محمد أبو رمان

"أنا سلفي"!

تم نشره في الأربعاء 17 أيلول / سبتمبر 2014. 11:07 مـساءً

شهد الاهتمام الإعلامي والمجتمعي بالسلفية عموماً، والجهادية خصوصاً، قفزةً كبيرة خلال الأعوام الماضية، بعد ثورات "الربيع العربي" التي شهدت صعوداً، أو بعبارةٍ أدقّ ظهوراً واضحاً للجماعات والتيارات السلفية؛ سواء في اقتحامها للمشهد السياسي، كما حدث في مصر، أو في صورتها العنيفة القتالية، كما نراها اليوم مع تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)!
ما تزال المشكلة تتمثّل في غلبة الانطباعات والأحكام الأيديولوجية المعلبة أو الرؤية الاختزالية لهذه التيارات السلفية المتعددة والمتضاربة في كثيرٍ من الأحيان، وتجاوز السياسيين والمثقفين والإعلاميين عملية التفكيك والتحليل والفهم لها إلى إصدار الأحكام؛ سواء بالتأييد والتعاطف أو بالإدانة. وربما هذه "الفجوة المعرفية" هي التي تفسّر، في ظني، عقم الجهود المنفقة على محاربة "التطرف الديني"، بل وانتشار التيارات الراديكالية (ليست السلفيات جميعاً راديكالية بالضرورة) في المنطقة العربية، وفي أحشاء مجتمعاتنا؛ فأصبح طبيعياً أن نرى، مثلاً، قرابة ألفي أردني يقاتلون في صفوف "داعش" و"جبهة النصرة"!
في إطار السعي إلى ردم هذه "الفجوة المعرفية"، وما يترتب عليها من نتائج خاطئة في التعامل مع التيارات السلفية عموماً، يأتي كتابي الأخير "أنا سلفي: بحث في الهوية الواقعية والمتخيلة لدى السلفيين" (والصادر عن مؤسسة "فريدريش إيبرت" الألمانية). وما يقدّمه الكتاب من جديد هو أنّه يقترب من المجتمع السلفي والأفراد السلفيين بصورة كبيرة، عبر تقديم روايتهم الذاتية عن تجربتهم الفكرية والروحية مع السلفية. فالكتاب يترك الباب للسلفي ليجيب عن أسئلة مهمة وأساسية مرتبطة بهويته وشخصيته؛ لماذا أصبحتُ سلفياً؟ كيف أصبحتُ سلفياً؟ ماذا يعني أنني سلفي؟ كيف أرى العالم والمجتمع والدولة؟..
ثمة نماذج متنوعة ومتعددة في هذا الكتاب؛ من التقليدية إلى الحركية إلى الجهادية، وحتى المتحولين (من كان سلفياً سابقاً)، تمنحنا فرصة جيدة للاطلاع على الجانب السيسيولوجي والسايكولوجي في هذه الشخصية، لبناء منظور منهجي أكثر عمقاً وإدراكاً للشخصية السلفية، التي أصبحت حاضرة بقوة في أروقتنا الاجتماعية والثقافية.
ثمّة مداخل مهمة أساسية لإدراك سرّ الشخصية السلفية؛ استفدتُ في تصميمها من نظريات علم النفس الاجتماعي، مثل تعريف السلفية المعاصرة بوصفها آلة للدفاع عن الذات ضد أخطار الحداثة والعولمة التي يشعر المجتمع أنّها تهدد هويته ووجوده، وهي صورة متخيلة مغلوطة عن الذات. كما أنّ السلفية تعكس أزمة في الهوية، نتيجة "تصدّع في التوازن بين مكونات ذاتية"؛ إما لظروف موضوعية، أو أزمات اقتصادية وسياسية أو حتى عسكرية، أو لحظة تاريخية صعبة، أو تجربة ذاتية. كذلك، فإنّ سلوك السلفي يرسم في سياق علاقته بجماعته أو مجتمعه الجديد (السلفي)؛ فهو يبني سلوكه ورؤيته ومواقفه على ضوء ما "يتوقع" هو من أن المجتمع يريده منه.
صحيح أنّ سمات الهوية السلفية ذاتها، برأيي، تعكس أزمة جوهرية؛ فهي لا تقوم على التطور والإضافة، ولا على استلهام الماضي، بل هي مسجونة في الماضي، لا تتطلع إلى المستقبل، وتواجه الواقع الاجتماعي بحالة من الإنكار لا الاعتراف، ويجد السلفي نفسه في نهاية اليوم في حالة من التشتت والانفصام بين "الهوية المتخيلة" التي ينتمي إليها فكرياً، والهوية الواقعية التي تضع الرؤية السلفية في مواجهة مع المجتمع والواقع واستحقاقات العصر.
لكن بالرغم من ذلك، فإنّ من المهم جداً إدراك حقيقة أنّنا نتحدث عن أزمة المجتمعات العربية عموماً، وعن مجموعات واسعة اختارت "الطريق السلفي" في البحث عن هويتها، في أتون الأزمات السياسية والمجتمعية الطاحنة. فأغلب الجيل العربي الجديد هو ابن المحنة والأزمة والشعور بالخديعة، والبحث عن الهوية في حقول من الألغام والمتاهات.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الف مبروك (محمد البطاينه)

    الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2014.
    اولا الف مبروك للمكتبة العربية اضافة عنوان مهم وثانياً كيف يمكن الحصول على نسخة من الكتاب ؟
  • »مبارك كتابكم الجديد ! اتمنى ان احصل على فرصة قراءته! (د.خليل عكور-السعودية)

    الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2014.
    السلام عليكم وبعد
    موضوع السلفية موضوع شائك يصل احيانا كثيرة الى التناقض ولغير المتخصص الى اللامعقول وهو موضوع يصعب على المواطن العادي ان يتمادى في غور اعماقه من غير تهيئة نفسية وعلمية مسبقة
    ومن هنا فإنني اشكر د.محمد على جهودة القيمة في القاء الضوء على هذه الفئة من الناس ولعل الكثيرين منهم( اتباع هذا التيار خاصة الشباب) من ينتسب الى هذا التيار دون علم حقيقي ببواطنه وانما يتًبعون شعارات سطحية تلامس همومهم فينخرطوا دونما وعي لدرجة الانغماس الكلي دونما مقدرة على اخذ الفرصة الحقيقية للتقييم ! ولعل هذه من وجهة نظري المتواضعة غير الخبيرة هي حال الكثيرين مناتباع هذا التيار " وكتاب مثل هذا الذي قدمه الاخ محمد انما هو ما نحن بحاجة ماسة اليه في هذه الظروف العصيبة والتي يحتل هذا التيار واجهة احداث العالم وتجيش له الجيوش للقضاء علية ونحن لا نعلم الكثير عنه الا ما تسوقه للاسف ابواق الدعاية الاستعمارية وما رسمته اجهزة المخابرات للمجتمعات الاسلامية في نهج حربها الُممنهج على الاسلام !!! لذا فإنني ساسعى للحصول على فرصة قراءة هذا الكتاب القيم وان شاء الله سأنجح .
    واخيرا اتمنى للاخ محمد التوفيق والنجاح !
  • »أزمة المجتمعات العربية عموماً (طالب جامعي)

    الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2014.
    مجموعات واسعة اختارت "الطريق السلفي" في البحث عن هويتها
    فأغلب الجيل العربي الجديد هو ابن المحنة والأزمة والشعور بالخديعة، والبحث عن الهوية في حقول من الألغام والمتاهات
    نعم خلاصة رائعه ياريت الغرب يفهم ما معنى تحقيق طوحات وتطلعات وآمال الشعوب العربية في الحياة الحرة والكريمة وبغير ذلك ستزداد هذه المجموعات التي ستختار الطريق السلفي لتحقيق ما تصبو اليه من عزة وحرية وكرامة
  • »مجموعات واسعة اختارت "الطريق السلفي" (الجيل العربي)

    الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2014.
    نعم دكتور محمد انني مسلم وعمري 25 عاماً وان ثقافتي كمسلم لا تدعوني للعنف او قتل الاخرين ولكن الذل والهوان والقهر الذي يعيشه الشباب المسلم بسبب عدم تحقيق طموحاته وآماله في حياة حره كريمه ونظراً لعدم وجود عدالة بين ابناء الشعوب العربية في مستوى المعيشه فابن الخليج يعيش في رفاهية لا حدود لها اما المصري والاردني والعراقي وووو من العرب الذين لا آبار نفطية بحوزتهم يعيشون الفقر والذل فلا حرية ولا ديمقراطية ولا توزيع للخيرات بين كافة الشعوب العربية ونحن نعيش في حالة من التشرذم والفرقة بين كافة الدول العربية التي تخضع لتوجيهات الغرب الذي يعتنق المسيحية حيث انهم يعملون ليل نهار على ابقاء العرب في الصف الاخير من التقدم الحضاري اليست هذه اسباب كافية لتفكير الشباب بالانظمام الى السلفية وياريت قادة الغرب يعرفونها ويعملون على تحقيق آمال وتطلعات الشعوب العربية في الحرية والديمقراطية والحياة الكريم وبعدها سيجدون كل احترام وتقدير ولن تجد اي شاب مسلم يفكر في السير باتجاه العنف
  • »أزمة المجتمعات العربية عموماً (هلا عمي)

    الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2014.
    نعم دكتور محمد ابو رمان نشكرك على هذا المقال الذي اختصرت به محتوى كتابك (انا سلفي )وانني سأقرأه كاملاً ان شاء الله
    واما بالنسبة لرأيي حول السلفية فإن ايدولجياتها تنحصر في الالتزام بقيم ومبادئ الدين الاسلامي الحنيف الذي يتعامل مع كافة المذاهب والجنسيات في العالم بكل احترام فقد شدد رسولنا الكريم محمد علية وعلى آله افضل الصلاة والتسليم في دعوته للاسلام باحترام كل الامم والشعوب مهما كانت اديانهم وعدم اجبار اي انسان على اعتناق الاسلام تصديقاً لقوله تعالى * لا اكراه في الدين * ولكن السبب الذي جعل الجماعات السلفية تتجه هذه الايام الى العنف فهو باعتقادي نتيجة لهذا التدخل السافر من قبل القوى الغربية عامة بامور حياتنا كعرب ومسلمين ولو ان الغرب يتركون مجتمعاتنا بحالهم دون هذا التدخل السافر الذ اوجد الفتن بين الشعوب العربية والمسلمة من خلال دعمه لبعض الانظمة الدكتاتورية والقهرية والدموية التي عاثت بشعوبها قتلاً وسفكاً للدماء اضافة الى عدم تطبيقها للعدالة الاجتماعية بين مواطنيها فالعدالة وحرية اعتناق الاديان والحرية والديمقراطية التي يطبقونها عندهم هي محرمة علىينا من هنا لو كان هناك احترام لمتطلبات المسلمين ودعم هذه الشعوب لتحقيق آمالهم وتطلعاتهم في الحياة الحره الكريم لوجدوا كل احترام وتقدير لهم لذلك يكمن السر في هذه النقطة الخلافية بين السلفيين وكل المسلمين مع الشعرب الغربية فإنني اعتقد بإن حل الصراع بين معتنقي الديانات الثلاث بالطرق العقلانية القائمة على الاحترام المتبادل هو السبيل الوحيد لكي تعيش كافة الشعوب بسلام وامن اما اذا بقي الحال كما هو فإن المؤشر يسير باتجاه صراع الحضارات وسيكون السبب الرئيسي للحرب العالمية الثالثة لاننا هنا نتحدث عن مليار ونصف مسلم يشعرون بأن حقوقهم مهضومة في هذا العالم