تقرير اخباري

"جريمة طبربور".. مؤشر على غياب الرعاية الصحية والنفسية لضحايا العنف

تم نشره في الاثنين 27 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 12:00 صباحاً

نادين النمري

عمان - كشفت قضية الأم، التي أقدمت في طبربور، على قتل ثلاثة من أبنائها، قبل محاولتها الانتحار أول من أمس، عن الإخفاق في توفير خدمات الرعاية الاجتماعية والنفسية، لضحايا العنف الأسري والجنسي والمحيطين بهم.
وأكد مصدر رسمي لـ"الغد"، أمس "وجود ملف للعائلة، لدى إدارة حماية الأسرة، ضد الأب، على خلفية قضية اعتدائه جنسيا على أحد الأبناء".
 ووفقا لذات المصدر، فإنه رغم توقيف الأب في تلك القضية قبل أسابيع، إلا أن الأسرة لم تخضع لأي نوع من المتابعة، أو الرعاية، لتنتهي معاناة الأسرة، بنهاية مأساوية، بقتل الأم لفلذات كبدها.
وكانت الأم الأربعينية أقدمت صباح أول من أمس، على قتل ثلاثة من أطفالها خنقا، أثناء نومهم، فيما حاولت قتل ابنتين أخريين، إلا أنهما لاذتا بالفرار.
وبحسب المصدر، فإن "الفتاتين الناجيتين تم إيداعهما في إحدى دور الرعاية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية".
واعتبر مختصون أن "وقوع مثل هذه الجريمة البشعة في قضية، تتابعها إدارة حماية الأسرة، لهو مؤشر على غياب وضعف الرعاية الصحية النفسية، للضحايا ومرتكبي العنف".
ويرى هؤلاء أن هذه الحالة تؤكد "أن الحاجة ماسة لإنشاء مركز متكامل، لتقديم الخدمات لضحايا العنف، بحيث يشمل على تقديم الرعاية النفسية والاجتماعية، فضلا عن خدمات المساعدة القانونية"، مبينين أن "الأصل أن تشمل الخدمات الضحية وأفراد الأسرة، لتمكينهم من مساعدة أبنائهم على مواجهة المشكلة"، وكذلك "توفير خدمات التأهيل لفرد الأسرة، الذي قام بالعنف، لضمان تخلصه من السلوك الجرمي".
وتقول مديرة مجموعة "ميزان" لحقوق الإنسان، المحامية إيفا أبو حلاوة "للأسف ليس لدينا أي منظومة لتقديم المساندة لضحايا العنف، تحديدا عندما يكون العنف من داخل الأسرة نفسها، أو حالات العنف الجنسي".
وتتابع "تلك الأسر تحتاج للمساندة لتخطي مشاكلها، وهي تحتاج إلى مجموعة من خدمات المساندة النفسية والاجتماعية والصحية والقانونية فضلا عن المادية أحيانا".
وتبين "أحيانا تحصل الضحية وأسرتها على دعم من المحيطين، كالأهل أو الجيران، لكن هذه المساندة ليست مهنية، وفي كثير من الأحيان لا تؤدي إلى حلول بل من الممكن أن تفاقم المشكلة".
وتتابع "هناك جهود فردية، تبذلها منظمات مجتمع مدني، فضلا عن جهود إصلاحية، يقوم بها في كثير من الأحيان الحكام الإداريون، لكن تلك التدخلات بشكلها الحالي غير كافية".
وتقول "المطلوب إيجاد مركز خدمات متكامل لضحايا العنف الأسري والعنف الجنسي، يقوم عليه مختصون وأشخاص مؤهلون لديهم خبرة في مجال حقوق الإنسان والمرأة، ويعمل ضمن آلية منظمة، تضمن السرية للضحية، وتقديم الخدمات المتكاملة من علاج نفسي وطبي وإرشاد اجتماعي ومساعدة قانونية".
وحول ما حدث مع السيدة، ودفعها للقيام بالقتل قبل محاولة الانتحار، تبين أبو حلاوة "للأسف فإن نفاذ سبل الوصول إلى الخدمة والإنصاف والشعور بالظلم الكبير، يدفع بالإفراد لاستخدام العنف، وفي هذه الحالة لجأت الأم إلى حلول عنيفة، وغير منطقية، تمثلت بقرارها إنهاء حياة أبنائها وإنهاء حياتها".
من ناحيته، يرى استشاري الطب الشرعي، الخبير في مواجهة العنف الدكتور هاني جهشان، أن وقوع مثل هذه الجريمة البشعة، في قضية تتم متابعتها من قبل إدارة حماية الأسرة، هو "مؤشر على عدم ضمان الالتزام بالمعايير، بتوفر خدمات المتابعة الاجتماعية الحثيثة، للحالات، التي لديها مؤشرات لعوامل خطورة شديدة"، وهي مؤشر أيضا على "غياب أو ضعف الرعاية الصحية النفسية للضحايا، ومرتكبي العنف من قبل اختصاصيين، وأطباء متمرسين، وبمرجعية قائمة على الدليل العلمي المسند بالأبحاث".
واعتبر أن "القضية تشير أيضا إلى الإخفاق في تنفيذ التشاركية، على أرض الواقع، ما بين القطاعات الاجتماعية والصحية والقانونية"، مبينا أن "قياس نجاح حماية الأسرة من العنف، يعتمد على معايير محددة، تشمل تمركزها على ضمان صحة الضحية، بمركباتها الجسدية والنفسية والاجتماعية والنمائية، وعلى ضمان قيامها على مبدأ الوقاية من العنف قبل حدوثه، والوقاية من تفاقم عواقبه".
كما تعتمد على قياس مدى التشاركية الحقيقية للقطاعات الصحية والقانونية والاجتماعية، وأيضا فيما إذا كانت هذه الخدمات قائمة على الدليل العلمي المسند بالأبحاث، وتحترم حقوق الإنسان بما فيها الخصوصية والسرية، وفيما إذا كانت خدمات الحماية هذه معروفة لعامة الناس وسهلة النفاذ، وأنها متوافقة مع الثقافة السائدة في المجتمع الذي تخدمه.
على الرغم من أن أقسام حماية الأسرة متوفرة، في مختلف محافظات المملكة، وهناك معرفة لدى العموم حول الخدمات التي تقدمها، إلا أن من قام بالاعتداء الجنسي على ابنته، ومن قتلت أبناءها، هما شخصان مجرمان بمرجعية القانون، لكنهما "ليسا هما من انتهكا حقوق الإنسان وحقوق الطفل؛ إنها المؤسسات الرسمية، بإخفاقاتها، هي من انتهك هذه الحقوق" على حد رأيه.
وحول ما اقترفته الأم، أوضح جهشان أن "سلوك القاتل في جريمة القتل الجماعي، داخل الأسرة، ومن ثم محاولة الانتحار، هو سلوك محدد لا يمكن تصنيفه ببساطة، كسلوك جنائي أو انتحار فردي أو جماعي، أو تصنيفه كأحد العواقب القاتلة للتفكك وللعنف الأسري".
وزاد إن الدافع وراء "القتل الجماعي داخل الأسرة قد يأخذ شكلين، فإما أن يكون الدافع هو قتل أحد أو جميع أفراد الأسرة، ويقوم الجاني بالانتحار أو محاولة الانتحار لشعوره بالذنب أو للهرب من العقاب، بعد مشاهدته بشاعة الجريمة، التي ارتكبها أو الاعتقاد أن قتل أفراد أسرته الآخرين هو شفقته عليهم، لأنهم لن يستطيعوا العيش بدونه، أو رحمة ورأفة بهم بسبب معاناتهم من مذلة الحياة".
وبين جهشان أن هذه الجريمة تعد من أبشع أشكال العنف الأسري، الذي يمكن الوقاية منه، وإن كانت مرتبطة بمرض نفسي، يعاني منه الجاني، فإن المراجع المعرفية تؤكد أنه يمكن الوقاية منه بتوفير الرعاية الطبية المدعمة بالرعاية النفسية الاجتماعية للمرضى.

nadeen.nemri@alghad.jo

 

التعليق