التشحيط والتخميس.. ليسا هواية فحسب!

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2015. 12:04 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 14 كانون الثاني / يناير 2015. 01:26 مـساءً

في بلدات مجاورة لعمان، تنشأ ساحات جديدة للتشحيط والتخميس والتربيع. وعلى شوارع مدننا الرئيسة، تفاجأ، من وقت لآخر، بمن يحول الشارع إلى ساحة لاستعراض قدرته على الدوران من أمامك بحركة بهلوانية، مثل التي تشاهدها في الألعاب الالكتروتية لأطفال اليوم، لتتوقف بعد أن تحبس أنفاسك، وتشكر الله على نجاتك من المغامرة التي لم تتوقع يوما أن تشهدها على طرقنا وشوارعنا العامة، وبين بيوت الأحياء الوادعة في كثير من مدننا هذه الأيام.
الظاهرة ليست محلية، ولا تقتصر على مجتمع أو بلدة أو طبقة او فئة عمرية بعينها؛ فالصغار يمارسونها من خلال الألعاب الالكترونية التي يعرفونها جيدا، بحيث أصبحوا يميزون السيارات المستخدمة فيها ومسمياتها وأنواعها وتفاصيلها على شوارع المدن الافتراضية التي يتسابقون فيها، وأسماء الأبطال وحركاتهم المميزة. واليافعون والمراهقون في المدارس والجامعات يشكلون غالبية الجمهور الذي يتابع هذه الحركات وينجذب لمشاهدتها. وحتى في بعض قرانا البعيدة، يمارس الشباب هواية التشحيط أو التفحيط، كما يحلو للبعض تسميتها، كلما أتيحت لهم الفرص وغابوا عن أنظار الأولياء والأوصياء، أو كلما أمنوا ملاحقة القائمين على إنفاذ القوانين.
في معظم مجتمعات الخليج العربي، أصبحت الظاهرة التي تأثرت بالوفرة الاقتصادية أكثر انتشارا وخطورة، وأخذت تُقلق الأهالي والمربين ورجال الشرطة على حد سواء. آلاف الشباب تستهويهم ممارسة القيادة التي أخرجت السيارات عن الوظائف التي وُجدت من أجلها، وفرضت على الصانعين تعديل خصائص بعضها لتناسب أذواق ومطالب الزبائن الجدد الذين أصبحوا يتبارون في اقتناء الأنواع التي يتماشى تصميمها مع حاجتهم للتعبير عن القوة والمهارة والتناغم بين صوت المحرك وحركة الهيكل ودوران العجلات.
على أطراف عمان، وفي البلدات المجاورة، هناك ساحات أوجدها البعض للتشحيط والتفحيط والتخميس والتربيع، يؤمها شباب استولت الهواية على قلوبهم وعقولهم. ويتوافد المتفرجون ليشهدوا المهارات التي أصبحت تخيفنا على الشوارع والطرقات.
وقبل أيام، شاهدت إحدى هذه الساحات التي أقيمت شمال العاصمة. وقد احتفى الأهالي والجمهور بوجودها لدرجة أنها أصبحت مكونا من مكونات البناء المؤسسي للبلدة الأردنية المحافظة ذات الطابع العشائري. عندها، ومن غير مقدمات، حضر إلى ذهني عالم الاجتماع الأميركي تالكوت بارسونز الذي انشغل لعقود في تفسير التغير الاجتماعي، وكيفية حصوله في المجتمعات الإنسانية، فاعتُبر رائدا من رواد علم الاجتماع في الولايات المتحده في بدايات القرن الماضي.
في نظريته التي فسر فيها كيفية تعامل البناء الاجتماعي القائم مع الظواهر الجديدة، وعمليات الانتقال من حالة الرفض إلى الحياد، فالتقبل، ومن ثم الاستيعاب والدمج للنمط السلوكي الجديد في الثقافة التي يظن أبناؤها أنها محافظة وجامدة، بيّن بارسونز أن التكنولوجيا والتنظيم والإنسان يتفاعلون على الدوام لخلق واقع جديد يتصف بالدينامية التي تجعله لا يختلف كثيرا عن الكائن الحي.
فقبل سنوات، كانت ظاهرة التشحيط والتخميس والتربيع تقابل بالرفض والاستنكار والتجريم. ومع مرور الزمن وسعة الانتشار، ودخولها في ألعاب الأطفال، وكثافة التعرض لها، وتصميم بعض أنواع المركبات لتلبية رغبات من يمارسونها، استجابت المجتمعات لهذه الظاهرة وخففت من الرفض والاستنكار إلى الدرجة التي جعلت بعض المجتمعات تفرد بناءات خاصة في فضائها العام لممارسة الأنشطة والهوايات التي كانت تدينها قبل سنوات.
خلال اجتياح العاصفة الثلجية الأخيرة لبلادنا، لم يتمالك بعض الشباب المولع بهواية التشحيط أنفسهم، مستفيدين من أوضاع الطرق وخلوها النسبي من المركبات، إذ رأوا في ذلك فرصة مناسبة لممارسة هواياتهم، فقرروا الخروج إلى الشوارع رغم كل التحذيرات؛ فكان أن أغلقوا الطرق وأعاقوا جهود المؤسسات والمتطوعين في الاستجابة للحاجات الطارئة، فأعادوا بذلك لفت انتباهنا إليهم.
منذ عقود والظاهرة تتسلل إلى ثقافتنا. ويوما بعد يوم، تتضاعف خسائرنا لفلذات الأكباد والأحبة. وبالرغم من أننا استمررنا في تجاهل الظاهرة وتسطيح أسبابها، وإحالة ما ينجم عنها من إزعاج إلى طيش الشباب، كما تسجيل المصائب المفجعة على حساب القضاء والقدر.. إلا أن هذه الظاهرة بقيت تلح علينا؛ فلم تجدَ حلولنا التي لم تتجاوز الخطب والمواعظ، ولم تخرج عن وضع الظاهرة في إطار الطيش واللهو والجهل. فقد بقي علم الاجتماع العربي "المحافظ" بعيدا عن تناولها والخوض في دوافعها ومبرراتها وتقنياتها، وأحجم عن تفسير المتعة التي تحققها القيادة الجنونية للشباب الذين انخرطوا في هذه الظاهرة، وأصبحت محورا من محاور تلاقي الشباب وأحاديثهم وعلاقاتهم.
الطاقة الهائلة التي يملكها الشباب ولا تجد منافذ مشروعة لها، والتنظيم المحافظ لمجتمعاتهم، والمناهج التي لا تستطيع محاكاة الفوارق الفردية، ورغبة الشباب في الإعلان عن تفردهم ورفضهم، واستعدادهم للمغامرة، هذه عناصر لا بد من شمولها في دراسات الظاهرة التي جرى حصرها في الإطار الأمني، وتجاهلنا حقيقة إلحاحها وحاجتها إلى استجابات غير التي نلجأ إليها كلما اشتد تأثيرها أو عانينا من اثارها. فالتشحيط والتخميس أكثر بكثير من شباب يدوسون على كوابح سياراتهم لتدور عجلاتها بسرعة تخيف السائقين وتبهر الناظرين.
قد يكون التشحيط في شوارعنا دعوة صارخة لمن احترفوا الوعظ والارشاد، واعتمدوا دفاتر المخالفات وأذون الحجز، لأن يتوقفوا طويلا عند مطالب وحاجات الجيل المتجددة من دون أن تتجدد أساليبنا. فالجيل الذي تربى على ألعاب الفضاء والخيال العلمي والرجل العنكبوت وجرائم المدن وسان أندروز.. وغيرها من ألعاب المغامرة والعنف والخيال، يطالبنا بأنشطة وأدوار جديدة قادرة على أن تستوعب طاقاته وخياله وطموحه، ومنسجمة مع ما زودته به التكنولوجيا من خيال ومعرفة ومتعة.
الشباب في مجتمعاتنا يعترضون على جمودنا ومحافظتنا ووعظنا الذي لا ينتهي، ومحاصرتنا لهم في قوالب ضيقة من التفكير والتعبير والسلوك التي أصبح هؤلاء الشباب يزدرونها ويمقتون تقديسنا لها.

*وزير سابق

التعليق