المرأة أماً وأختا وابنة وزوجة في البيت البطركي!

تم نشره في الثلاثاء 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 12:03 صباحاً

في المؤتمر السنوي الذي تعقده بهمة لا تفتر جامعة فيلادلفيا، وهذه المرة بعنوان "المرأة: التجليات وآفاق المستقبل"، قال احد اعضاء ادارة الجامعة: "نلتقي اليوم ونحن نحتفل بالمرأة أمّا وأختا وابنة وزوجة"! وقد تكون العبارة السابقة مبتسرة من سياق أعرض، ولكنّها في الحقيقة -وبحسب النّقد اللغوي الجندري (الذي غاب موضوعه المهم عن برنامج المؤتمر)- عنوان صريح وكثير التكرار والهيمنة في الخطاب السائد، لفكر ذكوريّ عريق متمترس في رؤوس معظم الأكاديميين، فما بالك بالساسة والقادة وصناع القرار والأدباء ورجال الدين وأصحاب المهن والسوق الشعبي وسائر خلق الله؟
في مؤتمر علميّ في جامعة مرموقة لا نستطيع هضم أن يُلخّص لقاء فكري عن المرأة -مبحوثة وباحثة- إلى احتفاء "عائلي": أماً وأختاً وابنةً وزوجةً! فليس المؤتمر العلميّ أعلاه احتفالاً بعيد ميلاد إحداهنّ مثلاً، أو لقاء عائليّاً، وإنما هو -بحسب البرنامج والأسماء- مؤتمر فكريّ يبحث في أفق أوسع قطراً من دائرة الأم والأخت والابنة والزوجة (والجدة وابنة العم وابنة الخال والحبيبة والصديقة والجارة... إلخ). وليس هدفنا من هذه الإشارة تصحيح كلام المتحدث ليُناسب مقام المؤتمر أو موضوعه، بل لأن العبارة أعلاه "كليشيه" مستعملة في سياق "الدفاع" الهزيل عن المرأة والمُبطن إنكاراً لها في الأدوار الأخرى والحياة العامّة، تُزجى عادة لتأكيد تفوق الذّكر واستعلائه، بينما الإناث لسن سوى كائنات "ضعيفة" في حمايته. لقد تعبت النساء -وقد شببن عن الطّوق- من توصيفهنّ في فاعليات الحياة المتقدّمة وعلى لسان أصحاب قرار بأنهنّ الأمّ والأخت والابنة والزوجة، أي تلخيص وجودهنّ كعائلة للذّكر. هذه العبارة التقليديّة التي يعشقها الذكوريّون التّقليديون في دفاعهم المرير عن مواقفهم المتصلّبة من المرأة، وفي تبرير قمعها "تكريماً لها"!
ليست المرأة عندي هي أمي (مع أنها عندي خير البشر) ولا أختي (مع أنها أحب الناس) ولا ابنتي (مع أنها فلذة الروح). لأنّ المرأة في البحث العلميّ، كيان موضوعيّ قائمٌ بذاته ولا يلتبس بالذاتيّ، وما ينبغي له، وإلا خلطنا حابل الأفكار بنابل الأهواء. ولا يجوز لي -مثلاً- كباحثة أن أتناول الذّكر الثقافيّ وألخّصه بأنه الأب والأخ والابن والزوج (بتسلسل أبو إصبع) فحسب، فهناك المجتمع (بإناثه وذكوره) وهناك أعرافه وتقاليده وأنظمة حكمه ومؤسّساته واللغة والقانون والدين والأدب والفنون والترفيه والإعلام.. فمعظمها كياناتٌ ذكوريّة من حيث محتواها الثقافيّ وموقفها العمليّ الواقعيّ من جنس النساء.
ولو نظرت حولك في المؤتمر أعلاه لوجدت على رأسه سيدة هي رئيسة مجلس الإدارة وبرتبة "مفكّرة"، ولرأيت باحثات أردنيات وعربيات جادات (في المؤتمر وخارجه) يرقى بعضهنّ إلى رتبة الفكر، ولهنّ إنجازهنّ المتفرّد في حقول الفكر النّسويّ، وعلم اجتماع الجندر، وفي الأدب والنّقد، والعلوم والتكنولوجيا وغيرها من حقول المعرفة والعلم والإدارة والإبداع..
إنها اللغة التي تتسلّل إلى اللسان بمحمولها الجنسويَّ (Sexism) والتي تكشف عما في ثقافة الفرد والمجتمع من تحيّز ضد النساء وخوف من وجودهنّ الغنيّ بالخبرة وبالإمكانات وبتحقّق الذات. ولذا يعمد الفكر الأبويّ الذي يصادر هذا الوجود إلى عبارات أبويّة تجعل من وجود الذّكر هو الأساس ومركز الكون، وأنّ الأنثى ليست سوى وجود لاحق تابع! وهو لذا يُلغيها من الفكر والعلم والثقافة والقيادة والخَلْق والحراك الاجتماعيّ وحقّها في صنع القرار! ويُبقيها تحت سلطته البطركيّة في البيت البطركيّ!
بأمل الوعي النّقديّ يتحقّق أمل الترقّي ويزدهر...

التعليق