اللاجئون السوريون: ضياع أمة

تم نشره في الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 11:00 مـساءً
  • لاجئون سوريون يحاولون تجديد وثائقهم - (أرشيفية)

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 23/10/2014

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أصبح الكثيرون من اللاجئين السوريين الذين يقارب عددهم 3 ملايين نسمة حتى الآن، يشيرون إلى بلداتهم التي غادروها بصيغة الفعل الماضي: "كانت هناك درعا، والآن لم تعد هناك درعا"، تقول سفارة، الجدة القادمة من المدينة السورية الجنوبية المقصوفة، والتي تعيش الآن في مدينة إربد الأردنية. الآن، ربما تصبح جنسيتهم ومواطنتهم في بلدهم مراوغة وبعيدة المنال، شأنها شأن بلداتهم القديمة نفسها. وتقول مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن مئات الآلاف من السوريين يمكن أن يصبحوا بلا جنسية نتيجة للحرب الوحشية المستعرة منذ ثلاث سنوات ونصف. ويعمل عدد اللاجئين، والوقت الطويل الذي يرجح أن يقضوه خارج سورية، بالإضافة إلى قوانين الجنسية الصعبة المطبقة في الدول المضيفة، على وضعهم أمام خطر أن يضافوا إلى نحو 10 ملايين شخص ممن هم بلا جنسية في جميع أنحاء العالم.
بالنسبة للكثيرين، تتجسد المشكلة ببساطة في عدم امتلاك هؤلاء اللاجئين أي أوراق تثبت أنهم سوريون منذ أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. فبينما كان الناس يفرون، ضاعت الكثير من وثائق إثبات الهوية أو تلفت. وبالنسبة لآخرين، انتهت صلاحية جوازات السفر (تمتد فترة صلاحية جوازات السفر سنتين فقط للرجال الذين لم ينهوا الخدمة العسكرية الإجبارية). ولا يمكن استبدال أو تجديد هذه الجوازات سوى بالعودة إلى سورية، أو من خلال التقدم إلى واحدة من السفارات شبه غير العاملة في الخارج. وفي الدول المجاورة، سيتطلب ذلك القيام برحلة مكلفة إلى إسطنبول، أو عمان أو بيروت، وتدبر شأن رسوم الطلب، وما يصل إلى نحو ستة أشهر من الزمن التي تستغرقها العملية -بالإضافة إلى النتيجة غير المؤكدة. وينفر السوريون المطلوبون للنظام السوري من الاقتراب من أي سلطة سورية. ويقول أولئك الذين حاولوا ذلك، حتى من بعيد، إن طلباتهم للحصول على الوثائق قد رُفضت. وحتى تصبح الأمور أسوأ، شرعت المجموعة الجهادية التي تدعو نفسها "الدولة الإسلامية" مؤخراً في تدمير جوازات السفر والسجلات القانونية التي تقع تحت يدها في سورية.
يتأثر الأولاد بهذا الوضع بشكل غير متناسب لأن الكثيرين منهم غادروا سورية من دون الحصول على جواز سفر أو بطاقة هوية شخصية من الأساس. وهناك ما يقدر بنحو 8.000 من الأولاد القصر الذين عبروا الحدود من دون مرافقة شخص بالغ، ناهيك عن امتلاك وثائق. كما أن قضية ما يقارب 51.000 من الأطفال السوريين المولودين في المنفى تتسم بقدر أكبر من التعقيد هي الأخرى. ويمكن الاعتراف بالأطفال المولودين في الخارج كسوريين فقط إذا تم تسجيل ولاداتهم لدى الدول المضيفة، وهو ما يستطيعون بعده التقدم بطلب للحصول على الجنسية إلى السلطات السورية. ويتم منح الجنسية فقط إذا كان الأب سورياً، ولذلك، تطلب السلطات في كل من الأردن وسورية شهادة زواج سارية المفعول للأبوين قبل أن تقوم بتسجيل الولادات.
لكن ربع العائلات اللاجئة تعيلها نساء وحيدات، بما أن الكثير من الرجال قد قُتلوا، أو فقدوا أو ظلوا في سورية. ولا يستطيع اللاجئون الذين لا يمتلكون وثائق جنسية أو لديهم جوازات سفر منتهية الصلاحية تسجيل زواجهم خارج البلد. وبالإضافة إلى ذلك، يولد العديد من الأطفال من زواج دون السن القانونية أو من زيجات دينية غير معترف بها قانونياً. وتزداد المشكلة سوءاً في وقت شرع فيه اللاجئون السوريون بتزويج بناتهم في سن مبكرة على أمل أن يقوم زوج الفتاة الجديد بدعمها. وتقول الجمعية الخيرية "أنقذوا الأطفال" إن واحدة من كل أربع زيجات سورية في الأردن تكون غير قانونية لأن العروس تكون تحت السن القانونية، في حين وجدت دراسة استقصائية حديثة أجرتها مفوضية شؤون اللاجئين أن أكثر من 75 % من أطفال اللاجئين المولودين في لبنان لم يتم تسجيلهم بالشكل المناسب.
لا تقوم أي من الدول المجاورة لسورية بمنح الجنسية للسوريين لمجرد أنهم يولدون على ترابها ببساطة، وبذلك لا يستطيع اللاجئ أن يحصل بسهولة على جنسية بديلة. ومن دون أوراق ثبوتية سارية المفعول، يُمنع السوريون من الإقامة في لبنان وتركيا أيضاً. كما رُفض دخول بعض السوريين الذين لا يحملون وثائق إلى تركيا. وفي لبنان، يعيش الكثير من السوريين في خوف من الشرطة، وهم غير قادرين على عبور نقاط التفتيش أو العمل أو استئجار منازل. وقد أجبر ذلك بعض الناس على القيام برحلة محفوفة بالمخاطر إلى سورية من أجل الحصول على وثائق رسمية، لكن هناك سياسات جديدة في كل من لبنان والأردن، والتي تحظر على الذين عادوا إلى سورية دخول أراضيهما مرة أخرى. وقد ازدهرت تجارة مربحة لتزوير جوازات السفر في تركيا. ودفع بعض السوريين رشاوى هائلة لمسؤولين سوريين من أجل الحصول على وثائق. وشن ناشطون حملة على الإنترنت، والتي طالبوا فيها بأن يقوم الائتلاف الوطني السوري المعارض، الممثل الرئيس للمعارضة، بإصدار جوازات سفر.
يشمل سكان العالم عديمو الجنسية أولئك الذين يحملون صفة "بدون"، وهم طيف منوع من المجموعات المترحلة والعرقية، الكثيرون منهم من البدو الذين لم يحظوا أبداً باعتراف دول الخليج العربية، بالإضافة إلى مسلمي الروهنجا المحرومين من المواطنة في ميانمار. وقبل اندلاع الأزمة السورية، كانت سورية موطناً لما يقدر عددهم بنحو 300.000 شخص من عديمي الجنسية، بعضهم كانوا من بين السكان الفلسطينيين البالغ عددهم نحو 500.000 (والذين ناضلوا من أجل العثور على بلدان يمكن أن يهربوا إليها، ووجهت منظمة هيومن رايتس ووتش، مجموعة الضغط التي مقرها نيويورك، انتقادات متكررة إلى دول جوار سورية بسبب ردها الفلسطينيين السوريين الهاربين على أعقابهم عند حدودها). لكن غالبية الذين بلا جنسية كانوا من أكراد سورية البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، والذين كان الكثيرون منهم محرومين من المواطنة أصلاً، وكانت السلطات السورية قد سجلتهم، فيما ينطوي على مفارقة، باعتبارهم "أجانب" بلا جنسية. وكان مرسوم صدر في العام 2011 قد مكن بعضهم من التقدم بطلب للحصول على الجنسية، لكن البعض الآخر كانوا غير مؤهلين أو أنهم فروا من البلد قبل قيامهم بذلك. وقد وجد مسح أجري للأكراد السوريين اللاجئين في كردستان العراق المجاورة في السنة الماضية أن 10 % من هؤلاء اللاجئين هم بلا جنسية.
تقوم مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بتشجيع الدول المضيفة على تبسيط الإجراءات أمام اللاجئين السوريين، وهي تقترح أن تطلب هذه الحكومات وثائقاً أقل لإثبات الهوية والزواج. وتستخدم الرسوم الكرتوتية لتقول لنحو 3.000 من اللاجئين الأميين أن يحتفظوا بأمان بوثائقهم القانونية، وأن يقوموا بتسجيل المواليد والوفيات والزيجات. وكل أسبوع، يقوم موظف من السجل المدني بزيارة لمخيم الأزرق الأردني المنظم بإحكام، والذي يستقبل اليوم نحو 97 % من الواصلين الجدد إلى البلد من سورية. وتقول بيرناديت كاستل-هولينغزوورث، التي تدير مكتب مفوضية شؤون اللاجئين في المخيم، أنه تم القضاء تقريباً عى مشكلة الولادات غير المسجلة بفضل هذا الإجراء. لكن الوصول إلى الجميع، وخاصة أولئك الذين يعيشون خارج المخيمات، يبقى شأناً صعباً.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 Syrian refugees: The loss of a nation

[email protected]

@alaeddin1963

التعليق