بدعة الـ"لاسامية" ومسمار جحا

تم نشره في الجمعة 26 أيلول / سبتمبر 2014. 11:02 مـساءً

تسعى إسرائيل، وفق بيان صادر عن وزارة خارجيتها، إلى إدراج موضوع ما يسمى الـ"لاسامية"، على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها التي ستعقد مطلع العام المقبل 2015، بمناسبة مرور 70 عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية. والهدف من هذا واضح، ولكنه يتأكد أكثر حينما يصدر البيان مقرونا بتصريحات "مصدر" في وزارة الخارجية، يقول فيها: "إن العالم لا يكترث بالقضية الفلسطينية". ما يعني أن إسرائيل تبحث عن مناورة جديدة لحجب قضية فلسطين عن أولويات المجتمع الدولي. ولهذا، فإن الهدف يستدعي صدّ المناورة الإسرائيلية ومنعها.
تنتشر في عالمنا مظاهر متنوعة عديدة من العنصرية، وهي تطال عادة مجتمعات تُعد أقلية؛ إما على خلفيتها القومية أو الدينية أو غيرها من الانتماءات. وقد يكون اليهود في بعض الأماكن عرضة لهذه العنصرية. لكننا نشهد أيضا أن أبناء الديانة اليهودية في أوطانهم، يدفعون في كثير من الأحيان ثمن سياسة ونهج الصهيونية ودولتها إسرائيل. ولا يقبل العقل والمنطق الانساني، أي اعتداءات ضد الناس الأبرياء، فقط بسبب انتمائهم الاجتماعي.
إلا أن إسرائيل، ومن قبلها الحركة الصهيونية، تعتبر أن كل اعتداء أو توجه ضد اليهود، في أي مكان في العالم، هو "عداء للسامية". وهذا بدأ قبل ظهور النازية؛ إذ اعتمدت الحركة الصهيونية بدعة أن "اليهود ملاحقون في كل أنحاء العالم، ويجب تجميعهم في بقعة جغرافية واحدة"، إلى أن جاءت النازية، وما اقترفته من جرائم ضد الإنسانية، ليس ضد اليهود وحدهم، بل ضد شعوب وشرائح مجتمعية كثيرة، لتنشر الصهيونية بدعتها بشكل أوسع، ومن ثم لتتحول القضيتان؛ الـ"لاسامية" و"المحرقة اليهودية"، إلى ما يمكن تسميته "مسمار جحا صهيوني" للتدخل في شؤون الدول، والأهم اقتحام ميادين الرأي العام العالمي، خاصة في الدول الكبرى والمركزية، وتجنيده لصالح الصهيونية ومشروعها الاستراتيجي الأكبر؛ إسرائيل.
وتتابع عدة معاهد ومؤسسات صهيونية، وأخرى إسرائيلية، ما يسمى بالـ"لاسامية". وهي ترصد ما تدعيها من أحداث ضد اليهود، تصل إلى درجة السُخف بأنها على استعداد لتأويل أي صدام بين شخص يهودي وأي شخص آخر كان في العالم على أنه من منطلقات عنصرية، بغض النظر عن خلفية ذلك الحدث.
ولكن الأهم من هذا أن هناك معاهد، من مثل "معهد سياسة الشعب اليهودي" و"اللجنة ضد التحريض"، وكلاهما تابعان للوكالة الصهيونية، ترصد بشكل دائم مدى تفهّم الأجيال الناشئة من أبناء الديانة اليهودية في العالم لـ"اللاسامية"، ومدى معرفتها بـ"المحرقة اليهودية". وتوصي تلك المعاهد بوضع برامج لنشر هذين الملفين بين هذه الأجيال، إضافة إلى حثّ المنظمات الصهيونية في دول العالم، على دفع الحكومات والبرلمانات إلى سن قوانين ضد ما يسمى بالـ"لاسامية"، وإقامة نُصب تذكارية لإحياء ذكرى ضحايا المحرقة اليهودية. إذ ترى الصهيونية أن في هذا ما يشجع على دعم إسرائيل وسياستها.
الأخطر من هذا، أن إسرائيل والصهيونية تعتبران أن مفهوم الـ"لاسامية" لا يقتصر على اعتداءات وملاحقات، بل يشمل أيضا انتقاد السياسة الإسرائيلية؛ سياسة الحرب والاحتلال. ومثل هذا المفهوم نجده منتشرا كثيرا في الولايات المتحدة الأميركية، بدعم من المنظمات الصهيونية، والمنظمات الأميركية الأخرى الداعمة لإسرائيل.
لا تهدأ إسرائيل في مسعاها لإزالة القضية الفلسطينية عن جدول أولويات المجتمع الدولي. وهذا قائم منذ العام 1948، ولربما باستثناء سنوات التسعينيات من القرن الماضي. وفي كل مرحلة، تبحث إسرائيل عن ملف، أو تختلق ملفا لإشغال العالم به، مستغلة اختلال موازين القوى العالمية الكبرى لصالحها. ومسعاها الجديد في أروقة الأمم المتحدة، يأتي استباقا لأي مشروع فلسطيني لرفع مستوى تمثيل دولة فلسطين، والتي اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل ثلاثة أعوام. ولهذا، فمن الضروري صدّ هذه المؤامرة الصهيونية الجديدة، وقلع "مسمار جحا الصهيوني" أيضا من أجندة الأمم المتحدة في دورتها التالية بعد ثلاثة أشهر.

التعليق