انخفاض أسعار النفط: الأسباب والنتائج

تم نشره في الأحد 19 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:00 صباحاً

*لهب عطا عبد الوهاب

شهدت أسعار النفط؛ خام برنت المرجعي؛ انخفاضاً ملموساً منذ مطلع الصيف الماضي لتصل إلى أقل من 84 دولاراً للبرميل أو بانخفاض نسبته 20 % مقارنة بشهر حزيران (يونيو) الماضي.
وجاء هذا الانخفاض لتضافر عدد من الأسباب، لعل من أبرزها:
أولا: الانكماش في الطلب العالمي؛ إذ شهد الاستهلاك العالمي للنفط تراجعاً لاسيما خلال الربع الثالث من العام، ويأتي ذلك بعد المراجعة التي قام بها صندوق النقد الدولي "IMF" عن مرئيات النمو في الاقتصاد العالمي؛ المحرك الرئيسي للطلب؛ وتشير توقعات الصندوق إلى انخفاض النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي "GDP" من 3.4 % إلى 3.3 % في ظل التباطؤ في الاقتصادات الصناعية في أوروبا واليابان وتراجع النمو في الاقتصادات الناشئة لاسيما الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم.
ثانيا: الفائض في الإمدادات؛ يعاني السوق حالياً من "تخمة في المعروض" Oil glut؛ إذ أشارت البيانات إلى أن العرض العالمي للنفط وصل الى 91 مليون برميل يومياً مقابل طلب عالمي يقدر عند 90 مليون برميل يومياً؛ أي أن هناك وفرة في الإمدادات تزيد على مليون برميل يومياً، والسؤال هنا ما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ قد يحتار الخبراء حول الإجابة لما يحصل في السوق اليوم؛ إذ إن المعطيات الجيوسياسية التي تشهدها دول الشرق الأوسط الغنية بالبترول لاسيما مع اقتراب تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" من حقول النفط في العراق وسورية، ناهيك عن الاضطرابات السياسية في اليمن وليبيا، كلها عوامل تشي بأن الأسعار -بخلاف ما يحصل اليوم- عليها أن ترتفع نظراً لحالة "عدم اليقين" التي تسببها هذه التداعيات لاسيما الخوف من انقطاع الإمدادات.
ثالثا: إن ما أصبح يعرف في أدبيات الطاقة بـ"ثورة الوقود الصخري" Shale Oil & Gas Revolution في الولايات المتحدة الأميركية يأذن بانبلاج عصر جديد من عصور الطاقة؛ إذ تمكنت الولايات المتحدة من خلال توظيف ما يعرف بعملية "التكسير الهيدروليكي" Fracking، إضافة الى تقنية "الحفر الأفقي" من الوصول الى النفط والغاز "المحبوس" بين "المسامات" الصخرية.
وأفضى ذلك الى ارتفاع الإنتاج ليصل إلى 8.7 مليون برميل يومياً؛ أي بزيادة قدرها مليون برميل يومياً مقارنة بالعام الماضي (وإضافة لإمدادات تزيد على 4 ملايين برميل يومياً منذ العام 2005).
وتركزت هذه الزيادات في المكامن النفطية في Eagle Ford في ولاية تكساس وBakken في ولاية نورث داكوتا. وجاء هذا التطور ليجعل من الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط الخام؛ متجاوزاً المملكة العربية السعودية، وذلك بحلول العام 2020 حسب منظور وكالة الطاقة الدولية.
وستتحول الولايات المتحدة بعد العام 2015 من مستورد صاف للنفط الى مصدر صاف للنفط، وانعكس هذا التطور على التوزيع الجغرافي للورادات الأميركية والتي انخفضت بحوالي النصف تتوزع اليوم على الشكل الآتي: (كندا 25 %، السعودية 11 %، نيجيريا 11 %، فنزويلا 10 %، المكسيك 9 %، دول شرق أوسطية أخرى 7 %، دول في أميركا الجنوبية 5 % ودول أخرى 22 %).
ولولا هذه الزيادة؛ فإن أسعار النفط كانت ستصل الى 150 دولاراً للبرميل وفقاً لرؤية إدارة معلومات الطاقة الأميركية في ظل الخشية من توقف الإمدادات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
رابعا: الاستراتيجية السعودية في التعامل مع الواقع الجديد
عبر العقود القليلة الماضية لعبت السعودية دور ما يعرف بـ"المنتج المرجح" Swing Producer بزيادة الإنتاج لمقابلة الطلب العالمي للمحافظة على استقرار الأسعار؛ بيد أن هناك حسب المراقبين؛ ما يفيد الى حصول "تغيير هيكلي" في الاستراتيجية السعودية هذه، إذ بدلاً من الدفاع عن نطاق سعري بحدود 100 دولار للبرميل تتطلع السعودية الى المحافظة على حصتها في السوق.
وتشير آخر المعطيات، وفقاً للتقرير الشهري لمنظمة أوبك لشهر (تشرين الأول) أكتوبر 2014 Monthly Oil Market Report الى قيام السعودية بزيادة إنتاجها بواقع 100 ألف برميل يومياً في شهر أيلول(سبتمبر) الماضي ليصل الى 9.7 مليون برميل يومياً.
وهناك من المراقبين من يجد في الخطوة "مناورة ذكية" من السعودية للحد من نمو الإنتاج (غير التقليدي) في الولايات المتحدة.
وستشخص الأبصار للاجتماع المرتقب لمنظمة أوبك المقرر في العاصمة النمساوية، فيينا يوم 27 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل؛ إذ إن المتوقع أن تقدم المنظمة بخفض سقف إنتاجها البالغ 30 مليون برميل يومياً (أو ما يعادل ثلث الإنتاج العالمي) استجابة لمتغيرات السوق الحالية.
إلا أن معظم تصريحات وزراء النفط يرون أن هذا الإجراء سابق لأوانه، لاسيما مع توقع زيادة الطلب مع دخول فصل الشتاء في نصف الكرة الغربي، مما من شأنه أن يوقف الانزلاق في الأسعار.
الملاحظات الختامية
تشير معطيات العرض والطلب الحالية الى أن الأسعار؛ مع الأخذ بالاعتبار أن الدول النفطية الشرق أوسطية حبلى بالمفاجآت؛ ستشهد تذبذبات كبيرة، الا أنها لن تهبط الى نطاق سعري ما دون 70 الى 75 دولاراً للبرميل، وهو سعر التعادل لتحقيق الأرباح الاستثمارية للتنقيب عن الوقود الصخري للولايات المتحدة الأميركية كما يمثل كلفة الإنتاج في روسيا الاتحادية.
كما أن دول الخليج العربية يمكنها أن تتعامل مع أسعار تقل عن متوسط 100 دولار التي سادت في الأعوام الماضية في ظل الأرصدة المتراكمة لديها في "صناديق الثروة السيادية" والتي تربو على 2.4 تريليون دولار، في حين بلغت قيم الفوائض في ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي العام 2013 نحو 146 مليار دولار.
أما المستفيد الأكبر من هبوط الأسعار، فهم الدول المستوردة لاسيما دولنا العربية مثل مصر والأردن ولبنان؛ حيث تستنزف فاتورة النفط فيها موازنتها العامة، ما يمكنها من المضي قدماً في سياسة رفع الدعم وترشيد الاستهلاك.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق