صرخة

تم نشره في الجمعة 12 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

هي صرخة لأجل مجموعة من الذين جاؤوا إلى الأردن طلبا للعلم الشرعي على وجه التحديد، وهم أمانة في أعناقنا جميعا. جاؤوا من ماليزيا خصوصا حيث العدد الأكبر من المسلمين، ومن الصين وتايلاند وتركيا وبروناي وأفريقيا وبلغاريا ورومانيا والبوسنة وألبانيا وغيرها من الأقطار، إضافة إلى بعض الدول العربية، كالسعودية والكويت وليبيا والجزائر وسورية. ولا يعني حصر الصرخة من أجل هؤلاء الذين يدرسون العلم الشرعي فقط، ولا إغفال حال كثيرين من طلبة الأردن نفسه؛ فهي صرخة من أجل طلبة العلم عموما، وضيوف الأردن خصوصا، مجالها حسن المعاملة وطيب الأخلاق، قبل أن يذهب الفكر إلى الجانب المادي. فما نحن بحاجته كمسلمين من الأخلاق، أهم وأعظم رغم ضيق الحاجة في الشأن المادي.
أكتب عن هذا الموضوع لأن الأمر أصبح خطيرا في شأن معاملتنا لغير الأردنيين وغير العرب عموما. وهي أمور طارئة على أخلاق مجتمعنا وعاداتنا النبيلة. وقد أحسست برهبة الموضوع قبل يومين، حين انتهى طالب ماجستير من عرض تقديمه عن صراع الفرق الإسلامية، ضمن مادة قضايا إسلامية معاصرة باللغة الإنجليزية، وبعد الحوار سأل سؤالا غريبا وجهه لنا نحن الأردنيين: كيف تنظرون إلينا نحن من بروناي وماليزيا؟ فأجبته ابتداء بميزان التفاضل في ديننا، إذ يقول الله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". وأجابه بعض الطلبة بأن الأمر موضع احترام. لكن الشاب عبّر بحزن عميق عما بداخله من الألم، حين قال إنه في "سوبرماركت" حيث يسكن، طلب منه موظف أن ينظف أرضية المحل. وبغض النظر عن قصد ذلك الموظف، فقد أجبت الطالب أن هذا تصرف فردي، وأخلاقنا غير ذلك، وربما لأن عددا كبيرا من العاملات في البيوت من أندونيسيا، فقد جال في باله شيء آخر. لكن الشاب بقي حزينا. وهنا تذكرت معاناة آخرين، فسردتها عليه كي أخفف الأمر، فليس الموضوع مرتبطا بكم من ماليزيا وبروناي، بل مع العرب أيضا.
تذكرت أحد طلبة الدكتوراة ممن أدرّسه في الجامعة، وهو من دولة خليجية، وكيف يعلق عليه بعض الطلبة بأنه "داعش"، مع صراخ يدل على قلة الأدب والاحترام. وتذكرت معاناة بعض الطلبة الأفارقة، وهم بسبب فقرهم يسكنون في أحياء فقيرة، لكن مصيبتهم في سوء معاملة الناس لهم، وبالذات مع الصبية الذين يرمونهم بالحجارة أحيانا. وما إن كتبت هذا المعنى على شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، حتى توالت التعليقات لتفاجئني بمعاناة عدد كبير في جامعات أخرى، منها اليرموك ومؤتة وجرش وآل البيت. تُرى، ماذا جرى لأخلاقنا؟!
وحتى لا تبقى الصورة سلبية، فلا بد من ذكر الصور المشرقة. ففي زيارتي الأخيرة لماليزيا، رافقني طالب تخرج في جامعة مؤتة، وقص عليّ كيف عانى من الفقر. وحين وضعت زوجته وليدها في المستشفى، قام الأساتذة في الجامعة بنجدته، وجمعوا له المال وزاروه وزوجته بعد الولادة، وقدموا هدية بمبلغ كبير لم يكن يتوقعه. وكذلك ما جرى لطالب أفريقي توفيت زوجته بعد أن فقدت وليدها في المستشفى، فتنازل المستشفى عن حصته، وجمع أساتذة كلية الشريعة مبلغا كبيرا سدوا من خلاله حاجته، وأعطوه الباقي. ولعل صورا كثيرة موجودة في مدننا العزيزة، حيث الجامعات التي نفخر بها، ونرجو أن تكون بصورة مشرقة دائما.
إن هؤلاء حين عودتهم يتبوأون مناصب عالية، ويعملون في قطاعات مهمة. ولنا الفخر في الأردن أن وجهة هؤلاء الرئيسة هي الأردن بشكل أساسي، خاصة بعد المشكلات التي تعصف بالمنطقة؛ فهم من دول كثيرة. وهذا فخر للأردن وجامعاته أن يكون قبلة هؤلاء، وهي مسؤولية علمية على أهل العلم، ومسؤولية اجتماعية أخلاقية على الجميع.
صرخة أوجهها للأساتذة بأن يكون لهؤلاء مزيد عناية واهتمام؛ فهم ضيوف وغرباء، وبعضهم فقراء، وهم أولا وأخيرا طلبة علم.
وصرخة أخرى لإدارات الجامعات أن يكون هناك مزيد اهتمام بهم، وتواصل مع المجتمع من أجل بذل كل السبل لرعايتهم والاطمئنان على أوضاعهم.
وصرخة للمجتمع نفسه أن نستعيد أخلاقنا وحسن معاملتنا لبعضنا من جهة، وللضيف الغريب من جهة أخرى؛ فلا أقل من الاحترام إن لم يكن الدعم المادي.
وصرخة للمؤسسات المالية والميسورين أن يتواصلوا مع الجهات المأمونة لدعم هؤلاء، وبعضهم من الفقراء، خاصة من أفريقيا، وبعضهم من ماليزيا والصين وتايلاند. ولا ننسى كثيرين من أبناء الأردن وبناته في شأن الفقر، والحال بئيس شديد، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قد يقول قائل: إن الأمور مستفحلة ومنتشرة ليس في هذا فقط، فهناك مستوى الجريمة على اختلاف أنواعها، وهناك الانتحار، وهناك ما يشغل الناس في الشؤون الكبرى، السياسية والاقتصادية، وهناك الفساد المنظم العريض. ولا ننكر هذا، فهو موجود. لكن لا يجوز بحال من الأحوال أن نتراجع في أخلاقنا الإنسانية العامة، ولا بأن ننتقل من أزمة إلى أخرى. وما بنا من سلبيات فهي من صنع أيدينا، ولا يجوز أن نقول إنها أمور صغيرة، فهذا بداية الانهيار.
أذكر أنه كان هناك عامل مصري في إحدى قرى الكرك، ويعمل في البلدية. وكان محبوبا من الجميع نتيجة لطبيعة عمله. وبقي سنوات طويلة ولم يرجع إلى بلده. وعندما توفي، كانت جنازته مهيبة، وكان العزاء أيضا مهيبا، شارك فيه أهل القرية كلهم، فهو واحد منهم. وأنا متأكد أن كثيرا من مدننا وقرانا حصل فيها الشيء نفسه. وهذا ما نريد أن نؤكد عليه، فهي أخوّتنا وأخلاقنا، والقاعدة هي أن نعامِل كما نحب أن نعامَل، ونتذكر أن أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم هم الأحسن أخلاقا.
عن أم الدرداء قالت: "قام أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي، حتى أصبح. قلت: يا أبا الدرداء، ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق؟ فقال: يا أم الدرداء، إن العبد المسلم يحسن خلقه، حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسيء خلقه، حتى يدخله سوء خلقه النار. والعبد المسلم يُغفر له وهو نائم. قلت: يا أبا الدرداء، كيف يُغفر له وهو نائم؟ قال: يقوم أخوه من الليل فيجتهد فيدعو الله عز وجل فيستجيب له، ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه".

*أكاديمي أردني

التعليق