خطاب العرش يرسم ملامح دور الأردن في حماية الأمة العربية والإقليم

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • الملك يلقي خطاب العرش خلال افتتاحه الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة السابع عشر أمس - (تصوير: محمد أبو غوش)

عمان -الغد- توقف مراقبون طويلا، عند كلمات جلالة الملك، خلال خطاب العرش السامي في افتتاح أعمال الدورة العادية لمجلس النواب السابع عشر أمس، والتي ذكّر بها الأردنيين، بمعنى اسم “الجيش العربي”، واعتبر هؤلاء أن خطاب الملك شكل فهما لطبيعة دور الأردن في حماية وحفظ أمن الامة العربية والدفاع عن كل الوطن العربي.
فقد قال جلالة الملك: “إن الشعار الذي على جباهكم مكتوبٌ عليه (الجيش العربي)، وهذا الاسم لم يكن صدفة أو مجرد شعار، وإنما هو تأكيد على التزام هذا الجيش بالدفاع عن قضايا الأمة العربية، وترابها وأمنها من أي خطرٍ يهددها”.
ذهب الملك في خطابه لربط مفهوم الأمن الداخلي بأمن الجوار العربي، “فأمن الأردن جزء من أمن أشقائه العرب، وسيظل هذا الجيش العربي المصطفوي، ورفاقه في الأجهزة الأمنية كما كان على الدوام، مستعداً للتصدي لكل ما يمكن أن يهدد أمننا الوطني، أو أمن أشقائنا في الجوار. فالأمن العربي كل لا يتجزأ”.
وفي السياق، ربط الملك شرط بقاء “جيشنا وأجهزتنا الأمنية على أعلى درجات الكفاءة والاقتدار” بضرورة “التزام كل مؤسسات الدولة بدعم قواتنا المسلحة، وأجهزتنا الأمنية، الذين يسهرون على حماية أمن الأردن والأردنيين”.
فوفق المنطوق السامي، فالحرب على التنظيمات الإرهابية وعلى الفكر المتطرف “هي حربنا”، مؤكدا جلالته “نحن مستهدفون، ولا بد لنا من الدفاع عن أنفسنا، وعن الإسلام، وقيم التسامح والاعتدال ومحاربة التطرف والإرهاب، وإن كل من يؤيد هذا الفكر التكفيري المتطرف أو يحاول تبريره هو عدو للإسلام وعدوٌ للوطن، وكل القيم الإنسانية النبيلة، مذكرا المجتمع الدولي بضرورة التصدي للتطرف في المذاهب والأديان الأخرى.
كلام الملك يأتي في خضم الحرب، التي تعيشها المنطقة، ودول جوار الأردن، وتأثرت بها البلاد، فالحرب على الإرهاب تنذر بطول سنواتها، وتعدد جبهاتها. وإن كان العمل العسكري جزء من هذه الحرب، فانها تبقى ايضا حرب مواجهة الفكر المتطرف مستمرة حتى القضاء على أصغر خلاياه، بالجهد الفكري ونشر ثقافة الاعتدال.
وهو ما تحدث به الملك، خلال لقائه كتلة التجمع الديمقراطي النيابية في وقت سابق من الأسبوع قبل الماضي، حيث توقع جلالته أن تستمر الحرب على الإرهاب لـ15 عاما، موزعة بين العمل العسكري ومتطلبات مواجهة الفكر المتطرف، فكريا وثقافيا.
وبين جلالته خلال خطاب العرش، ما عانته المنطقة من بعض التنظيمات، التي تتبنى الفكر التكفيري والتطرف، وتقتل المسلمين والأبرياء من النساء والأطفال باسم الإسلام، والإسلام منهم بريء.
وأعاد جلالته التذكير بأن الإسلام هو دين السلام والتسامح والاعتدال، وقبول الآخر واحترام حق الإنسان في الحياة والعيش بأمن وكرامة، بغض النظر، عن لونه أو جنسه أو دينه أو معتقداته، موضحا بأن هذه التنظيمات تشن حربها على الإسلام والمسلمين قبل غيرهم.
ومن منطلق المكانة الدينية والتاريخية للنظام الهاشمي، فإن الدفاع عن قيم الإسلام، وإبطال افتراء وتجني الجماعات التكفيرية عليه، من خلال إلصاق جرائم القتل والتشريد بالمعتقدات الإسلامية، هو واجب ديني وإنساني، وتعهد جلالته بالتصدي بكل حزم وقوة لكل من يحاول إشعال الحروب الطائفية أو المذهبية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين.
الملك يوجه رسائله في أكثر من اتجاه، وهو يؤكد أن ربط الإرهاب بالإسلام هو ظلم كبير، بينما الصمت الدولي عن “التطرف الصهيوني” بحسب تصريحات سابقة لجلالته، يهيئ بيئة خصبة لنشوء التطرف المضاد، على حساب غياب قيم العدالة والمساواة بين الشعوب، واتباع سياسة الكيل بمكيالين في القضايا العامة.
رؤية الملك تنبثق من حقيقة دور الأردن، في تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، تجاه القضايا التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي، مع التشديد على استمرار المملكة في توظيف مكانتها، كونها عضو في مجلس الأمن الدولي، لخدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.
فمن ناحية القضية الفلسطينية، فيؤكد جلالته أنها “قضية الأردن الأولى”، وهي مصلحة وطنية عليا، وقد أشار جلالة الملك إلى مكانة القدس “التي روت دماءُ شهدائنا ترابَها هي أمانة في عمق ضميرنا”، مشددا على استمرار الأردن بالتصدي بشتى الوسائل للممارسات والسياسات الإسرائيلية الأحادية في القدس الشريف، والحفاظ على مقدساتها الإسلامية والمسيحية.
ويتزامن ذلك مع مواصلة حشد الجهود الدولية لإعمار غزة، بعد العدوان الغاشم، الذي أودى بأرواح الآلاف من أشقائنا الفلسطينيين ودمر ممتلكاتهم، على ما أكد جلالته في خطاب العرش.
وأكد جلالة الملك في خطبة العرش على أن الضمانة في عدم تكرار العدوان على غزة، هي العودة إلى إطلاق مفاوضات قضايا الوضع النهائي، والوصول إلى السلام الدائم على أساس حل الدولتين، وفقا للمرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية، بما يمكّن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشرقية.
وعن تحدي الأزمة السورية، جدد جلالة الملك تأكيده على أن الحل الوحيد هو الحل السياسي الشامل، بمشاركة جميع مكونات الشعب السوري، والذي يضمن وحدة سورية واستقرارها، بينما يعني غياب هذا الحل، تكريس الصراع الطائفي على مستوى الإقليم، كما سيؤدي عدم إيجاد حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية إلى تغذية التطرف والإرهاب.
وفيما تتحمل المملكة الأعباء الكبيرة على استمرار نهوض الأردن بدوره القومي والإنساني تجاه الأشقاء من اللاجئين السوريين، فإن حجم الدعم الدولي لم يرتق إلى مستوى الأزمات وتبعات استضافة اللاجئين، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في تقديم المساعدات للاجئين، وللأردن، وللمجتمعات المحلية المستضيفة.
أجمل الملك الهم الإقليمي في خطاب العرش السامي، ووضع خطوطا عريضة لملامح الدور الأردني في المنطقة، وبلغة لا تحتمل التأويل أوضح جلالته حدود أمننا الوطني المشتبك جغرافيا ووجدانيا بهويتنا القومية والإسلامية، وهي حدود لا فصل فيها بالانتماء والأولويات.

التعليق