كبار السن يستذكرون الحج بحنين

تم نشره في الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • يحن كبار العمر ممن أدوا فريضة الحج قبل عقود إلى تلك الأيام رغم ما تنطوي عليه من صعوبات آنذاك - (أرشيفية)

منى أبو صبح

عمان- يستذكر الثمانيني أبو فارس رحلة الحج قبل 40 عاما بحنين وشوق كبيرين قائلا “عندما ننوي أداء مناسك الحج لا بد أن يكون هناك ترتيب مسبق، حيث تبدأ الرحلة إلى الحج قبل أشهر، فالطريق شاق وطويل ومحفوف بالصعاب والمخاطر”.
ويتابع “كنا نسير في جماعات وتستغرق الرحلة أياما عدة، وكنا نأخذ معنا بعضا من البضائع كالحبوب والمواشي كي تسد حاجتنا خلال رحلة الحج”.
ويضيف بأنهم كانوا يتوزعون إلى مجموعات حتى تسهل خدمتهم وطعامهم وشرابهم، وكل مجموعة منهم لها أيضا ترتيب يتعلق بتوزيع الأدوار لجمع الحطب وإشعال النار وإعداد الطعام والاهتمام بالمواشي وجلب الماء وحمل الأمتعة وخدمة النساء، وأما العودة فقد كانت أسرع من الذهاب بيومين أو أكثر لفرحتهم بأداء فريضة الحج وليطمئنوا الأهالي الذين هم بانتظار عودتهم سالمين غانمين.
ويشير أبو فارس إلى أن الأهالي يستقبلون الحجاج القادمين من الحج بالاحتفالات والأهازيج وبإطلاق الأعيرة النارية وإعداد الوجبات لفرحتهم بالعودة من “حجة العمر”، غير أنه يرى أن الحاج في هذه الأيام يؤدي مناسكه “بكل يسر وسهولة لتوفر وسائل النقل الحديثة والطرق المؤدية للوصول لمكة المكرمة”.
يسترجع عدد من كبار السن ذكريات رحلة الحج قديما، وما كانوا يعانونه من مشقة في الطريق والمصاعب والمخاطر التي كانوا يواجهونها في رحلة السفر إلى بيت الله الحرام، متذكرين فرحة عودة الحاج بعد رحلة العمر والأهازيج والأفراح وإطلاق الأعيرة النارية وإقامة المناسبات وإعداد الولائم فرحا بمقدمه، ومستحضرين رحلة الحج حديثا والسهولة واليسر بها.
من جانبه يقول الحاج صالح وهدان (72عاما) “أديت مناسك الحج قبل أكثر من 50 عاما، وكانت الرحلة شاقة وطويلة، حيث كنا نسير في قوافل سيرا على الأقدام وعلى الجمال ملبين ومكبرين طوال الرحلة، فقد كنا نسير في الليل، وحتى الثلث الأخير منه، ونرتاح حتى بلوغ الفجر، ثم نواصل السير إلى الضحى ونرتاح إذا اشتدت حرارة الشمس حتى صلاة العصر لنواصل سيرنا، مشيرا إلى أنه كان لا بد من وجود مرشد يوجههم ويدلهم الطريق وقائد يقوم بتوزيع الأعمال بينهم”.
من جهته يؤكد الحاج أبو عوني أن من عاش في جزء ولو بسيط من تلك المرحلة العمرية لا يكاد يصدق ما وصل إليه الحج اليوم من منجزات منقطعة النظير، فالحاج يذهب إلى الحج ويؤدي الشعائر الدينية بكل يسر وسهولة.
استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان يقول “لا شك أن الحج فريضة يتوق إلى تأديتها كل مسلم وخصوصا أن هذه الفريضة هي لمن استطاعها، والاستطاعة تعني النواحي المادية والجسمية والظروف المحيطة وقد أصبح الحج في السنوات الأخيرة ليس بمستطاع كل إنسان حتى إن كان مقتدرا من الناحية المادية والجسمية، لأن هنالك نظام يعتمد في كل بلد، ونحن في الأردن تم اعتماد (العمر)”.
يضيف، ولا شك أن هنالك تغيرا كبيرا في طقوس الحج بالرغم من ثبات الفريضة وأركانها على مر العصور والسنين، فقد كانت في السابق وكما سمعنا من الآباء والأجداد أنها في غاية الصعوبة نظرا لعدم توفر وسائل المواصلات المريحة والسريعة، عندما كان الحج بالباخرة أو على جمال أو حتى بالباصات (قديمة) والتي لا تتوفر فيها وسائل الراحة كما هو موجود هذه الأيام حيث السرعة والتكييف وغيرها من وسائل الراحة، عدا عن السفر هذه الأيام بالطيران والذي يوفر كثيرا من الجهد والمشقة والوقت.
وبالرغم من صعوبة الظروف في السابق، وفق سرحان، إلا أن الحجاج كانوا يشعرون بالمتعة واللذة إذ إن الحج كان يستغرق شهورا أو أياما طويلة نظرا لتباعد المسافات وصعوبات السفر والتنقل، ومن ناحية أخرى الراحة في الأماكن المقدسة لم تكن كما هي عليه الآن، من حيث السكن وحرارة الجو وتوفر وسائل التكييف والتبريد وتوفر وسائل الاتصال مع الأهل والأصدقاء، عدا عن إمكانية نقل الاتصال مع الأهل بالصوت والصورة، وليس فقط في أماكن الحج حتى أثناء الطريق، وفي السابق كان السابق يحرص الناس على وداع الحجاج ويخرجون معهم خارج البلدة عند السفر ويحرصون على توصيته بالدعاء لهم، وكذلك استقبالهم عند العودة.
تستذكر الستينية الحاجة أم مروان أيضا، طقوس استقبال الحجاج، قديما بقولها “قديما كان التقليد المتبع في تزيين البيوت وحتى اليوم هو تعليق سعف النخيل وورقات شجر السرو، حيث يكون اللون الأخضر طاغيا على الزينة. إلى جانب عبارات الترحيب، فيما صرنا نقوم هذه الأيام بإضافة أدوات الزينة الحديثة، وهي المصابيح المضيئة، على شكل أهلة أو نجوم، إلى جانب صور للكعبة المشرفة”.
وتصف أم مروان استعداد الناس لاستقبال الحجاج في اليوم الذي يسبق وصولهم، بـ “العيد”، حيث يجتمع الأقرباء والأصدقاء والجيران عند بيت الحاج، ويساعدون أهله في وضع الزينة، وترتيب المنزل، وصنع بعض الأطباق المخصصة لتلك المناسبات.
ويشير خبير التراث نايف النوايسة، إلى اللحظة التي ينوي بها الحاج أداء مناسك الفريضة، فيبدأ الناس المحيطون به بالتهيؤ لوداعه، والوداع يعني عند أهل الريف والبادية أنه قد لا يرجع بسبب تخوفهم من صعوبة الطرق والتعرض للصوص؛ لأن وسيلة النقل كانت بسيطة وبدائية “على الجمال”، فكانت رحلة الحج تستغرق ثلاثة أشهر تقريبا.
“يودعونه بخوف ويستقبلونه بفرح”، يقول النوايسة، “فقبيل عودة الحجيج بأيام، يبدأ الأهالي؛ وخصوصا أهل الريف والبادية، برفع أعلام الزينة معلنة قدوم الحجاج، ويقدمون على ذبح الماشية تعبيرا عن مظاهر الفرح والبهجة بعودتهم سالمين”.
ويضيف النوايسة “رحلة الحج ميسرة في الوقت الحاضر، فقد تطورت من الجمال والخيل للشاحنات الكبيرة، ومن ثم للحافلات البسيطة، إلى أن وصلت للحافلات الكبيرة المجهزة بأفضل الوسائل، وهناك الطائرات أيضا، فليست هناك مشقة على الحاج في الطريق”.
ويضيف “كان للهدايا التي يحملها الحاج عند عودته سالما مذاق مميز، فكان يحضر بجعبته الحناء، البهارات، البخور التي تأتي من الشام وفلسطين، وكذلك الشعير “المقروء عليه” الذي يرمى للحمام، للتبرك فيه من جوار الحرم المكي أو المدني وغيرها الكثير”.

muna.abusubeh@alghad.jo
@munaabusubeh

التعليق