ولا يفهم فني الكهرباء ما هو الذي يقاتل من أجله الثوار، كما أنه لا يهتم. إنه يعرف فقط أن الحرب وجهت ضربة مميتة لعمله: المدينة بلا كهرباء منذ أسابيع عدة. واليوم يمضي جادو وقته في محل إطارات يعود لصديقه، حيث يحتسي الشاي ويدخن سلسلة لا تنتهي من السجائر. وينعى جادو الحال قائلاً: "هذه الحرب جعلت كل شيء أسوأ ولم تجعل أي شيء أفضل". ويضيف: "ما حاجتنا إليها؟ لدينا ما يكفي من المشاكل في سورية".
"في ضاحية السكري الفقيرة، حيث تلتصق البنايات ببعضها بعضا، يؤدي بكري الكججي صلواته الليلية. ويوفر وميض مصباح الزيت ما يكفي وحسب من الضوء لإنارة سجادة الصلاة الحمراء. وبالقرب من الفراش على طول الجانب الآخر من الحائط، تشتعل جمرات سوداء محمرة في موقدة شواء صغيرة وتبث خيطاً ثابتاً من الحرارة الذي يقي الكججي وزوجته من الارتجاف من البرد. ومن دون كهرباء ولا دفء، يمضي الرجل البالغ من العمر 58 عاماً معظم نهاره في الظلام متمتماً مع زوجته في مواضيع تتفاوت بين بيت الدرج الرطب وبين رغبته في شراء جهاز راديو ترانزيستور جديد. ورغم أنه لم يشتغل في مصبغته مدة شهرين -أحد رؤسائه في العمل قتل بسقوط قنبلة والآخر هرب إلى مصر- كما أن مدخراته نفدت، فإن كججي لا يشكو. ويقول: "من الأفضل التضور جوعاً والعيش بلا كهرباء ولا تدفئة من تحمل يوم آخر تحت حكم الأسد. لدينا كل ما نحتاج إليه".
تأتي الأخبار عن مقتل سوتلوف بعد مرور أقل من أسبوع على نشر والدته، شيرلي سوتلوف، شريط فيديو تناشد فيه خاطفيه الرحمة. وقالت فيه: "ستيفن هو صحفي سافر إلى الشرق الأوسط لتغطية معاناة المسلمين على أيدي المستبدين. أريد ما تريده كل أم: أن تعيش لترى أولاد أولادها. إنني أناشدكم أن تمنحوني ذلك".
على شبكة التواصل الاجتماعي، كما في تغطياته، تعاطف سوتلوف مع الشعب السوري مشدداً على أن ضحايا الحرب الأهلية هم أفراد اغتصب منهم مستقبلهم. وقد كتب في تغريدة على "تويتر" في العام 2012:
"أشاهد الطلبة الأتراك وهم يعودون من اليوم الأول في مدارسهم، وأفكر في كل الصغار السوريين الذين سيعانون بدلاً من الدراسة في هذا العام". وكتب في تغريدة أخرى: "صديقي منير قتل قبل يومين في #الشاغور #حلب. لا تنسوا أن الناس في سورية –من كلا الجانبين- لهم أسماء".
كانت عينه تتطلع بين الفترة والأخرى إلى مباريات نهائي رابطة كرة السلة الأميركية، فغرد مثلاً: "من السيئ أنني أريد التركيز على #سورية، لكن كل ما أستطيع التفكير فيه هو مباراة إعادة نهائيات هيت".
لكن ذلك لم يدم طويلاً. فقد أتبع سوتلوف تلك التغريدة بتغريدة أخرى عن سورية. وبينما كان الكثير من العالم قد أشاح بوجهه بعيداً، أعاد سوتلوف اهتمامه ثانية إلى الصراع.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Steven Sotloff and the Stories He Told
*محرر رفيع مشارك في "أتلانتيك"، يشرف على القناة العالمية. كان سابقاً نائب مدير تحرير "فورين بوليسي".

[email protected]

[email protected]

التعليق