عيسى الشعيبي

الحرب على غزة.. هل تكون الأخيرة؟

تم نشره في الاثنين 22 أيلول / سبتمبر 2014. 11:05 مـساءً

السؤال الباعث على الصدمة والاستهجان أعلاه، ليس إلا واحداً من مخرجات حالة الالتباس وعدم اليقين التي ما تزال تعصف بقطاع غزة، بعد مرور نحو شهر على نهاية ذلك العدوان الآثم، وتضاؤل الخيارات الضئيلة أصلا. وهو أيضا سؤال استهلالي أولي لعصف فكري، يقتضيه تدافع جملة طويلة من المتغيرات المترتبة على اشتداد حالة الاستعصاء التي باتت تسد الدروب السياسية أمام القضية الفلسطينية، وتهبط بها، وبالقطاع المحاصر، إلى قعر درك جديد.
والحق أن هذا السؤال المتعارض مع المسلمات القديمة، والخارج عن إطار الفكرة النمطية المستقرة في الوعي العام، قد تم طرحه بصوت منخفض، وعلى نحو استفهامي غاصّ بالقلق، قبل أن تضع الحرب الأخيرة أحمالها الثقيلة المضاعفة على الشعب الفلسطيني عموماً، وعلى قطاع غزة خصوصاً، وذلك على ضوء ما راح يتكشف تباعاً من مشاهد قتل ودمار وترويع، فاقت أسوأ الكوابيس، وما أخذ يتبدد تدريجياً من نتائج سياسية مخيبة للآمال، رغم ملحمة الصمود وكفاءة القتال في الميدان.
ذلك أنها المرة الثالثة في غضون ست سنوات، التي يتعرض فيها قطاع غزة لحرب عدوانية باهظة الكلفة، من دون أن يسفر التصدي الباسل لآلة القتل الإسرائيلية الفتاكة عن تحقيق تقدم في مكانة القضية الفلسطينية، أو أن تنتج كل تلك التضحيات العظيمة مكاسب حياتية ضئيلة، في صورة تحسّن للخدمات، أو رفع جزئي للحصار، أو غير ذلك من الإنجازات المأمولة من وراء خوض المواجهات برجولة حقيقية، لاسيما في الحرب الأخيرة التي أدخلت كامل العمق السكاني الإسرائيلي، ولأول مرة، في دائرة استهداف نار الصواريخ الفلسطينية.
ورغم الأهمية الفائقة لكل تلك الإنجازات المعنوية والرمزية والأخلاقية، المتحققة بفضل أداء عسكري بلغت فيه المقاومة حدود الإعجاز، فقد كانت النتيجة غير النهائية بعد، لكل ذلك الأداء الباهر، مثيرة للأسئلة المؤلمة، وباعثة على الشك والارتياب، بجدوى تحويل قطاع غزة المحاصر إلى منصة لإطلاق الصواريخ، وبث مجرد الهلع لدى الإسرائيليين، إذا كانت العوائد المتحققة على الأرض "هدوءا مقابل هدوء"، فيما الحقائق المادية الملموسة صارخة بكل هذه الأعداد المفجعة من الشهداء والجرحى، وكل هذا الدمار الرهيب.
وإذا كانت الأمور تقاس بالنتائج، وهي بالفعل كذلك، فإن الحديث عن نصر غيّر وجه الشرق الأوسط، من دون أن يلمس أحد داخل قطاع غزة ثمرة من ثمراته، يصبح حديثاً لتعليل النفس بالأمنيات، ويغدو مجرد حقائق من عالم افتراضي، أو قل هروبا إلى الأمام وتنصلاً من المسؤوليات، إن لم نقل محاولة لترهيب كل من لديه تساؤل عن جدوى مثل هذه المجابهات؛ إما بوصفه بالانهزامي، وإما بالقدح في وطنيته، إذا خرج عن حس القطيع، وفكر من خارج الصندوق.
بكلام آخر، فإن المقاومة التي فوتت على إسرائيل جل أهدافها، لم تحقق، مع الأسف، في نهاية المطاف أياً من الأهداف التي نقشتها على الراية المرفوعة، وفي المقدمة منها إنهاء الحصار السياسي والمالي وتعويم الإسلام السياسي. بل إن التداعيات الأولية لهذه الحرب بدت وكأنها طلقات مرتدة؛ إذ برغم الشعبية اللحظية الجارفة، فقد هبط وزن "حماس" السياسي أكثر فأكثر، وبات الحصار أشد من ذي قبل، واستعادت مصر الجديدة، يا للمفارقة، وزنها الإقليمي السابق، فيما أجمع العالم على أن السلطة الفلسطينية هي العنوان الأوحد، إذا ما أريد للحصار أن يُرفع، وللإعمار أن يبدأ.
خلاصة القول، وعلى هدي هذه الحقائق المؤلمة، فإن السؤال عما إذا كانت الحرب الأخيرة على غزة هي آخر الحروب في المدى المنظور، يصبح سؤالاً يستحق النقاش الجاد، ويستلزم إجراء المراجعات المعمقة، ليس من منطلق التسليم بواقع الاحتلال والحصار، وإنما من زاوية ما يسمى بالكلفة والاستطاعة في أدبيات الفقه الشرعي. وهو ما يستدعي القيام بمقاربات جديدة لمقاومة إسرائيل المدججة بالفاشية والإجرام، بوسائل أخرى أقل استدراجاً للموت والدمار، يتم فيها تبريد حدة المواجهات، وليس تجميدها على الإطلاق؛ أي بالابتعاد عن التهور والانجراف، وذلك إلى أن يتغير واقع هذه المنطقة الغارقة في فوضى مديدة، وتتبدل اهتمامات العالم الذاهب إلى حرب جديدة ضد "داعش"، ويسفر هذا المخاض العنيف عن واقع جيوسياسي جديد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حتى الحصوة الصغيرة (إبراهيم أمين)

    الثلاثاء 23 أيلول / سبتمبر 2014.
    السيد الشعيبي صدقا أحب أن أقرأ ما تكتب في الغد وأتفق معك في كثير منه، ولا أختلف في هذه المقالة معك من حيث منطق الأشياء ولكن....الثورات ليست منطقا وإنما ثورات على المنطق السائد. السدود الكبرى التي تحبس ماء كثيرا تنتهي بتفكك حصوات صغيرة في أجسام تلك السدود العملاقة. حاشا أن تكون "إسرائيل" عملاقة. أنها شر حالفه الظرف وكل عمل ضده مبرر. الحرب الأخيرة ولأول مرة في تاريخ صراعنا مع هذا الشر هزت نظريات العدو وأرته كيف يكون الفلسطيني صاحب القضية عندما يبتعد عنه ذوي القربى قليلا ويتركوه يتنفس هواء قضيته. كم أنا فخور بأبطال غزة وكم أنتجوا للمستقبل. وهل لقضية ان تنجح إذا فقد طالبوها الأمل بالمستقبل؟ هل كنا نعرف عن أنفسنا ما أرانا إياه إخواننا في القطاع الصامد؟ لقد أنتجت الحرب الأخيرة الكثير وكان ثمنها باهظا ....عمت وقتا مباركا
  • »حرب غزة ، لن تكون الحرب الأخيرة ، مع العدو الصهيوني. (ابو خليل الكزاعير)

    الثلاثاء 23 أيلول / سبتمبر 2014.
    إن الحرب الأخيرة التي شهدها قطاع غزة ، لن تكون الحرب الأخيرة ، ما بين المقاومة ، أو ما بين أبناء الشعب الفلسطيني ، والعدو الصهيوني .............. حتى ، ولو استطاع عباس ، أو سلطة رام الله ، أو المقاومة الفلسطينية جدلا ، من فرض الشروط ، على العدو الصهيوني ، أو من الحصول على بعض الحقوق الفلسطينية ، وخاصة في قطاع غزة .................. ربما يتم توقيع اتفاق ، لوقف إطلاق نار ، طويل الأمد ، ما بين المقاومة الفلسطينية ، والعدو الصهيوني ، في حال نجحت جهود المفاوضات ، الغير مباشرة ، في القاهرة ، ما بين كل من المقاومة ، وسلطة رام الله مع العدو الصهيوني ............. هذا في حال تم تحقيق بعض الشروط الرئيسة للمقاومة ، أو في حال حصول المقاومة على بعض الحقوق الفلسطينية ، والتي يتم اغتصابها ، من قبل العدو الصهيوني .................. فتحقيق السلام استحالة ، أن يتحقق مع العدو الصهيوني ، طالما هناك وطن فلسطيني محتل ، وطالما هناك شعب فلسطيني مطرود من وطنه ، وفي الشتات ، من قبل عصابات الإرهاب الصهيونية .............. وطالما هنالك احتلال للقدس ، والأقصى ، من قبل قطعان المستوطنات ............... وحتى في حال وافق كل من عباس ، وسلطة رام الله ، والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ، على وقف إطلاق نار طويل الأمد ............... فالعدو الصهيوني ، لا يلتزم بالمواثيق ، والمعاهدات ، والاتفاقيات ، وخاصة مع الفلسطينيين ، أصحاب القضية ، وأصحاب الحقوق ................... فالعدو الصهيوني ، عدو حاقد ، وماكر ، ومخادع ، ولئيم ............... وتلك حقيقة ، وتجارب أكثر من ستة عقود ، مع العدو الصهيوني ............... وكذلك إن توقيع ، أي اتفاق لوقف طلاق النار ، مع العدو الصهيوني ، لا يتم توقيعه من قبل حكومة منتخبة ، تمثل كافة أبناء الشعب الفلسطيني ، ولا من قبل دولة مستقلة ، ذات سيادة ، سوف يكون نهايته الفشل الذريع ................ والسبب أن توقيع أي اتفاق لوقف إطلاق النار ، مع العدو الصهيوني ، لن يتم إلا من قبل أشخاص ، لا يمثلون تطلعات كافة أبناء الشعب الفلسطيني ، وخاصة في الشتات .............. وان توقيع أي اتفاق لوقف إطلاق النار ، مع العدو الصهيوني ، سيتم توقيعه من قبل أشخاص ، سوف ينتهي دورهم ، في يوم من الأيام ................ ليس هذا فحسب ، بل هناك جهات ، وأطراف دولية ، وإقليمية ، ليس لها مصلحة ، في توقيع ، أو استمرار مثل هذا الاتفاق ، وسوف تعمل على خرقه ، وعدم تنفيذه ، بكافة الطرق ، والأساليب ، والوسائل المتاحة.