ما الذي لا يفهمه أوباما عن سورية؟

تم نشره في الجمعة 5 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • محتجون سوريون يحرقون صوراً للرئيس بشار الأسد - (أرشيفية)

نوح بونسي -

(فورين بوليسي) 26/11/2014

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

من المرجح أن تؤول الاستراتيجية الأميركية الراهنة الرامية إلى تدمير "الدولة الإسلامية" إلى الفشل. وفي الحقيقة، تخاطر هذه الاستراتيجية بأن تحقق عكس أهدافها المقصودة منها على طول الخط؛ حيث يمكن أن تعمل على تعزيز القبول الذي يحظى به الجهاديون في سورية والعراق وأبعد منهما بكثير؛ بينما تترك الباب مفتوحاً أمام "الدولة الإسلامية" لمزيد من التمدد واجتياح مناطق جديدة.
يجري هذا في جزئه الأكبر لأن الولايات المتحدة استجابت حتى الآن لمشكلة "الدولة الإسلامية" بمعزل عن أخذ الحقائق الأخرى للنزاع العابر للحدود في سورية والعراق بعين الاعتبار. وما لم تعمد إدارة باراك أوباما إلى تبني منظور أوسع إطاراً، فإنها لن تكون قادرة على الاستجابة بفعالية للحالة المتدهورة هناك على أرض الواقع.
مع ذلك، تفيد الأخبار الجيدة بأن البيت الأبيض ما يزال يستطيع تغيير المسار -وفي الحقيقة، يقال إن الرئيس أوباما طلب إجراء مراجعة شاملة لاستراتيجية إدارته المتعلقة بالأزمة السورية. وفي إطار وضع نهج للمضي قدماً، يحتاج البيت الأبيض إلى فهم ثلاث نقاط عن "الدولة الإسلامية" وعن المشهد العسكري الذي تعمل من خلاله.
التوسع في المناطق شأن أساسي لمستقبل الدولة الإسلامية، وأفضل فرصة متوفرة لذلك هي في سورية.
يشكل استعراض الزخم عاملاً حاسماً بالنسبة لقدرة المجموعة الجهادية على ضم مجندين وداعمين جدد. وفي جو من الاستقطاب الطائفي، وفي غمرة غضبة سنية معمقة بسبب استخدام العنف العشوائي من جانب الحكومتين السورية والعراقية والميليشيات المتحالفة معهما، ما يزال الأصل الرئيسي للدولة الإسلامية هو قدرتها على تسجيل سلسلة انتصارات مجلجلة، والتي يكون وقعها مدوياً. وتعرض مكاسبها المناطقية، في الأثناء، القوة على نحو يتناقض بشدة مع منافسيها السنة، مثل الشخصيات السياسية السنية سيئة الطالع في بغداد ومعارضة الاتجاه السائد المسلحة في سورية. كما يوفر الزخم في ساحة القتال للدولة الإسلامية هالة براقة لتسويق ما يشكل في نهاية المطاف إنتاجها المألوف وغير المقبول: حكم سلطوي لحزب مفرد مفروض بالقوة الوحشية والشرطة السرية.
وكان "خليفة" الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي، قد قال في آخر شريط صوتي له: "أيها المسلمون، كونوا متيقنين أن دولتكم جيدة وتتمتع بأفضل وضع". وأضاف: "ولن تتوقف مسيرتها وسوف تستمر في التوسع بإذن الله".
ورغم أن دعايتها تقول غير ذلك، فإن الدولة الإسلامية تعطي الأولوية على أرض الواقع للتمدد وتعزيز القوة في المناطق العربية السنية. وبالقدر الذي تحاول معه الاستيلاء على أرض وموارد من الحكومة والقوات الكردية، فإنها تفعل ذلك على هوامش منطقتهم أو في مناطق منعزلة -مثل بلدة كوباني السورية الشمالية- والتي تكون هشة بشكل خاص.
لدى الدولة الإسلامية محفز لقطف الثمار الدانية القريبة، لكن لديها المزيد لكسبه من الاستيلاء على مناطق عربية سنية. ففي كل تقدم تحرزه في هذه المناطق، لا يسهم تقدمها وحسب في زيادة زخم المجموعة المحسوس، لكنه يأتي أيضاً على حساب المنافسين السنة المحليين. ويشكل هذا أمراً حاسماً، لأن القوات المحلية تتوافر على أفضل سجل لإلحاق الهزيمة بالتنظيم في المناطق العربية السنية في العراق وسورية. وتجدر الإشارة إلى أن القبائل السنية العربية والمتمردين كانوا قد اجتثوا المجموعة –التي كانت تعرف آنذاك بالقاعدة في العراق- بمساعدة أميركية في العامين 2007 و2008، كما أن المجموعات الثائرة طردتها من مدينة حلب ومن الكثير من مناطق شمال غربي سورية في أوائل العام 2014.
إذا كانت الدولة الإسلامية قادرة على تحييد هؤلاء المنافسين وتأسيس احتكار على المقاومة السنية للحكومة المكروهة وقوات الميليشيات، فإنها ستضمن وجودها في المستقبل المنظور. وقد أنجزت أصلاً من الناحية الفعلية هذا الشيء في العراق، وهي تأمل بفعل الشيء نفسه في سورية حالياً.
بالنسبة للدولة الإسلامية، فإن أكثر هدف قيم للتمدد في سورية والعراق يبدو أنه الريف السوري إلى الشمال من حلب. وتسيطر فصائل ثوار الاتجاه السائد على المنطقة، كما يجدر التنويه، لكنها متمددة على نحو مبالغ فيه فيما هي تحاول اصطياد الدولة الاسلامية بالقرب من بلدة ماريا، وتقاتل بشكل متزامن لمنع النظام من محاصرة قواتها في داخل مدينة حلب على بعد 15 ميلاً إلى الجنوب. فإذا صعّد الجهاديون هجومهم على ماريا في المستقبل القريب، فستكون قوات الثوار التي تكافح أصلاً لتبطئ تقدم قوات النظام في حلب غير قادرة على منع تحقيق مكاسب كبيرة وذات مغزى للدولة الإسلامية.
في الأثناء، يتهدد الخطر في ريف حلب الشمالي منطقة الحدود الاستراتيجية الواقعة في قلب الأرض الأم للمعارضة. فإذا استولت الدولة الإسلامية على المنطقة، فإنها ستسيطر على خط إمداد رئيسي من تركيا، وستحصل على موطئ قدم تتمدد من خلاله أكثر باتجاه الغرب. وبالنسبة لقوات الثورة من الاتجاه السائد، ستكون الخسارة البشرية واللوجستية والنفسية كارثية.
وفي هذا السياق، تتعارض المقاربة الأميركية الراهنة التي تعطي الأولوية لميدان المعركة العراقي بينما يتم تأجيل اتخاذ قرارات صعبة حول سورية، مع الديناميكيات الجارية على أرض الواقع.
الأزمتان التوأمان للدولة الإسلامية والنظام السوري متصلتان على نحو يتعذر الخلاص منه.
يقر المسؤولون الأميركيون علانية بأن سلوك النظام السوري -في الحقيقة طبيعته المحضة- يشكل عاملاً رئيسياً في صعود الجهاديين، وبأن قوات الرئيس السوري بشار الأسد تستمر في قتل المزيد من المدنيين السوريين (والثوار) أكثر مما تفعل الدولة الإسلامية. كما أنهم يدركون أن دور الثوار في الاتجاه السائد سيتمثل بشكل أساسي في قلب موازين مكاسب الجهاديين. لكننا من الناحية العملية، نجد أن السياسة الأميركية تشجع دمشق وتقوض نفس الثوار الذين من المفترض ظاهريا أن تدعمهم.
لقد مكنت ضربات الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة النظام من إعادة تخصيص الأصول لمواجهة ثوار الاتجاه السائد الذين تبقى هزيمتهم هي الأولوية الأولى للنظام. ومنذ بدأت الضربات الجوية ضد الدولة الإسلامية، كسبت قوات النظام أرضية ضد ثوار الاتجاه السائد في جبهات رئيسية في محافظة حمص وفي مدينة حلب. وفي حالة الأخيرة، فعلوا الشيء نفسه ضد المجموعات الثائرة نفسها التي تواجه الدولة الإسلامية في الريف الشمالي المجاور.
إلى ذلك، أفضى استهداف الحملة الجوية التي تشنها واشنطن إلى مزيد من ضبابية الخطوط بين الاستراتيجيات العسكرية للولايات المتحدة والنظام. وبدلاً من المحافظة على تركيز مفرد ينصب على ضرب أهداف الدولة الإسلامية في شرقي سورية، ضربت الولايات المتحدة "جبهة النصرة" التي تعد تابعة لتنظيم القاعدة، والتي أكسبها دورها في مقاتلة النظام والدولة الإسلامية مصداقية لدى قاعدة المعارضة إلى الغرب من حلب. في إحدى المرات، يبدو أن الولايات المتحدة ضربت مجموعة أحرار الشام؛ المجموعة السلفية التي عدلت خطابها السياسي على نحو كبير في الشهور الأخيرة، والتي ينظر إليها على أنها مكون سوري محلي موثوق (رغم خطها المتشدد) في الثورة. وكانت ادعاءات واشنطن بأن هذه الضربات استهدفت أعضاء من خلية "خراسان" السرية، والتي كانت تخطط لشن هجمات ضد الولايات المتحدة أو أوروبا، غير مقنعة بالنسبة للثوار -على الأقل لأن واشنطن لم تذكر "خراسان" علناً على الإطلاق حتى الأسبوع الذي سبق الجولة الأولى من الضربات الجوية.
من شأن مثل هذه الضربات أن تقوي ادعاءات الجهاديين بأن الحملة الأميركية تستهدف وبهدوء تعزيز الأسد، بينما تقوم بإضعاف طائفة من القوى الإسلامية، وهكذا تكون ضربات لها مغزاها الموجه ضد مصداقية هؤلاء الثوار الراغبين في مشاركة الولايات المتحدة. وبالنسبة لقائد ثائر يسعى لإقناع مقاتليه بأن التعاون مع واشنطن يصب في أفضل مصالح الثورة، فإن الضربات الأميركية التي تتجاهل نظام الأسد بينما تضرب أحرار الشام، ستكون صعبة جداً على التفسير. وحتى الافتراض بأن "خراسان" تشكل تهديداً يبرر اتخاذ عمل عاجل، إنما يحتم على واشنطن وجوب حساب وزن الخسائر المباشرة التي يتكبدها الجهاديون جراء الضربات، في مقابل مزايا التجنيد التي يستقونها من وراء ارتفاع مشاعر الاشمئزاز من طريقة الولايات المتحدة في صفوف عامة الثوار.
في الأثناء، تواجه واشنطن أيضاً مشكلة عملياتية أكثر جوهرية: كيف لها أن تأمل في تقوية الثوار المعتدلين في شمالي سورية إذا استمر النظام في سوقهم نحو شفا الهزيمة؟ سوف يثبت ذلك الجزء من سياسة البيت الأبيض المصمم علناً لتقوية هذه القوات -برنامج بقيمة 500 مليون دولار لتدريب وتجهيز 5000 مقاتل على مدار عام- أنه ضئيل جداً ومتأخر جداً لتمكينهم من الاحتفاظ بمناطقهم ضد التصعيد المتوقع من جانب "الدولة الإسلامية" وجهود "جبهة النصرة" المتواصلة لبسط سيطرتها في داخل مناطق الثوار، والحملات المستمرة التي ينفذها النظام.
من أجل أن يساعد "التجميد"، فإنه يجب أن يكون مختلفاً أساساً عن "وقف إطلاق النار".
ينافح مبعوث الأمم المتحدة الخاص، ستيفان دي مينيستورا، عن فكرة "تجميد القتال" في المعركة المحورية بين النظام وقوات المعارضة في حلب. ويكمن الهدف في التخفيف من وطأة الكارثة الإنسانية القائمة في المدينة الشمالية، والسماح لكل المجموعات بتركيز مواردها على مقاتلة "الدولة الإسلامية".
يعد استخدام دي مينستورا كلمة "تجميد" بدلاً من "وقف إطلاق نار" مهماً بشكل خاص. فلطالما لم تثبت حالات وقف إطلاق النار في سورية، فقد استغلها النظام كعمود لاستراتيجيته؛ حيث أبرم هذه الاتفاقيات مع الثوار من أجل ترسيخ انتصار عسكري أو لسحب الموارد في منطقة بغية تحويلها لجبهة أخرى. وقد ضمن تفوق النظام الكبير في قوة النيران ميل كفة الميزان بقوة لصالحه -كما أنه غالباً ما استخدم انتهاكات فظيعة للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك حالات الحصار والقصف العشوائي، من أجل تحقيق أهدافه. وهكذا، نجد أن حالات وقف إطلاق النار لم تفض إلى خفض كلي في مستوى العنف على المستوى الوطني، أو في تخفيف حالات المعاناة المشروعة التي أثبتت المجموعات الجهادية بأنها تستغلها أيما استغلال.
يمكن للتجميد في حلب إنقاذ أرواح، ويمكن لجهود المساعدة والإغاثة أن تعمل ضد الدولة الإسلامية، شريطة أن تحافظ على القدرة القتالية لمعارضة الاتجاه السائد. لكنه إذا أفضى إلى تعزيز انتصار النظام هناك أو مكّن دمشق من إعادة نشر مواردها ضد ثوار الاتجاه السائد في مكان آخر، فإنه سيصب في فائدة الدولة الإسلامية. وإلى الحد الذي يكون فيه النظام قادراً على كسب أرضية من ثوار الاتجاه السائد، سواء بالقوة أو عن طريق هدنة، فإنه يطهر المنافسين السنة ويزيحهم من الطريق الجهادي.
وفي الأثناء، يتميز موقف النظام من حول حلب بأنه قوي جداً، وعلى ضوء نجاحه في قطع آخر خط إمدادات للثوار في المدينة، فإن لديه راهناً القليل من المحفز للتوصل إلى صفقة من شأنها ترك القدرة القتالية للثوار من دون أن تمس. وتفضل دمشق كثيراً توجيه ضربة قاصمة لمعارضة الاتجاه السائد في حلب، ما يفضي إلى إعاقة الشركاء المحتملين للغرب، ويترك النظام ليكون هو السور الواقي المفترض الوحيد في وجه الجهاديين. ويدرك الثوار هذا الأمر. وفي ضوء خبرتهم السلبية مع حالات وقف إطلاق النار في أمكنة أخرى، فحتى أولئك الذين يؤيدون التوصل إلى تجميد من غير المرجح أن يستثمروا في رأسمال سياسي عبر إقناع المتشككين بين ظهرانيهم ما لم يروا مسوغاً جديداً للأمل في إبرام صفقة نزيهة.
هكذا يتضح صلب المأزق الأميركي في سورية: سوف يتطلب إضعاف المجموعات الجهادية تمكين البدائل السنية في الاتجاه السائد. لكن فعل ذلك قد يثبت أنه مستحيل ما لم تقتنع دمشق (أو داعموها في طهران) أو تجبر على تغيير استراتيجيتها بشكل درامي. لكن النظام يعامل المعارضة الغربية والعربية أو تلك المدعومة من جانب تركيا حتى الآن، باعتبار أنها التهديد الرئيسي الموجه ضد هيمنته في سورية، بينما يعامل الدولة الإسلامية كمصدر قلق ثانٍ، والذي تساعد الولايات المتحدة أصلاً في التعامل معه. إلى ذلك، لم تقدم إيران على فعل أي شيء للإشارة إلى أنها تعترض على استراتيجية النظام: لا بل نجدها تمكنه.
الخلاصة هي أن دمشق وطهران تبدوان وأنهما تعتقدان بأن تحقيق النظام للنصر هو ببساطة مسألة تكمن في الحفاظ على المسار الراهن للنزاع. ومع ذلك، فإن وجهة النظر هذه تظل قصيرة المدى، وسوف تفرز دعاية تجنيد غير مسبوقة للمجموعات الجهادية. لكنه إذا أرادت واشنطن منع حدوث هذا الشيء -وعدم وضع حد لدورة عنف الصراع الذي ستكرسه- فإنه يجب عليها موازنة استراتيجيتها الخاصة بالعراق وبسورية على نحو أفضل، وإعادة تصفية تكتيكات ضرباتها الجوية، وإيجاد طرق لتغيير حساباتها في دمشق وطهران.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: What Obama Doesn't Understand About Syria

التعليق