الحبل السري بين التسوية السورية وأنابيب الغاز الروسية

تم نشره في الأحد 14 كانون الأول / ديسمبر 2014. 12:00 صباحاً
  • مقاتل سوري يوجه قذيفة إلى مواقع تنظيم "داعش" في مطار دير الزور أول من أمس. -(ا ف ب)

سليمان قبيلات

عمان- قطعا، هناك ارتباط وثيق بين خطة الموفد الأُممي ستيفان دي مستورا لإرساء الهدنة في حلب أولا، وبعث الحياة في أوردة مشروع غاز "ساوث ستريم"، وهو ما يتسق وتقديرات متطابقة لأروقة معنية تشي بأن خلاف موسكو مع الغرب حول أوكرانيا ومن ثم وقفها لمشروع الغاز العملاق "ساوث ستريم" لن يكون معيقا لإنجاز تسوية سورية.
لكن من يصدق أن الخلافات المستحكمة حول أوكرانيا ستنحى جانباً، إلا إذا كان ذلك في جملة تسويات وتمهيدات لاختراق جدار برلين الجديد بين "الشرق" والغرب"؟. ومن ذلك يلفت محللون إلى أن "بروكسل تنظر إلى جهود موسكو لجمع أطراف الصراع السوري، بصفتها مسارا "مكمّلا" لخطة دي ميستورا، الذي سيطلع وزراء الخارجية الأوروبيين، في بروكسل اليوم على حصيلة مباحثاته في دمشق ومع خصومها ومعارضيها.
المحللون لا يرصدون قلقا غربيا من تأثير مساعي موسكو على جهود المبعوث الدولي، لافتين إلى أن مسؤولا أوروبيا مطلعا اعتبر أن "هناك نوعاً من التكامل بين كل هذا العمل ومحاولة دفع الأمور في الاتجاه الصحيح".
ولفتوا إلى أن وزراء الخارجية الأوروبيين سيكونون مهتمين بالاستماع إلى نوع التنسيق الذي يقيمه دي ميستورا مع موسكو، فيما تسير جهود الطرفين على مسارين.
وإذ تتوخى جهود المبعوث الأممي العمل لإيقاف القتال أينما أمكن، بداية من حلب، والبناء على ذلك، تحاول روسيا العمل من فوق، عبر إيجاد تفاهم سياسي يقود إلى التأثير على الأرض.
ويرى المحللون أنه "ليس لدى الحلفاء الغربيين أي اعتراض على ما تقوم به الدبلوماسية الروسية"، لافتين إلى ان "موسكو تتبع نفس الأسلوب الذي ينتهجه الأوروبيون في الحديث إلى كل أطراف المعارضة".
في هذا السياق، بدا لافتا ما أعلنه مسؤول أوروبي، أخيرا في بروكسل، من أن ما تريده موسكو هو "إعطاء جنيف 1 قوة أكثر"، موضحا أن ما ينقص هو "إطار تطبيقي للتقدم به". وأكد وجود تواصل دائم مع الدبلوماسية الروسية. المسؤول إياه شدد على أن "الخلافات الروسية الغربية حول أوكرانيا لم توقف العمل المشترك على ملفات عدة"، معتبرا أن هناك عملا "بناء جدا" مع موسكو حول الملف النووي الإيراني وسورية".
لكن أين هو ظل الغاز الروسي بعد إعلان الرئيس فلاديمير بوتين الذي لم يهضمه الأوروبيون عن إيقاف مشروع "ساوث ستريم" الذي استغرق التحضير له سنوات لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا، عبر تفادي أوكرانيا تحديداً؟!
حيال ذلك، يقول المحللون إنهم رصدوا صدمة أوروبية بعد إعلان موسكو غير المتوقع عن وقف استكمال المشروع العملاق، خصوصا وان بروكسل قادت حملة ضغط على بعض الدول المستفيدة من "ساوث ستريم" لإيقاف مشاركتها فيه. وقالوا ان "ذلك حدث مرتين هذا العام مع بلغاريا، وتكرر مع دول أخرى، في حين مانعت دول أخرى مثل النمسا وهنغاريا". ولفتوا إلى أن جوزيه مانويل باروسو، الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، الذي غادر منصبه الشهر الماضي هو من أعلن أن هدفه هو قتل المشروع بجميع الطرق".
المحللون يرون أن "المأخذ المعلن أوروبيا يتمحور حول عدم توافق المشروع الروسي مع القوانين الأوروبية أو ما يُسمّى "الحزمة الثالثة للطاقة"، وهي توجيهات أوروبية صممت بعد البدء بـ"ساوث ستريم"، "لكسر احتكار" أي طرف لورقة الغاز في أوروبا. وتمنع هذه القوانين أن تجمع شركة "غاز بروم" الروسية بين الإنتاج وملكية مشاريع التصدير.
وفضلا عن كونها منتجة للغاز فإن "غاز بروم" تملك 50 في المائة من شبكة الأنابيب.
وقالوا ان "كل قمم الاتحاد الأوروبي وروسيا، في بروكسل وموسكو، شهدت جدلا بين باروسو وبوتين حول مَن منهما المصيب. كان الزعيم الروسي يهزّ رأسه مستاء، ويقول إنه لا يمكن تطبيق القوانين بأثر رجعي"، في إشارة إلى "الحزمة الثالثة للطاقة" التي تلت إطلاق "ساوث ستريم".
واعتبروا أن ما يقوله بوتين، نظراً للتعاقب الزمني، ليس عليه غبار. مشروع "ساوث ستريم" تم توقيع مذكرته الأولى، بين "غاز بروم" الروسية و"ايني" الإيطالية، في روما العام 2007. حينها لم يكن هناك أي وجود لقوانين أوروبية مانعة.
تتمسك بروكسل بأنه لا يمكن تنفيذ أي مشروع، حتى لو كان موقعاً في السابق، فطلبت من موسكو تغيير صيغة المشروع، لتتخلي "غاز بروم" عن حصص نقل الغاز، وهو ما واجه رفضا روسيا قاطعا.
المصدر الأوروبي لفت إلى أن باروسو كان يدرك تماماً أن هدف روسيا هو إخراج أوكرانيا تماماً من اللعبة، وتجريدها من ورقة نقل الغاز، التي استخدمتها لتسوية آخر نزاع لها مع روسيا. الأوروبيون هم أهم زبائن الغاز الروسي، لكن نصف وارداتهم منه تأتي عبر أوكرانيا. لذلك لم تصَب كييف بالرعب، حين قطعت روسيا الإمدادات عنها في حزيران (يونيو)، على خلفية التأخر في سداد فواتير متراكمة. كانت تعرف أن الأوروبيين سيضغطون على موسكو، لأن آخر ما يريدونه هو تكرار سيناريو العام 2009. حينها قطعت موسكو الغاز عن أوكرانيا، فأدّى ذلك إلى تعطّل إمدادات الغاز إلى أوروبا، التي تمرّ عبر شبكة الأنابيب نفسها، مدة أسبوعين في فصل شتاء بارد.
هاجس معارضي تجريد أوكرانيا من أوراق قوتها لم يكن خاطئاً، حسب محللين توقفوا عند المذكرة الأولية لمشروع بديل روسي مع تركيا، الهدف منه نقل 63 مليار متر مكعب وإيصالها إلى أوروبا. واعتبروا أنها تقريباً "الكمية نفسها التي كان مقرراً أن ينقلها "ساوث ستريم"، وهي نفسها التي تعبر أراضي الجار اللدود الآن لروسيا. لكن كل شيء لا يزال في مرحلته الأولى، ولا يمكن التنبؤ بالآتي".
واستنادا إلى مدير شركة "غاز بروم" الكسي ميلر فإنه حالما يبدأ ضخ الغاز إلى تركيا فإن ذلك سيعني "إلغاء" دور أوكرانيا كبلد عبور للغاز. هذا الإلغاء له أيضاً تكلفة اقتصادية كبيرة، نظراً للمنشآت الهائلة التي أقامتها كييف للنهوض بهذا الدور، ومنها كونها أكبر خزان للغاز في أوروبا.
وتوقف المحللون إزاء غياب الوزير المجري عن اجتماع اوروبي تنسيقي للرد على موسكو بعد إعلانها وقف "ساوث ستريم". وقالوا ان غياب المجر يؤكد شدة امتعاضها تجاه السياسة الأوروبية"، لافتين الى الجملة الشهيرة لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في انتقاد العقوبات على روسيا، حين وصف السلوك الأوروبي بأنه "كمن يجدع أنفه كي يغيظ خصمه".
وقالوا إن "مواقف بودابست المتريثة تجاه موسكو أغضبت بروكسل، وحتى واشنطن التي فرضت عقوبات على مجموعة شخصيات مقربة من أوربان. هكذا تكون المجر البلد الأوروبي الوحيد الذي يفرض عليه عقوبات كهذه من الحليف الأكبر".
المحللون يؤكدون أن "عين الأوروبيين مصوبة أيضاً على غاز البحر المتوسط، من ضمن بدائل التخلص من الهيمنة الروسية. هذا ما أعلنه وزراء السبعة زائد المفوضية. وقالوا إن اليونان وقبرص تدرسان إمكانية استقدام احتياطات الحوض الشرقي للمتوسط من "إسرائيل"، لكن مشاريع عملية لم تظهر بعد. وشددوا على ان هناك تركيزا أوروبيا أيضاً على أهمية إقامة منشآت لاستقبال الغاز المسال، كي يمكن استيراده بعد عقود من الاعتماد على الغاز الطبيعي فقط".
ويذهب المحللون إلى أن "إلغاء "ساوث ستريم" ليس أكيداً بعد. روسيا عزت ذلك للنهج "غير البناء" من المفوضية ولعوامل سياسية. ما ترك الأمور ضبابية أيضاً هو رد فعل ألمانيا، وإحدى شركاتها منخرطة في تنفيذ المشروع. رجل برلين القوي ونائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، زيغمار غابرييل قال إن الأولوية الآن لحل أزمة السياسة وبعدها يمكن العودة إلى التجارة والمشاريع. وقال زيغمار، وزير الصناعة والطاقة، حين جاء إلى بروكسل الثلاثاء الماضي، لحضور اجتماع مجلس وزراء الطاقة، إن قرار روسيا "ليس كارثة"، مشيراً إلى أن التوقف يعود لأزمة أوكرانيا، موضحاً أنه "يمكننا فقط أن نأمل أنه حالما يستقر الوضع، بين أوكرانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي، يمكننا العودة إلى مباحثات جديدة" حول المشروع.

التعليق