أصداء قديمة في استراتيجية الشرق الأوسط الجديدة

تم نشره في الخميس 25 أيلول / سبتمبر 2014. 11:00 مـساءً

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

دويل مكمانوس –

(لوس أنجلوس تايمز) 13/9/2014


إليكم السيناريو الكابوسي الذي أرق مضاجع مسؤولي إدارة أوباما وأبقاهم مستيقظين في هذا الصيف بينما يشاهدون رجال حرب العصابات المقنعين بالسواد التابعين للدولة الإسلامية وهم يجتاحون الأراضي العراقية: أولاً، أن يستطيع المتمردون غزو بغداد، وإسقاط حكومة العراق وفرض إجلاء للسفارة الأميركية على غرار ما حدث في سايغون الفيتنامية. ثم يستطيعون بعد ذلك الانتقال إلى داخل الأردن، الحليف الوثيق للولايات المتحدة الذي احتفظ بحدود سلمية مع إسرائيل طوال جيل كامل. ومن هناك، سيكون باستطاعتهم حتى أن يهددوا المملكة العربية السعودية، محور الأسواق النفطية العالمية.
بالنسبة لمعظم الأميركيين، تعد "الدولة الإسلامية" مرعبة أكثر ما يكون بوصفها تهديداً إرهابياً ونسخة جديدة عن تنظيم القاعدة، والذي ينطوي على ولع بشع بقطع رؤوس المواطنين الأميركيين. وكانت هذه هي الصورة التي شدد عليها الرئيس أوباما في خطابه الذي أعلن فيه عن هجوم مضاد بقيادة الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي. قال أوباما: "إن داعش هي تنظيم إرهابي، بوضوح وبساطة".
لكن الدولة الإسلامية هي أكثر من ذلك في حقيقة الأمر: إنها جيش متمرد تمكن من إلحاق الهزيمة بوحدات عسكرية تقليدية في سورية والعراق، وتضخم في القوة من خلال الاستيلاء على الأسلحة وتجنيد المتطوعين. كما أنه استولى على مساحات شاسعة من الأراضي واحتفظ بها -وهو شيء لم تحاوله حتى القاعدة نفسها أبداً.
ذلك يجعل منها خطراً على كل بلد تقريباً في الشرق الأوسط غير المستقر أصلاً؛ وذلك، بالإضافة إلى احتمال الإرهاب المستقبلي -وليس قطع الرؤوس، ولا المجازر التي ارتكبتها في العراق- هو ما حدا بأوباما ومساعديه إلى شن الهجوم المضاد واسع النطاق الذي أعلن عنه في الأسبوع الماضي.
وفي الأثناء، لا يتوقف الشرق الأوسط أبداً عن أن يكون مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة، بغض النظر عن القوة التي يحاول بها أي رئيس أميركي الانتقال بعيداً إلى مناطق تركيز أخرى. ولا يتعلق السبب بمجرد النفط أو إسرائيل أو حتى الإرهاب، رغم أن هذه العوامل تلعب دورها بالطبع. بدلاً من ذلك، تتجسد المشكلة الكامنة في أن النظام القديم للشرق الأوسط -حيث الحكومات الفاسدة وغير الكفؤة، وإنما المستقرة في داخل حدودها- قد انهار بعد أكثر من عقد من الحرب والثورة.
لقد أفضى عقد من الحروب والانتفاضات إلى إضعاف (أو في بعض الحالات إلى إسقاط) الأنظمة القديمة، لكنه لم يستبدلها بأنظمة جديدة فعالة.
لم تتمكن حالة الصعود الوجيزة للحركات المؤيدة للديمقراطية في الربيع العربي للعام 2011 من حل تلك المشكلة. وإنما فتحت بدلاً من ذلك بوابات جديدة للتطرف الإسلاموي وللانقسام الطائفي والقبلية.
إن الإرهاب الذي نخشاه هو في أغلبه نتاج لتلك الفوضى العارمة. ولذلك، فإن الهدف الاستراتيجي طويل الأمد لأي رئيس أميركي، كما يطرح مارتن انديك الذي عمل كمفاوض رئيسي لإدارة أوباما في أزمة الشرق الأوسط حتى وقت سابق من هذا العام، يجب أن يكون "خلق نظام جديد".
من الطبيعي أن لا تكون هذه مهمة سهلة، خاصة وأن الأميركيين (ورئيسهم) ما يزالون ينعون خسائرهم الناجمة عن حملات سابقة في داخل العالم العربي، وهم مصممون على أن تكون لهم مواطئ أقدام أصغر في المنطقة. لكن أوباما يبدو، مؤقتاً على الأقل، موافقاً على الهدف.
يتسم جهد الرئيس في العراق أصلاً بأنه أكبر من الحملتين المضادتين للإرهاب اللتين استشهد بهما كنموذجين: اليمن أو الصومال. ففي أسابيع قليلة، قام بنشر أكثر من 1000 عسكري إضافي، وشن أكثر من 160 ضربة جوية لوقف تقدم الدولة الإسلامية. وقال انديك إن أوباما "حول سياسته الشرق أوسطية إلى الاتجاه المعاكس". وأضاف: "كنا في عملية انسحاب من الشرق الأوسط، وكان لذلك أثر دراماتيكي على نفوذنا مع كل اللاعبين هناك. وراهناً، أصبحنا نعود -تدريجياً (و) بتردد، بلا شك، لكن الاتجاه واضح".
كان الانقلاب الأكثر وضوحاً، بالطبع، هو قرار أوباما إعادة إرسال قوات إلى داخل العراق -حتى ولو أنها ممنوعة من القتال المباشر- بعد أقل من ثلاثة أعوام على الانسحاب. كما غير أوباما رأيه أيضاً فيما يتعلق بالمعارضة المعتدلة في سورية، التي لطالما تجاهلها باعتبار أنها غير قادرة، لكنه أصبح يصفها راهناً بأنها شريك رئيسي للولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، أحيا الرئيس الآن تحالف الولايات المتحدة القديم مع العربية السعودية وغيرها من الحكومات السنية المحافظة، باعتبارها جزءاً أساسياً من أي استراتيجية، إذا كانت الولايات المتحدة تريد تفادي مظهر حملة عسكرية غربية موجهة ضد المسلمين.
عندما أطاح الجيش المصري بحكومة الرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، في العام 2013، دانت الولايات المتحدة الانقلاب في البداية، وأوقفت تقديم المساعدات العسكرية لمصر. وأفضى ذلك إلى برود صريح في العلاقات الأميركية السعودية، لأن الحكومة السعودية رأت في الإخوان المسلمين تهديداً لها ودعمت الانقلاب.
 كنه عندما سافر وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، إلى الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة من أجل الحصول على المساعدة في القتال ضد الدولة الإسلامية، استضافت العربية السعودية الاجتماع -وحضر وزير الخارجية المصرية ذلك الاجتماع. وقال وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل: "إنني أرى الاتفاق فقط".
الدرس المستقى: في هذا الوقت، وفي مواجهة تهديد الدولة الإسلامية، فإن الأولوية الأولى للولايات المتحدة في العالم العربي ليست الديمقراطية: إنها الاستقرار.
إذا بدا ذلك مألوفاً فإن له سبباً. إنه يردد أصداء السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة لنصف قرن قبل غزو العراق في العام 2003 والتفاؤل القصير الذي جلبه الربيع العربي.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Old echoes in America’s new Mideast policy

التعليق