عيسى الشعيبي

غواية "داعش"

تم نشره في الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2014. 11:05 مـساءً

لعل إحدى أشهر وقائع الغواية التاريخية التي تحفل بها الكتب الدينية والروايات الكلاسيكية، وأكثر أمثلتها دلالة رمزية، تلك التي قص فيها أوسكار وايلد، العام 1890، تراجيديا الراقصة سالومي؛ ذات الخمارات السبعة، المليئة بالإيحاءات الجنسية المثيرة. إذ أدى انهيار الإمبراطور الروماني هيرودوس أمام سلطة الإغواء الأنثوي القاتل، إلى استجابته لمطلب المرأة اللعوب، بتقديم رأس القديس يوحنا المعمدان على طبق من فضة، في مشهد قدمته السينما ببراعة تخلع القلوب من مواضعها، ولا تسقطها من الذاكرة.
أما أكثر أمثولات الغواية في التراث الديني، وأوسعها تداولاً عبر الحقب والأجيال، فهي غواية الشيطان لأبينا آدم، الذي أكل التفاحة رغم النهي والنصح المسبقين، فخرج وحواء من الجنة (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى). وفي عصرنا الراهن، هناك العديد من الغوايات التي يقع في حبائلها الكثيرون، من دون اتعاظ من تجاربهم الشخصية، أو عبرة واعتبار من تجارب الغير؛ كإغواء المال والربح السريع، وغواية السلطة المطلقة، ناهيك عن غواية القوة العسكرية المفرطة، وغير ذلك من النماذج اليومية الصغيرة والمتفرقة.
وباستنطاق هذه الحكايات المثيرة للخيال، نجد أن من يقع في بئر الغواية السحيقة هو من ينقاد إلى هواه بعماء بصيرة؛ يتمادى في رفع سقف توقعاته، ويسرف فيها إلى النهاية. وعليه، فإن الغواية هي ضد الرشد وضد الحكمة والرصانة، تضلل صاحبها المأخوذ بفكرة غامضة، ثم تخيّب آماله وتودي به إلى التهلكة. الأمر الذي يمكن الافتراض معه؛ أن من يقع في وهدة الغواية إنسان لا يحسن تقدير الموقف، ولديه هشاشة فكرية، حتى وإن بدا شديد الثقة بنفسه، وبأدواته وأفكاره الذاتية.
أسوق هذه المقدمة المطولة في المساحة القليلة المتاحة، كي أطرح سؤالين عويصين عمّا أسميه اصطلاحاً "غواية داعش". الأول، يتعلق بماهية تلك الجاذبية لدى هذا التنظيم الموغل في توحشه، وبسحر هذه الفكرة السوداء التي تلهم أتباعه وتأسرهم في براثنها بشدة، وتغوي شباباً أوروبيين وأميركيين يتقاطرون إليه عبر الشبكة العنكبوتية من كل فجّ عميق، ومن كل الملل والنِحل والأهواء، ليقارفوا أبشع طرق القتل والذبح، وهم المتمتعون في بلدانهم بلذة العيش ورغد الحياة، وليسوا مثل نظرائهم في بلادنا؛ محل تهميش اجتماعي، أو عرضة للتمييز والقمع والمصادرة؟
إذ يمكن فهم دوافع كثيرين من العرب والمسلمين المضطهدين في بلدانهم، وتعليل أسباب التحاقهم بتنظيم "الدولة" التي يداعب خيالها ميراثهم التاريخي، وتخاتل غوايتها وجدانهم الديني. أما حين ينضم إلى "داعش" شباب وشابات من بريطانيا وفرنسا وبلجيكيا، معظمهم ليسوا من أرومة عربية، فإن السؤال يغدوا ملحاً، وعصياً على الفهم أكثر فأكثر، إن لم نقل مثيراً للحفيظة، إزاء ماهية هذه الغواية الجاذبة، طوعا، لمجموعات إثنية مختلفة في العقيدة والمحتد والثقافة.
السؤال العويص الثاني يخص استراتيجية "داعش" وتكتيكاته الحربية وخطابه السياسي. فإذا كانت فكرة هذا التنظيم تنتشر في الوعي العربي والإسلامي انتشار النار في الهشيم، خصوصا لدى المحبطين والمقموعين، وتحقق في أقل الأوقات أكبر المكاسب على الأرض، وتصبح قوة مرهوبة الجانب، فما الذي يدعو تنظيم "الدولة الإسلامية" هذا إلى التحرش بالعرب والكرد والفرس والترك دفعة واحدة؟ وفوق ذلك، ما الذي يدفعه إلى استفزاز الولايات المتحدة والغرب كله بأي وسيلة ممكنة؟ هل يستهين "داعش" حقا بقوة هذا الجمع كله، أم أنه يستدرج أميركا إلى حرب "يوم القيامة"، ويتحرق شوقاً لخوض غمارها؟
أحسب أن هذا الإفراط في عبادة منطق القوة، وهذا الاستدراج الذي أدى إلى احتشاد قوى أكثر من تلك تم تحشيدها ضد ألمانيا النازية، هما أحد تجليات غرور الثقة الزائدة بالنفس، ومظهر من مظاهر الغواية المضللة التي لا تقل خطورة عن مثلث غوايات الشيطان والمال والجنس. كما أن هذا الوعي المزيف يعد تعبيراً صارخا عن سوء تقدير الموقف، أو قل قراءة ساذجة لخريطة علاقات القوة في زمن تكنولوجيا الحرب المعاصرة، التي تجرم ذبح إنسان بريء بحد السكين أمام الكاميرات، فيما تتسامح مع قتل آلاف المدنيين الآمنين بصاروخ طائرة بدون طيار، على نحو ما جرى أخيراً في قطاع غزة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تكنولوجيا الحرب؟ (ابراهيم أمين)

    الجمعة 12 أيلول / سبتمبر 2014.
    إن المفارقات التي تحصل على المسرح العالمي حول قدسية بعض الدماء مقابل دماء اخرى ليست وليدة تكنولوجيا عصرية بل وليدة إستشراء المادة وموت الضمير وإستبدال القيم ، مع كلفتها، بالرخص الذي تعيشه البشرية هذه الأيام وإلا كيف تبقى بعض قضايا الحق الأبلج دون حل بينما تحل قضايا إخرى هامشية مقابل أثمان عالية ماديا ومعنويا وما قضايا بوسنيا ومذابح شرق إفريقيا ويوغوسلافيا وألبانيا وغزو العراق وفلسطين إلا أمثلة لذلك التناقض على جانبي المعقول واللامعقول
  • »لمذا استثناء (اسرائيل)من الحشد؟ (خلدا الاردن)

    الجمعة 12 أيلول / سبتمبر 2014.
    سؤال مشروع لمذا لم تذكر (اسرائيل) في الحشد الكبير اوالتحرش كما اسميتها ضمن الاعداء ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟