ماجد توبة

سؤال الحرية والرقص على حبال التطرف

تم نشره في الاثنين 19 كانون الثاني / يناير 2015. 01:05 صباحاً

ككرة الثلج، تكبر أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم (ص) على مستوى العالم، فيما يقرع جهلة ومضللون، ومتعصبون أيضا، على ضفتي العالم، غربه وشرقه، طبول حرب دينية، وصدام حضارات، يعم شررها وشرورها الجميع، من دون أدنى مسؤولية أو وعي بخطورة ما يجر إليه الشرق والغرب في هذه الحرب!
وإذا كان اقتحام الصحيفة الفرنسية التي أساءت لمشاعر المسلمين بمسها بالرسول الكريم، وقتل صحفييها، أمرا مرفوضا ومدانا بكل المقاييس، فإن اصرار الصحيفة، وبدعم أو تفهم من الحكومة الفرنسية وغيرها من حكومات غربية، على إعادة نشر الإساءات بدعوى حرية التعبير، من دون الالتفات إلى ما تبثه من كراهية واستفزاز لمشاعر أكثر من مليار مسلم حول العالم، لهو مدان ومرفوض أيضا، وفيه رعونة وتطرف باسم الحرية، لا يقل خطرا عن التطرف باسم الدين أو القومية.
ما جرى في نيجيريا أول من أمس من فظائع مدانة ومخزية، بعد حرق 7 كنائس ومهاجمة مرتاديها، على خلفية الاحتجاج على الرسوم المسيئة للرسول الكريم، يؤشر على أن تطرف ورعونة "الديمقراطيين" والمتمسحين بحرية التعبير، مهما كان شكله ومبتغاه، في فرنسا والغرب، لا يقل خطورة وتوليدا للعنف والجريمة عن إرهاب "داعش" وغيره من جماعات متطرفة، مسيحية ومسلمة ويهودية وهندوسية، منغلقة متحجرة، لا تعيش إلا في أجواء إذكاء الصراعات الدينية بين بني البشر، واغتيال الآخر، ورفض التعايش معه.
وكما يتحمل المحرضون ومدعو التدين والدفاع عن الإسلام في نيجيريا وغيرها، مسؤولية إطلاق العنف من عقاله، باتجاه دور العبادة للمسيحيين وحرقها وانتهاك حرماتها، بذريعة الرد على إساءة الصحيفة الفرنسية للإسلام، فإن هذه الصحيفة والنظام السياسي الفرنسي والغربي، الذي أيد إعادة نشر الرسوم المسيئة، يتحمل أيضا المسؤولية عن بث موجة الكراهية والعنف ضد المسيحيين، وإطلاق شر التطرف والعنف على أسس دينية من قمقمه، تماما كما يفعل "داعش" و"القاعدة" على الجانب الآخر من معادلة الشر هذه.
نؤمن أن حرية التعبير مقدسة، وأنها إحدى عناوين تقدم البشرية، والغرب تحديدا، وأنها قيمة إنسانية عظيمة، قد نكون نحن في هذا الشرق المنكوب، الأكثر تقديرا لافتقادها، والأكثر توقا لها. لكنها الحرية التي لا تسيء لمعتقدات الآخر، وتحديدا الدينية والثقافية؛ وهي الحرية المسؤولة التي تقدر وتلتزم بعدم بث روح الكراهية والإقصاء، أو التحريض على العنف.
ومن قال إن حرية التعبير والنشر متاحة على إطلاقها في الغرب؟! هل يمكن لصحيفة "تشارلي إيبدو" أو غيرها نشر رسم أو مادة صحفية تسخر من أصحاب البشرة السوداء مثلا، لأي سبب كان؟ ألا يعد ذلك تحريضا على العنصرية بحسب القوانين الغربية، وقبل ذلك القيم الإنسانية والضوابط المهنية الصحفية؟ وأيضا، ماذا لو نشرت صحيفة مقالا أو رسما يدعو الناس أو المواطنين في أي بلد، لأخذ القانون بيدهم، وقتل مجرم ما؛ ألا يعد ذلك بالمقاييس القانونية والمهنية الصحفية، خرقا للقانون وتحريضا على العنف؟!
بماذا اختلفت الصحيفة الفرنسية، بإعادة نشرها للرسوم المسيئة للمسلمين، عن تلك الأخبار التي تحرض على العنصرية ضد السود، أو تحرض على العنف، إن كانت النتيجة لمثل هذا النشر، مضمونة مسبقا، ومحذر منها، وهي إشاعة الكراهية بحق المسلمين ابتداء، ومن ثم تعزيز الصراع الديني الذي تنفخ به على الأرض تنظيمات مثل "داعش" و"القاعدة" وغيرهما؟!
الأخطر في هذه القضية، أن الرعونة وعدم تقدير العواقب من قبل هذه الصحيفة وغيرها، يؤديان في المحصلة، عند جهلة كثيرين، إلى الخلط بين المسيحية والمسيحيين، وبين هؤلاء المسيئين لرموز إسلامية، تماما كما يتم الخلط كثيرا أيضا بين تطرف "داعش" وبعض الجهلة وبين المسلمين والإسلام، ما يُدخل الجميع في حلقة مفرغة من الكراهية والإقصاء والعنف المتبادل.
ففي موجة الكراهية والتحريض المتبادل، لن يلتفت أحد، وللأسف، إلى أن 40 % من الفرنسيين عبروا عن رفضهم لإعادة نشر الصحيفة للرسوم المسيئة للرسول، كما تبين في استطلاع لمعهد "ايفوب" الفرنسي، ونشرت نتائجه أمس.
فصوت العقل يضيع بين صليل سيوف التحريض وقرع طبول الحرب!

التعليق