هلال عدم الاستقرار السُني

تم نشره في الأربعاء 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً

براهما تشيلاني*

أبو ظبي- في حين يركز المراقبون الدوليون بشكل مَرَضي على الدور الذي تلعبه الخصومة السُنّية الشيعية في تشكيل المشهد الجيوسياسي في العالم الإسلامي، يتزايد وضوح الصدوع العميقة داخل الهلال السُنّي الذي يمتد من منطقة الساحل المغربي في شمال أفريقيا إلى الحزام الأفغاني الباكستاني. وعلاوة على ذلك، فإن المجتمعات السُنّية هي التي تنتج الجهاديين العابرين للحدود الوطنية، والذين أصبحوا يشكلون تهديداً قوياً للدول العلمانية الديمقراطية القريبة والبعيدة. ولكن، ما الذي يدفع بكل هذا القدر من التفتت والتطرف داخل صفوف الإسلام السُنّي، وكيف تمكن إدارته؟
إن أهمية التصدي لهذا السؤال بالغة وشديدة الوضوح. ذلك أن أكبر أعمال الإرهاب الدولي، بما في ذلك الهجمات على نيويورك وواشنطن العاصمة في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، وهجوم مومباي في العام 2008، كانت من تنفيذ منظمتين سُنّيتين وحشيتين عابرتين للحدود الوطنية (تنظيم القاعدة وتنظيم عسكر طيبة على التوالي).
إلى جانب ذلك، ما تزال الجماعة المتشددة المسلحة "بوكو حرام"، المعروفة دولياً باختطاف 276 تلميذة مدرسة في نيسان (أبريل) وإرغامهن على الزواج من أعضاء في الجماعة، ما تزال تعيث فساداً في نيجيريا منذ سنوات. ويسعى المتطرفون السُنّة المنتمون إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي كان صعوده المفاجئ مرتبطاً بأهوال لا توصف في العراق وسورية، إلى إقامة خلافة إسلامية بأي وسيلة.
الواقع أن تأثير هذه المنظمات بعيد المدى. ففي غضون الشهر الماضي فقط، نفذ أفراد ألهمتهم أنشطة هذه الجماعات هجومين منفصلين، الأول في البرلمان الكندي والثاني ضد ضابط شرطة في نيويورك.
تمثل الطائفية السياسية والقَبَلية في الشرق الأوسط السُنّي وشمال أفريقيا انعكاساً ودافعاً للمؤسسات السياسية الضعيفة في المنطقة، مع تحول سلسلة من الدول الفاشلة أو المشرفة على الفشل إلى مراكز للإرهاب العابر للحدود الوطنية. فليبيا التي يغيب عنها القانون، على سبيل المثال، أصبحت تصدر الآن الجهاد والأسلحة عبر منطقة الساحل وتقوض أمن بلدان المغرب العربي ومصر. والواقع أن العديد من البلدان السُنّية في غالبيتها -بما في ذلك سورية والعراق واليمن وليبيا والصومال وأفغانستان- أصبحت مقسمة بحكم الأمر الواقع، في ظل احتمال ضئيل لإعادة توحيدها في المستقبل القريب. وقد تكون الأردن أو لبنان هي الدولة التالية التي تخضع لعنف المتطرفين السُنّة.
لقد أكدت هذه الفتنة السُنّية على هشاشة كل البلدان العربية تقريباً، في حين أضعفت مركزية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. والآن، نرى نظام ما بعد الدولة العثمانية -الذي خلقه البريطانيون ببعض المساعدة من الفرنسيين بعد الحرب العالمية الأولى- وهو يتفكك، بينما لا يوجد له بديل صالح في الأفق.
تؤثر الطائفية التي تبتلي الحزام السُنّي حتى على الممالك النفطية المستقرة نسبياً في منطقة الخليج، حيث يعمل الانقسام داخل مجلس التعاون الخليجي على تحفيز توترات جديدة وعلى تعظيم المنافسة بالوكالة بين أعضاء المجلس. وترى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في الجهود التي تبذلها قطر لمساعدة الإسلاميين، مثل جماعة الإخوان المسلمين، تهديداً وجودياً، حتى رغم أن ثروات البلدين أسهمت في تغذية انتشار السلفية الجهادية وإيديولوجية القاعدة. وقد استدعت السعودية والإمارات ومعهما دولة البحرين سفراءها من قطر.
يتفاقم هذا التمزق بفعل الخلاف بين اثنتين من القوى السُنّية الرئيسية في الشرق الأوسط، مصر وتركيا، واللتين توترت العلاقات بينهما في العام الماضي بعد إطاحة المؤسسة العسكرية المصرية بحكم جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تتمتع بدعم الرئيس التركي المؤيد للإسلاميين رجب طيب أردوغان. وقد استدعت مصر سفيرها من أنقرة وطردت السفير التركي من القاهرة. وفي أيلول (سبتمبر)، اتهمت وزارة الخارجية المصرية أردوغان بالسعي إلى "إثارة الفوضى" و"التحريض على الانقسامات في منطقة الشرق الأوسط من خلال دعمه لجماعات ومنظمات إرهابية".
هناك انقسام مماثل بين أفغانستان وباكستان حول تقديم الأخيرة المساعدات والملاذ للمتشددين المسلحين الأفغان -وهو الانقسام الذي لن يفضي إلا إلى تعميق هوة الخلافات عندما ينهي تحالف بلدان منظمة حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة عملياته القتالية في أفغانستان هذا العام. والواقع أن الدعم الباكستاني كان سبباً في إفراز تجليين لحركة طالبان: طالبان الأفغانية التي ترعاها المؤسسة العسكرية الباكستانية، وطالبان الباكستانية التي هي في واقع الأمر عدو للمؤسسة العسكرية الباكستانية. وقد رفضت الحكومات الأفغانية المتعاقبة الاعتراف بالحدود مع باكستان والمعروفة بخط ديوراند، وهو اختراع استعماري بريطاني أدى إلى انقسام التجمع السكاني الضخم من عرق البشتون.
تعمل هذه الصراعات على تحفيز عسكرة الدول السُنّية. فقد أقرت الإمارات العربية المتحدة وقطر بالفعل الخدمة العسكرية الإلزامية للذكور البالغين. وتدرس الكويت السير على خطى الأردن بإعادة تفعيل التجنيد الإلزامي، وهو النظام القائم بالفعل في أغلب الدول السُنّية (وإيران).
على هذه الخلفية، فإن الجهود الرامية إلى ترويض الخصومة بين السُنّة والشيعة (من خلال تحسين العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران على سبيل المثال) لا ينبغي أن تكون لها الأولوية، رغم أهميتها المؤكدة، على وضع استراتيجية لمعالجة الطائفية التي تبتلي الحزام السُنّي. ولا بد أن تتمحور هذه الاستراتيجية حول الفيدرالية.
ربما لو تبنت الصومال على سبيل المثال نظاماً فيدرالياً عندما نشأ الخلاف بين الشمال والجنوب، ما كانت لتتحول إلى دولة فاشلة. واليوم، من الممكن أن تسمح الفيدرالية بالإدارة المنظمة في البلدان السُنّية الرئيسية، حيث الدولة الموحدة غير عملية، ببساطة.
لكن المشكلة هي أن الفيدرالية أصبحت كلمة قذرة في أغلب البلدان السُنّية. وكان نشوء تهديدات جديدة سبباً في جعل بعض الحكومات، وأبرزها حكومة المملكة العربية السعودية، تعارض التغيير بشدة. ويبدو أن هذه البلدان لا تدرك أن تصدير الوهابية الممولة بأموال النفط -مصدر الجهادية السُنّية الحديثة- هو الذي طمس التقاليد الإسلامية الأكثر ليبرالية في أماكن أخرى وعمل على تغذية الإرهاب الدولي الذي يهدد الآن بالتهام رعاته.
إن الركود ليس استقراراً، بل هو على العكس من ذلك تماماً. ويعني الركود السائد في الهلال السُنّي اليوم الوقوع في حلقة مفرغة من التطرف متزايد التوسع، والنمو السكاني السريع، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم نُدرة المياه، والسخط الشعبي. وتصب الصدوع السياسية والطائفية القَبَلية والعِرقية الوقود على هذا المزيج المهلك من التقلبات والعنف.
الآن، حان الوقت لكي يدرك العالم السُنّي الحاجة إلى تبني النهج الفيدرالي في إدارة عدم الاستقرار والصراع الذي ابتلي به. وحتى الولايات المتحدة يتعين عليها أن تعيد النظر في سياستها الإقليمية، والتي اعتمدت لفترة طويلة على التحالفات مع الحكام السُنّة المستبدين. وفي منطقة دمرتها الصراعات، لم يعد الركون إلى العمل المعتاد بالخيار الوارد على الإطلاق.

*أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسة في نيودلهي.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق