هبوط "الصقر": الصعود الإشكالي للأمن الخاص في مصر

تم نشره في الثلاثاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • رجل أمن من شركة "فالكون" الأمنية الخاصة يفتش طالباً على بوابة جامعة مصرية - (أرشيفية)

أليساندرو أكورسي، وجيوفاني بيازيس – (ميدل إيست آي) 13/11/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قبل أيام قليلة من بدء العام الأكاديمي يوم 11 تشرين الأول (أكتوبر)، تعاقدت وزارة التربية والتعليم مع شركة أمنية مصرية كبرى، "فالكون غروب"، لتأمين بوابات 15 جامعة عامة في عموم البلد، وحرم الجامعة الإسلامية البارزة في القاهرة، الأزهر.
في حين تمكنت قوات الأمن من قمع احتجاجات الشارع منذ أطاح الجيش بالرئيس السابق، محمد مرسي، في تموز (يوليو) من العام الماضي وما تبع ذلك من حملة ثقيلة على الحريات، أصبحت الاحتجاجات الطلابية من بين آخر معاقل المعارضة. وقد دفع المحتجون ثمناً باهظاً. ووفقاً لقرار محكمة في العام 2010، فإنه لا يسمح لقوات الشرطة بدخول حرم إلا في حال وجود جريمة. ومع تطبيق قانون التظاهر المثير للجدل في العام الماضي، أصبحت المظاهرات في حد ذاتها غير قانونية ما لم تقرها الشرطة. ولذلك، قامت قوات الشرطة باقتحام الحرم الجامعي عندما اندلعت احتجاجات الطلبة في العام الماضي.
مع بزوغ فجر العام الأكاديمي الجديد، ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي استولى على دفة السلطة في البلاد بعد أن قاد عملية الإطاحة بالرئيس السابق (محمد) مرسي، كما ووجه رئيس الوزراء، ابراهيم محلب، بمأزق كيفية تفادي التصعيد في الاحتجاجات، كما يقول أحمد الزواوي، الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية الذي تديره الدولة.
البعض نظر إلى استئجار "فالكون" على أنه طريقة لنزع فتيل التوتر في الحرم الجامعي. فقد نصبت الشركة بوابات ألكترونية خلف قضبان فولاذية عند مداخل الحرم الجامعي، بالهدف المعلن لاحتواء العنف إذا تفجرت أعمال الشغب في داخل الجامعات.
لكن تلك الإجراءات لم تؤت ثمارها. وقد انفجرت الاحتجاجات وأعمال الشغب. ويقول البعض إن الشركة الأمنية فاقمت وضعاً متوتراً أصلاً. ففي الأسبوع الأول من الفصل الجديد، تم اعتقال 195 طالباً جامعياً على الأقل في عموم مصر، بسبب احتجاجهم على تواجد "فالكون". وعشية افتتاح العام الدراسي الجديد، داهمت قوات الشرطة المدججة بالأسلحة 250 منزلاً في عموم البلاد واعتقلت 71 طالباً. وقال الزواوي لـ"ميدل إيست آي": "لم يستطع السيسي الدفع بالشرطة أو استخدام الجيش مباشرة".
 وأضاف: "لكنه في الحقيقة جعل الأمور أسوأ لأن الطلبة ما يزالون ينظرون إلى "فالكون" على أنها متطفلة أو امتداد لقوات الشرطة".
يشتكي الطلبة المصريون من السلوك العدائي الذي ينتهجه حراس فالكون. وكتبت ريم خورشيد: "بينما كنت أدخل من بوابات جامعة القاهرة، كما كنت أفعل في العادة، أدركت أنها لن تعود طبيعية مرة أخرى. فقد مررت بإجراءات أمنية غير اعتيادية، وظننت أنني لن أمانع حتى باشر ضابط أمن بمخاطبتي بنبرة عدائية غير مبررة".
وفي تقريرها، قالت خورشيد إنه رغم التواجد الأمني المكثف، فإنها لم تشعر بالأمان. وأضافت: "إننا نجلس في داخل فصولنا الدراسية وأصابعنا متشابكة، على أمل أن لا يحدث شيء مرعب في الخارج... في النهاية ثمة العديد جداً من الحرس الأمني وأفراد فالكون، لكن الطلبة نادراً ما يشعرون بالأمان. وكلنا يعرف أن هذا ليس ما يجب أن تكون عليه البيئة الأكاديمية".
وكانت حالات التوتر بين الطلبة والحكومة قد تصاعدت بعد مقتل 16 من الطلبة على الأقل في الحرم الجامعي في العام الماضي. ووفق الزواوي، كان حراس فالكون الأمنيون غير قادرين على نزع فتيل التوتر هذا العام "لأنهم لا يتمتعون بالمهارة أو التدريب بما فيه الكفاية، ولأنهم وُضعوا لتأمين البوابات، لكنهم لا يضبطون ما يجري خارج الجامعات أو في داخلها، ولذلك يظلون عديمي الفائدة بطريقة تبعث على الشفقة".
صعود الأمن الخاص المصري
كانت مؤسسة "فالكون" الأمنية قد تأسست في العام 1974، وفي قائمة عملائها عدد من المنظمات والشركات الدولية والمحلية الرئيسية. وتضم قائمتها الأمم المتحدة والبنك الدولي وبنك "أتش.أس.بي.سي" وبنك مصر المركزي وشركتي "كوكا كولا" و"بريتيش بتروليوم" وغيرها.
ووفق أحمد إمام، رئيس الفرع المصري لشركة سيكيوريتاس الأمنية السويدية متعددة الجنسيات، فإن "العديد من الشركات الأمنية الخاصة ما تزال تعتمد على قوى عاملة رخيصة وسيئة التدريب بدلاً من التركيز على التدريب أو التكنولوجيا".
وكان قطاع الأمن الخاص قد نما بوتيرة سريعة في أعقاب الفجوة التي تركتها قوة الشرطة الرسمية المتقهقرة التي لم تكن قادرة على توفير الأمن، أو غير راغبة في ذلك بعد انتفاضة العام 2011. وقال إمام: "لأول مرة جاء المواطنون إلينا ليطلبوا خدماتنا.. بدأ الناس في الشعور بعدم الأمان وأصبحت وظيفتنا أسهل نظراً لأنه لم يعد يترتب علينا أن نشرح لماذا يحتاجون إلى خدماتنا".
ورغم هذا الصعود، ليس هناك إطار عمل قانوني محدد يحكم هذا القطاع. والبدء في إنشاء شركة أمنية جديدة، حسب الفهم الشائع، هو عملية سهلة في مصر، والتي تستغرق بضع ساعات وحسب، تماماً مثلما تحتاجه لتسجيل كيان تجاري.
وفي ظل إدارة مرسي، كان ثمة حديث عن وضع قانون لتنظيم هذا القطاع، وهو شيء تقوم الشركات نفسها بحملة من أجل إقراره. وقال كريم النارة، الباحث القانوني لدى المبادرة المصرية من أجل الحقوق الشخصية، وهي المنظمة غير الحكومية المتمركزة في القاهرة، "إن طرح قانون جديد ينظم (هذه الشركات) سيضفي الشرعية على حالة موجودة أصلاً كأمر واقع ويطبع الوضع... ومن شأن ذلك أن يفضي إلى مزيد من التوسع في حجم عملها".
حتى الآن، يبقى من غير الواضح السبب والكيفية التي تم بهما اختيار "فالكون" من بين كل الشركات الأخرى للقيام بهذه المهمة الحساسة لتأمين الجامعات. وتجدر ملاحظة أن وزارة التعليم لم تطرح عطاء لعقد أو تقوم باستشارة شركات أمنية أخرى على ما يبدو. وفي الأثناء، امتنعت وزارة التعليم، شأنها شأن فالكون، عن إعطاء أي معلومات بهذا الخصوص.
ثمة منفذ إعلامي مصري ادعى، كما فعل إمام، بأن هناك "علاقة خاصة" بين السيسي ونجيب سويريس، الثري الموالي للحكومة، وبين "فالكون" ملمحاً إلى وجود صلات شخصية بين الرئيس وبين المدير التنفيذي للشركة، شريف خالد.
وكان خالد عميلاً سابقاً للمخابرات العامة، والذي كان يدير الدائرة الأمنية في اتحاد الإذاعة والتلفزيون المملوكين للدولة، كما أورد موقع الأخبار "يناير" مستشهداً بجنرال الجيش السابق عادل سليمان. وكان سليمان قد ادعى أيضاً بأن ضباط شرطة وجيش ومخابرات متقاعدين يديرون الشركة. وكان السيسي قد اختار "فالكون" لتأمين المقر الرئيسي لحملته الرئاسية في وقت سابق هذا العام. ويقول إمام: "لا أعرف لماذا أرسي العقد عليهم، لكن فالكون توسعت وتمددت فجأة وعلى نحو كبير بعد انتخاب السيسي في حزيران (يونيو)".
وكانت فالكون قد تعاقدت مع وزارة الدفاع المصرية لتوفير الأمن خلال مباراة شديدة التوتر في كرة القدم بين مصر وتونس مؤخراً، والتي حضرها نحو 15000 متفرج. ووفق سليمان، الجنرال السابق، تدار معظم الشركات الأمنية من جانب جنرالات سابقين ومسؤولين رفيعي المستوى لهم صلات جيدة مع الحكومة ووزارة الداخلية التي تدير قوة الشرطة في مصر، وهي فكرة تجعل النشطاء السياسيين قلقين.
وقال النارة، الباحث لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: "إننا لا نريد المزيد من الناس مع أسلحتهم ومشاكل المسؤولية". وشدد على القول: "توجد لدينا أصلاً مشكلة في تحميل الشرطة المسؤولية وفيما يتعلق بتنفيذ القانون".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The Falcon has landed: the problematic rise of Egyptian private security

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق