الهجرة والانقسام الطبقي الجديد

تم نشره في السبت 27 كانون الأول / ديسمبر 2014. 01:00 صباحاً
  • مهاجرون يحتجون على التمييز ضدهم في أميركا - (أرشيفية)

إيان بورما*

سنغافورة - في الفترة الأخيرة، حَذَّر وزير حكومة الظل البريطاني، بات مكفادين، أعضاء حزب العمل، ناصحاً إياهم بأنهم لا بد أن يحاولوا تحقيق الاستفادة القصوى من الاقتصاد العالمي، وأن يمتنعوا عن التعامل مع الهجرة وكأنها مرض. وعلى حد تعبيره: "بوسعكم أن تتغذوا على مظالم الناس أو يمكنكم أن تعطوا الناس الفرصة. وفي اعتقادي أن سياساتنا لا بد أن تدور حول إعطاء الناس الفرصة".
في عالم تهيمن عليه المظالم بصورة متزايدة -ضد المهاجرين أو المصرفيين أو المسلمين أو "النخب الليبرالية"، أو "البيروقراطيين الأوروبيين"، أو أنصار المذهب العالمي، أو أي شيء آخر قد يبدو أجنبياً غامضاً- أصبحت مثل هذه الكلمات الحكيمة نادرة، ويتعين على الزعماء في مختلف أنحاء العالم أن ينتبهوا إليها.
في الولايات المتحدة يهدد الجمهوريون، بدعم من الناشطين في حزب الشاي، بتعطيل الحكومة لأن الرئيس باراك أوباما عرض على المهاجرين غير الموثقين الذين عاشوا وعملوا في الولايات المتحدة لسنوات عديدة الفرصة لاكتساب الجنسية. ويريد حزب استقلال المملكة المتحدة فرض حظر لمدة خمس سنوات على الهجرة بغرض الإقامة الدائمة. وذات يوم، أذاع نائب رئيس وزراء روسيا، دميتري روجوزين، مقطع فيديو وَعَد فيه بتنظيف القمامة -يقصد العمال المهاجرين، وأغلبهم من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة- وإخراجها من موسكو.
حتى أن الهولنديين والدنماركيين، الذين اشتهروا ذات يوم بالتسامح الكبير، أصبحوا يصوتون بشكل متزايد لصالح الأحزاب التي تشجب آفة الهجرة. ويريد حزب الحرية الهولندي، الذي يحرص دوماً على التأكيد على حرية إهانة المسلمين، أن يحظر كل المساجد. أما في سنغافورة -الدولة التي ينحدر كل سكانها تقريباً من أصول مهاجرة- فتسعى الأحزاب الضئيلة التي تتعرض لمضايقات كثيرة إلى اكتساب المزيد من الثِقَل من خلال تملق المشاعر المناهضة للمهاجرين (وأغلبهم من الهند والصين) الذين يفترض أنهم يستولون على وظائف "المواطنين الأصليين".
ولكن، ما هي القواسم المشتركة التي قد تكون قائمة بين المتعصبين من حزب الشاي في أميركا، والشوفينيين في روسيا، والخائفين في هولندا والدنمرك، واليساريين في سنغافورة، والتي تحرك كل هذه المشاعر المناهضة للمهاجرين؟
لا شك أن مجرد تصور المرء أنه قد يخسر وظيفته في اقتصاد يمر بضائقة، هو أمر باعث على الهم الشديد. لكن من الواضح أن سبل معيشة أغلب الأميركيين من أنصار حزب الشاي من القرويين في منتصف العمر من ذوي البشرة البيضاء ليست مهددة من قِبَل المهاجرين المكسيكيين الفقراء. وحزب استقلال المملكة المتحدة يتمتع بالشعبية في بعض أجزاء إنجلترا التي لا يقيم فيها المهاجرون إلا نادراً. ولا يعيش العديد من أنصار حزب الحرية الهولندي بالقرب من أي مسجد من الأساس.
إن جذور المشاعر المناهضة للمهاجرين تمتد عائدة إلى الانقسام القديم بين اليمين واليسار. والشيء الوحيد المشترك بين أنصار حزب الشاي أو حزب استقلال المملكة المتحدة وبين الناخبين المنتمين إلى الطبقة العاملة، والذين يخشون حقاً خسارة وظائفهم لصالح أجانب من ذوي الأجور المنخفضة، هو الشعور بالقلق العميق إزاء احتمال تخلفهم عن الركب في عالم يتمتع بسهولة التنقل، والمنظمات فوق الوطنية، والشبكات العالمية.
على اليمين، ينقسم دعم الأحزاب المحافظة بين المصالح التجارية التي تستفيد من الهجرة أو المؤسسات فوق الوطنية، والمجموعات التي تشعر بالتهديد منها. ولهذا السبب، يخشى المحافظون البريطانيون حزب استقلال المملكة المتحدة كثيراً. والواقع أن زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة، نايجل فاراج، لا يهتم بالنمو الاقتصادي بقدر اهتمامه بملاحقة تصوره المتطرف للاستقلال الوطني.
وعلى اليسار، تنقسم الآراء بين هؤلاء الذين يعارضون العنصرية والتعصب في المقام الأول، وأولئك الذين يريدون حماية تشغيل العمالة ويظهرون "تضامنهم" مع ما تبقى من أهل الطبقة العاملة من المواطنين الأصليين.
من الخطأ أن نتجاهل القلق بشأن الهجرة باعتباره مجرد تعصب أو خوف من الاقتصاد الخاضع للعولمة بوصفه رجعية ببساطة. فالهويات الوطنية والدينية والثقافية (لعدم وجود كلمة أفضل) تتغير، وإن لم يكن ذلك بفعل الهجرة بقدر ما هو بفعل تطور الرأسمالية الخاضعة للعولمة.
في الاقتصاد العالمي الجديد، هناك رابحون وخاسرون واضحون. فالمتعلمون من النساء والرجال القادرون على التواصل بفعالية في سياقات دولية متباينة، يستفيدون. والأشخاص الذين يفتقرون إلى التعليم المطلوب أو الخبرة ـ-وهم كثيرون جداً- يعانون.
بعبارة أخرى، لم تعد الانقسامات الطبقية الجديدة قائمة بين الأثرياء والفقراء بقدر ما أصبحت قائمة بين النخب المتعلمة في المناطق الحَضَرية وأولئك القرويين الأقل منهم ثقافة ومرونة، وبكل ما تحمل الكلمة من معاني الأقل صلة. وليس من المهم كثيراً أن الزعماء السياسيين من أصل ريفي (وأنصارهم) ربما كانوا أكثر ثراءً من النخب الحَضَرية الممقوتة في بعض الأحيان. ذلك أنهم يشعرون دوماً بأن هناك من ينظر إليهم بنوع من التعالي.
ولذلك، فهم يشتركون في الشعور بالمرارة مع أولئك الذين يشعرون بالغربة في عالم يجدونه محيراً وبغيضاً.
يعشق الشعبويون من مثيري القلاقل تحريك مشاعر الاستياء هذه من خلال أحاديثهم الصاخبة حول الأجانب الذين يعملون في مقابل أجر زهيد -أو بلا أجر على الإطلاق. لكن النجاح النسبي الذي قد يحققه المنتمون إلى أقليات عِرقية أو المهاجرون هو الذي يثير أشد مشاعر القلق بين السكان الأصليين.
وهذا ما يفسر العداء الشعبي تجاه أوباما. إن الأميركيين يدركون أن أصحاب البشرة البيضاء سوف يتحولون إلى مجرد أقلية أخرى قبل أن يمر وقت وطويل، وأن أصحاب البشرة الملونة سوف يصلون إلى مواقع السلطة على نحو متزايد. وعند هذه النقطةـ لا يستطيع أنصار كل أحزاب الشاي وغيرهم من أمثالهم إلا أن يعلنوا: "نريد أن نستعيد بلادنا".
وهو مطلب مستحيل بطبيعة الحال. فبغير إطلاق العنان لعملية تطهير عرقي هائلة ودموية، مثل تلك التي شهدتها البوسنة، وإنما على نطاق قاري، لن يكون أمام الأميركيين وغيرهم خيار سوى التعود على الحياة في مجتمعات متزايدة التنوع.
على نحو مماثل، لم يعد من الممكن التراجع عن العولمة الاقتصادية. لكنه لا بد من تحسين التنظيمات. ذلك أن بعض الأشياء ما تزال تستحق الحماية. وهناك أسباب وجيهة لعدم ترك الثقافة، أو التعليم، أو أساليب الحياة، أو الوظائف عُرضة بشكل كامل للتدمير الخلّاق من قِبَل قوى السوق.
لقد حدد مكفادين بدقة الحل المركزي للتحديات التي تفرضها العولمة: "إعطاء الناس الأدوات الكفيلة بتمكينهم من جني ثمار العالم الخاضع للعولمة، وبالتالي جعل العالم المتصل يعمل على نحو أفضل لصالح الناس". والمشكلة هي أن من المرجح أن تلقى هذه الدعوة استجابة من جهة الأشخاص من ذوي التعليم الراقي، والذين ينتمون بالفعل إلى الطبقات المتميزة، وليس بين أولئك الذين يشعرون بأنهم محرومون في الاقتصاد العالمي اليوم. وهي مشكلة خطيرة تواجه الأحزاب السياسية على اليسار، والتي تبدو على نحو متزايد وكأنها تخاطب النخب الحَضَرية، في حين يحرص الشعبويون الريفيون على دفع المنتمين إلى التيار المحافظ التقليدي بعيداً إلى اليمين باستغلال مشاعر الاستياء الشعبي.

*أستاذ الديمقراطية، وحقوق الإنسان والصحافة في كلية بارد. وهو مؤلف العديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: مقتل ثيو فان غوخ" و"حدود التسامح".
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق