د.باسم الطويسي

"لا بد من صنعا وان طال السفر"

تم نشره في الأحد 25 كانون الثاني / يناير 2015. 01:06 صباحاً

مع سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء واستقالة الرئيس اليمني وحكومته باتت اليمن على ابواب حرب اهلية وفوضى مفتوحة الآفاق على احتمالات متعددة، بالنتيجة اوصل التدخل الاقليمي والدولي والارض الخصبة المحلية المفتقدة للمناعة اليمن الى دولة فاشلة بالمعنى العلمي للمفهوم مع غياب النظام والأمن وتفكك الحكومة المركزية وزوالها وانهيار الاقتصاد.
الصراع على السيطرة على صنعاء حسم لصالح الحوثيين ومن خلفهم ايران بطريقة درامية لم تكن ضمن دائرة الاحتمالات قبل عام من هذا الزمن، في المقابل يبدو ان دول الخليج والمحيط الاقليمي العربي خارج حسابات التأثير على الرغم من التسريبات والقراءات التي تربط بين صعود الحوثيين وتواطؤ من قبل الرئيس السابق وتحالفاته القبلية والامنية والاقتصادية، وما حدث يعني عمليا فشل حرب الولايات المتحدة على الارهاب في الجزيرة العربية والمتمثلة في الحرب على القاعدة المتركزة في اليمن منذ سنوات، تلك الحرب التي أدارتها الولايات المتحدة بطائرات بدون طيارين وهو فشل سبق الفشل الذي يلاحق مهمة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على "داعش" بطائرات بكامل عتادها.
ان السؤال المحير الذي يطرح على الحالة اليمنية ومثلها حالات اخرى من الانهيارات العربية يبدو في فقدان المناعة المجتمعية؛ اي ضعف المؤسسات والمجتمع وذوبانهما، وحالة الفوضى والانهيار وبطريقة محيرة وفاجعة بكل المعايير، متمثلة في انهيار الجيش وانهيار المؤسسات العامة وصولا الى انهيار الرئيس وحكومته. إن المشكلة الأساسية في هذا البلد هي مشكلة تنموية من الطراز الأول؛ وتأجيل منح التنمية الأولوية الأولى راكم الفشل في نواح متعددة، وأوجد المزيد من الأزمات السياسية التي أعاقت مسار بناء الدولة والتكامل والاندماج الاجتماعي والسياسي فيها، ما جعل الناس ينسون التنمية وحقهم في حياة كريمة ومعافاة، لينشغلوا بتقاسم السلاح والموت والدمار. إذ تُعتبر مؤشرات التنمية البشرية في اليمن من بين الأدنى على مستوى العالم، وذلك من حيث ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، وسوء تغذيتهم، وتفشي الأمية، وانخفاض معدلات الالتحاق بالمدارس، ولاسيما بين الفتيات. ويقع اليمن اليوم في ذيل قائمة دول العالم في مؤشر التنمية البشرية، فيحتل المرتبة 154 من أصل 187، وما يزال يعاني من مشاكل تقليدية؛ ممثلة في تخلف البنى الاجتماعية والاقتصادية، حيث تصل نسب الأمية نحو 65 %، وتزيد نسبة الفقر على 50 %. كما يعد اليمن مستودع البطالة في الشرق الأوسط، والتي تصل إلى 35 %.
وسط هذه الظروف المعقدة تحولت عملية الإصلاح السياسي الى مجرد ترقيع ومهدئات؛ فمشكلة الحوثيين لم  تكن قبل التدخلات الإقليمية أكثر من مطالب ديمقراطية وتنموية أساسية، حيث ينتمي الحوثيون إلى الزيدية التي حكمت شمال اليمن عدة قرون، فيما يصورهم الإعلام أحيانا وكأنهم جاؤوا من الفضاء. وقد بقي حكمهم سائدا إلى العام 1962، حينما سقطت الدولة الإمامية الزيدية. منذ ذلك الوقت، انكفأت الزيدية وهمش أتباعها. وازداد الأمر تعقيدا بعد العام 1990 الذي شهد توحيد اليمن. وازدادت الأمور سوءاً بالنسبة للزيدية مع انتشار المذهب السلفي في الأوساط اليمنية منذ التسعينيات. بالمحصلة، وفي هذه الظروف، نشأت جماعة "الشباب المؤمن" في العام 1992، والتي عرفت لاحقاً باسم زعيمها حسين بدر الدين الحوثي "جماعة الحوثي". وكانت مطالبها في البداية إخراج السلفيين من مناطقهم وإنصافهم من التهميش.
في المحصلة أيضا،. وهذا ما يعيدنا للتساؤل حول حجم الجماعات الدينية والعرقية في العالم العربي التي ترضخ لقوانين هيمنة الأغلبية، وكيف تؤول النتيجة اليوم إلى ما هي عليه الحال بمصير صنعاء.
 صنعاء المسافرة بعيدا عن ذاتها سيطول بها السفر وسط الخراب والفوضى اذا لم تعد الى ذاتها لبناء دولة لكل مواطنيها تعلو فيها المواطنة فوق الطوائف والجهات والقبائل، وعلى رأي شاعرها الكبير
عبد العزيز المقالح حتى وإن طال بها التبلد والخدر.

التعليق