الحلقة الثالثة من "سياسي يتذكر"

بدران: وفاة شيوعي دفع حكومة الرفاعي لإلغاء الأحكام العرفية

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015. 07:46 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 12 شباط / فبراير 2015. 02:06 مـساءً
  • النقيب مضر بدران وعدد من زملائه ضباط القوات المسلحة في الخمسينيات
  • رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران يتحدث لـ"الغد" ضمن سلسلة "سياسي يتذكر". (تصوير: محمد ابو غوش)
  • بدران بزيه الرسمي في الامن العام ملازما اول مطلع الخمسينيات
  • مضر بدران (الثاني من اليمين) مع زملاء دراسة له بجامعة دمشق
  • بدران بالزي العسكري مع زميل له

محمد خير الرواشدة

عمان- تواصل "الغد"، النبش في ذكريات رئيس الوزراء الأسبق، وعميد البيرقراطية الرسمية مضر بدران، وذلك من خلال رصد تأملاته السياسية في مرحلة الشباب بين الكرك ودمشق.
ويبدأ بدران اليوم، في الحلقة الثالثة من زاوية "سياسي يتذكر"، الحديث عن مرحلة دخوله إلى الأمن العام، برتبة ملازم أول، وانتقاله للعمل في الجيش العربي، مشاورا عدليا، بعد ضم الأمن العام مع القوات المسلحة، واول اشتباك له مع رئيس هيئة الأركان، في حينه، صادق الشرع.
وكان بدران تحدث في الحلقة الثانية امس عن اندماجه بالحركة الطلابية الشبابية في جامعة دمشق، ودورها في الإطاحة بحكومة أديب الشيشكلي، إبان فترة الحكم العسكري في سورية.
كما بين جانبا من مغامراته السياسية في الجامعة، بعد اندماجه بالمجتمع السوري، وانخراطه خلال أسبوع من جمع التبرعات لصالح تسليح الجيش السوري، ومشاركته في تنظيم أكبر وقفة شعبية في ساحة المرجة في دمشق، بعد لقاء بدران وعدد من زملائه بالرئيس السوري شكري القوتلي.
واليوم يصف بدران زيارته الأولى للقدس، مع وفد الكشافة المدرسية، في العام 1949، ومشاعر الطلبة التي اختلطت في تلك اللحظات، بعد النكبة الفلسطينية.
الزيارة جاءت بعد أن تأثر سكان محافظة الكرك، بالحرب مع إسرائيل، والاعتداء على مخفر غور الصافي، وتشييع جثامين الشهداء.
كما يذكر الرئيس بدران، في حلقة اليوم، جانبا من الحياة السياسية قبل سفره إلى دمشق، وبعد عودته منها، وكيف أن مجلس النواب تغير جذريا، من مجلس، مورس في انتخاباته التزوير المكشوف، ومجلس العام 1956 الذي انتخب وفق أكثر المعايير نزاهة.
وبدران، الذي تابع جلسات ذلك المجلس من شرفة النظارة، كان التحق في عمله ضابطا برتبة ملازم أول في الأمن العام، قبل أن يتم دمج الأمن العام مع القوات المسلحة، والتحاقه بعمله مشاورا عدليا. وتحدث حول كيف أفرج عن موقوفين سياسيين، مخالفا توجيهات رئيس هيئة الأركان.
وفيما يلي نص الحلقة الثالثة

* نغادر اليوم حديثنا عن سنوات دراستك الجامعية، وننهي بنشاطاتك خلال فترة تداعيات النكبة الفلسطينية، فأنت خرجت على تداعياتها من الكرك، وانخرطت بنشاطك السياسي في دمشق، أين حصة "النكبة" من نشاطك السياسي؟
-بدأت أخبار النكبة وتداعياتها تصلنا، وأنا أدرس الثانوية العامة في الكرك، وكان عمري 14 عاما، قسم من الحرب وقع في غور الصافي من جانبنا، وكنا نستقبل الشهداء في الكرك، بحكم القرب الجغرافي للحدث، والأخبار تصلنا تباعا عن الأحداث.
فقد اعتدى الإسرائيليون على مخفر غور الصافي، وقتلوا من كان فيه من ضباط وأفراد، واستقبلنا الخبر بحزن شديد وأسى بالغ، وصدمة وفجيعة.
كطلبة في المرحلة الثانوية، اندمجنا بأحداث النكبة، وكان التعليم بذاته، يعبئنا ضد العدو المحتل؛ وأذكر بأن أول فريق كشافة مدرسية وصل إلى القدس، بعد حرب 1948، كان وفدا من كشافة الكرك، فأستاذنا في الكشافة كان معلما نشيطا جدا، وهو من بيت العطار، أما مُلهمنا في التعبئة، فقد كان المعلم فضل الدلقموني، الذي مارس دورا تعبويا مهما مع الطلبة بعد حرب الـ48.
وذهبنا إلى القدس في العام 1949، وكان قائد منطقة القدس، هو المقدم عبدالله التل رحمه الله، وألقى علينا محاضرات مهمة، ثم أخذنا إلى أسوار القدس، وكان إطلاق النار بين الجيش العربي وبين الإسرائيليين فاعلا، ورأينا مقابر الشهداء وعرفنا أعدادهم حتى يوم زيارتنا للقدس، الزيارة كانت غاية بالأهمية بالنسبة لطلبة مثلنا.
لم نكن بعيدين عن أجواء فلسطين، فقد تأثرنا على استشهاد عبد القادر الحسيني، كما تأثرنا على شهدائنا من الجيش العربي، كما كان ابن عم والدي عثمان بدران قادما من نابلس، ومعه فريق من المتطوعين، خاضوا حربا شرسة ضد العدو على أرض الـ1948.
وقد وثق عبدالله التل رحمه الله القائد العسكري للقدس في مذكراته كيف أن "عثمان بدران خاض معركته وهو صائم".
من هناك انغمسنا بكل خبر قادم من الحرب مع العدو، ومواجهة أهلنا للمحتل، بدأ يتوسع على حساب أرض عربية، لها عند الأردنيين خصوصية ورمزية.
بعد حرب الـ48 بدأ يأتي لمدارسنا معلمون من فلسطين، وبالفعل كانوا معلمين أكفاء، ولم يمارسوا خلال الحصص المدرسية أي دور سياسي أو تعبوي تجاه القضية الفلسطينية، تاركين الأمر لنظرائهم من المعلمين الأردنيين.
وانشغل هؤلاء المعلمون القادمون من فلسطين بتحسين مستوانا الدراسي بشكل واضح، وشعرنا بالفرق الكبير بعد وجودهم في مدارسنا، لقد كانوا معلمين تخرجوا من الجامعات المصرية، بينما المعلمون الذين كانوا في مدارسنا مستواهم التعليمي في الأغلب لم يتجاوز مرحلة المترك، وتفوقهم في بعض مجالات العلوم المختلفة، وهو سبب تعيينهم بوزارة التربية والتعليم كمعلمين.
لقد مارس المعلمون الفلسطينيون دورا مهما في تحسين مستوانا التعليمي، وبلغ الأمر بيننا أن 14 طالبا، من أصل 16، في الصف الثانوي، يتنافسون على المرتبة الأولى، واثنين فقط كانا يتنافسان على ان لا يكون أحدهم في المرتبة الأخيرة.
وفعلا نجحنا جميعا في المترك، طبعا كان العلم في تلك المرحلة عزيزا، فقد كان الطلبة الـ16 في مدرسة الكرك، هم من مختلف مناطق الجنوب، أي أنهم ليسوا من محافظة الكرك وحدها، فكل مناطق الجنوب تقدم فقط 12 طالبا للمترك، لأن هناك طلبة ليسوا من محافظات الجنوب، وهم، أنا من جرش، وابن قاضي البداية في المحافظة وهو من إربد، واثنان آخران ليسا من الجنوب، وبذلك تكون حصة الجنوب كاملا، من الذين درسوا المترك في العام الذي تقدمت به أنا؛ هم فقط 12 طالبا.

*تتحدث دائما عن البدايات من خلال مزجك بين ظرفك السياسي وظرفك الدراسي؛ فأين تبلورت شخصيتك السياسية، في الكرك أم في دمشق؟
-بالنسبة لي، لا أنكر بأني نضجت كثيرا خلال دراستي الجامعية، فقد تشربت كل معاني القومية العربية، وطبقت أفكارها على الأرض، وعايشت تلك التطبيقات وانغمست بها، هذا ليس غريبا فالحياة السياسية في الكرك كانت غائبة، فنحن كطلبة في المرحلة الثانوية لم نكن نملك أي هوامش تجربة سياسية، بينما في المرحلة الجامعية نحن تعرضنا لاختبار صعب وخطير ومهم في الوقت نفسه.
عندما بدأنا بتشكيل ملاحظاتنا السياسية في جامعة دمشق، بعد اغتيال عدنان المالكي، واتهام القوميين السوريين بقتله، حيث حاول الشيوعيون الترويج لذلك، بغية تصفية القوميين السوريين، وبعدها بدأت معركة "السكاكين" داخل الجامعة، كنا نلاحظ أيضا أن حركة القوميين العرب لم تكن ظاهرة وبشكل واضح، وأن القوميين السوريين كانت أكثر فاعلية وحراكا، بينما استحوذ البعث على حصة من القوميين أيضا، ولك أن تتخيل حجم قدرتنا على فهم واستيعاب كل ذلك، بينما في الكرك كانت الأمور أبسط من ذلك، فأنا انتخبت العام 1951 المرشح لمجلس النواب عن محافظة الكرك أحمد الطراونة، رحمه الله 8 مرات في ذات يوم الاقتراع، وانتخبت هزاع المجالي أيضا رحمه الله.
ستسألني كيف؟ وأجيبك بأني كل مرة دخلت، كانوا يغيرون من شكل لباسي، حتى لا أنكشف أمام اللجنة، كما كنت أدخل باسم جديد وانتخب.
 وإمعانا في القصة؛ كان سمير الرفاعي رئيسا للحكومة، ومعه فلاح المدادحة، وزيرا للداخلية، ومرشحا في نفس الوقت، إذ كان الدستور يسمح، وكان المتصرف عبد الرحيم الخطيب، بينما كان في لجنة الفرز والدي القاضي الشرعي الشيخ محمد بدران رحمه الله، وعبد الكريم الحديدي رئيس محكمة البداية في الكرك.
كان واضحا بأن لدى المتصرف الخطيب تعليمات بضرورة التضييق على وزير الداخلية المدادحة، والضغط باتجاه عدم نجاحه، مقابل دعم أحمد الطراونة وهزاع المجالي، وهذه تعليمات أصدرها سمير الرفاعي، فالمدادحة كان من قائمة الشيخ علي المعايطة المعارض لحكومة الرفاعي، عرف المدادحة بالمؤامرة، وحاول الاتصال برئيس الوزراء الرفاعي، من مكتب المتصرف الخطيب، وتخيل أن الخطيب منع المدادحة من استخدام الهاتف، وكان هذا أمام هزاع والطراونة، والمتصرف يجب أن يأتمر بأمر وزيره، لكنه رفض، فالتعليمات جاءت من قبل من هو أعلى من المدادحة رتبة في الدولة.
عند بدء عمليات الفرز اكتشف والدي كيف أن أوراق الاقتراع عندما يتم ترتيبها يقرأ كل عضو لجنة أسماء المرشحين الذين يدعمهم، فصرخ والدي، ولم يعجبه الأمر، لكن القرار ليس بيده في ذلك الوقت.
وغادر المدادحة فجر ليلة الفرز، وكان يمشي باتجاه منزله وهو "يهيجن" وكنا نمشي خلفه ونردد من ورائه ما يقول.
لذلك، لم يكن عندنا أحزاب ولا حياة سياسية، ولا مرشحون حزبيون، فإسماعيل البلبيسي استأجر طائرة، وحملها بالمنشورات، التي تدعم أحمد الطراونة وهزاع المجالي، وقالت العشائر بعدها بأن الحكومة تريد هؤلاء المرشحين، فمن المؤكد بأن لا أحد يملك طائرة غيرها.
ذلك مجلس تركته قبل السفر والدراسة في دمشق، ولكن للانصاف الصورة تغيرت تماما مع مجلس النواب، الذي انتخب العام 1956، وهو مجلس يكاد يكون الأقوى من بين المجالس النيابية التي مرت على المملكة.
وكما تعرف، فقد كانت هناك ثورة ثقافية ومعرفية ومدنية وحضارية في الضفة الغربية، وقد كانت الانتخابات بعد إعلان وحدة الضفتين، كما جاءت الانتخابات بعد طرد كلوب باشا والانجليز من الأردن، وولد مجلس نيابي، انتخب وفق أشد معايير النزاهة والشفافية، وكان مجلسا قويا، من اعضائه عبدالله الريماوي ويعقوب زيادين وفيه من أعضاء الحزب الوطني الذي كان يترأسه سليمان النابلسي، حيث فاز بعضوية المجلس شفيق ارشيدات وصالح المعشر، كما نجح من قلقيلية شخص من حزب التحرير، وأذكر المقطع الثاني من اسمه الشيخ الناعوري.
ولقد حاولت الالتزام بحضور جلسات هذا المجلس من منطلق المتابعة، وقد حضرت الجلسة في اليوم، الذي قرر فيه المجلس التصويت على إلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية، وخطب الشيخ الناعوري من حزب التحرير، رافضا إلغاء المعاهدة، واعتبر الغاءها انسياقا وراء أميركا، ليكونوا بدل الانجليز في تبعيتنا لهم، وطلبنا من المكان الذي يجلس فيه المتابعون في مجلس النواب القديم في جبل عمان، بأن "يسكت"، وهددناه، فجلس دون أن يكمل خطبته، وأظنه بعد ذلك صوت لصالح إلغائها.
واحتراما للافرازات الحزبية داخل مجلس النواب الـ1956، فقد جاء الملك الراحل الحسين رحمه الله بسليمان النابلسي رئيسا للوزراء، وهو أمين عام الحزب الوطني لكنه لم ينجح في الانتخابات عن مقعد عمان، وقد كان اختيار الحسين احتراما منه للتوافق النيابي، واحتراما للتجربة الديمقراطية، واحتراما لتأثير الحزب وأعضائه في مجلس النواب.
لقد كنت أنتظر لحظة انعقاد جلسات ذلك المجلس بشوق وشغف؛ فقد كانوا نوابا يملؤون مقاعدهم ويمثلون مواقف شعبية بمنتهى الصلابة والمواجهة والقوة.

*أين كنت وأنت تتابع جلسات مجلس النواب، كنت خريجا من كلية الحقوق، أم كنت قد التحقت بالعمل؟
-دخلت الخدمة في الأمن العام، في أواخر العام 1956، وبدايات العام 1957، ودخلت الخدمة عندما كان سليمان النابلسي رئيسا للوزراء، وعبد الحليم النمر وزيرا للداخلية.
ولما كنت في ميدان التدريب برتبة ملازم أول، وهي المدة التدريبية التي تستغرق 3 أشهر، ويخوضها كل منتسب جديد للجيش أو الأمن العام، فقد أعلنت الأحكام العرفية، وتم ضم الأمن العام إلى الجيش، عندها كان بهجت طبارة مديرا للأمن العام، ومساعده عبد الحليم الساكت، فأحيل طبارة إلى التقاعد، قبل ضم الأمن مع الجيش، وجاء محمد باشا المعايطة مكانه، ثم صار حابس باشا المجالي، قائدا للقوات المسلحة، وبقي عبد الحليم الساكت مساعدا له، وأعلن ضم الأمن والجيش وأعلنت الأحكام العرفية.
لكن ألغيت الأحكام العرفية في حكومة سمير الرفاعي، مطلع ستينيات القرن الماضي، بعد وفاة أحد كوادر الحزب الشيوعي، وهو في التحقيق، وكان شركسيا يسكن في جبل التاج؛ لا أتذكر اسمه.
ففي دائرة المباحث العامة، قسم خاص لمكافحة الشيوعية، ويرأسه خبير أميركي؛ طبعا هو أميركي بالجنسية، لكن أصله ليس أميركيا، وأظنه من أوروبا الشرقية، وحظي بنفوذ واسع وقتها.
وأذكر على سبيل الذكر، بأن هذا الخبير حاول أن يستجوبني مرة، فرفضت.
فعلى ما أذكر، بأن جارا لي من بيت الناصر، وكان شيوعيا، صادفته وأنا أسير في وسط البلد بعمان، فتصافحنا وتوقفنا قليلا وتحدثنا.
لم أكن أعرف بأن جاري هذا مراقب من دائرة المباحث العامة، وبعد أيام من هذا الحدث، وإذ بالخبير الأجنبي، يبعث لي ويريد أن يستجوبني بطريقة ودية، ومن دون أن يبعث بكتاب للجيش يطلبني به رسميا.
عندها، لما سألت عنه، وأخبروني بأنه أجنبي، ويقوم بهذا العمل منذ مدة، فاستغربت وانفجرت غيظا؛ وقلت: كيف لواحد أجنبي يستجوب ضابطا أردنيا يحمل رتبته العسكرية بإرادة ملكية، وحلفت بأغلظ الأيمان، بأني إن رأيته وجها لوجه، لأضربه، لو كلفني الأمر إنهاء خدمتي من الجيش.
اعتقد بأنهم أخبروه بالأمر، ومن بعدها لم يعاود الاتصال بي، وعندما ذهبنا لمكتب التحقيقات السياسية، الذي كان تحت إشراف محمد رسول الكيلاني، ولدى فتحه لـ"إضبارتي" مازحني بالقول "يا شيوعي"، فقلت له قصتي مع الخبير الأجنبي وتهديدي له بالضرب!.
*وما هي طبيعة مهمتك في الجيش العربي، أكنت ميدانيا أم إداريا؟
-في تلك الأيام  وبصفتي حقوقيا، كنت مشاورا عدليا، وقد دخلت الجيش بعد ضم الأمن العام له، وبعد حبس رئيس قسم المشاور العدلي عبد الله الصعوب، بتهمة مشاركته لعلي ابو نوار بالانقلاب العسكري، وكان هاني الدحلة، الذي تزاملت معه بكلية الحقوق في دمشق، دخل الجيش وحمل رتبة ملازم أول، وكان مشاورا عدليا، لكنه أقيل من عمله مع الأحداث، كان هذا في نهاية العام 1957 وبدايات العام 1958، ولم يبق في قسم المشاور العدلي، سوى أسامة السخن، طبعا كانت قيادة الجيش تحت ضغط التحقيق بالمؤامرة، التي قادها علي أبو نوار، ومن سانده فيها، وكانت لجان التحقيق، ترأسها قيادات الجيش البارزة، منهم الزعيم عزت حسن، ومحمد توفيق الروسان، وكانت المتابعة والاشراف لحابس باشا المجالي قائد الجيش.
نحن كضباط صغار، موزعين على أقسام القيادة المختلفة، كنا ندير الأمور بالإنابة عن حابس المجالي، وكنت أنا مثلا، أوقع عنه في مجال عملي كمشاور عدلي، وكانت صيغ التوقيعات تأتي على غرار "عن الفريق حابس المجالي، قائد القوات المسلحة، الملازم الأول مضر بدران"، طبعا كان في وقتها فريقا قبل أن يترفع إلى مشير.
ومن أعمال المشاور العدلي في القوات المسلحة، إعداد مذكرات التوقيف وإصدارها، ومذكرات الإفراج عن الموقوفين أيضا، وكنا نقوم بذلك بناء على طلب لجان التحقيق.
في قسم المشاور العدلي، كنت مساعدا للمشاور العدلي، وكان رئيسي بالعمل حسب الأقدمية أسامة السخن، ولما أراد السخن أن يأخذ إجازته للزواج، ولم يكن مضى على وجودي في القسم سوى أربعة أشهر، فقد نسبني لأكون رئيسا للقسم بالوكالة، فسألته وماذا يعمل رئيس القسم؟ فأجابني عن جملة من الأمور، وذكر منها تفتيش السجون العسكرية، واستغربت لأنه طيلة فترة وجودي معه، لم يقم بأي زيارة تفتيشية على تلك السجون.
مباشرة، في أول أيام عملي رئيسا لقسم المشاور العدلي بالوكالة، قمت بزيارة للسجن العسكري، وكان مديره عباس نصار، وقمت بتفتيش السجن، ووجدت ضابطا مكسورة يده، فسألته كيف كسرت يدك؟ فقال خلال التحقيق، فصرخت كيف يتم التعامل مع ضابط عسكري بهذه الطريقة!، سألت عباس نصار عن الأمر، قال: ليس من صلاحياته الإجابة، إنما كل صلاحياته تبدأ وتنتهي بتسليم الموقوف واستلامه.
ومع استكمال جولة التفتيش تلك، تفاجأت بأن هناك سجناء انتهت مدة توقيفهم، ومايزالون موقوفين، وبعد حصر هؤلاء قمت بالإفراج عن نحو 70 معتقلا وموقوفا.
بعدها غادرت باتجاه منزلي، مكثت قليلا ثم ذهبت إلى السينما، ثم عدت إلى البيت، وإذا به "قايم قاعد" يبحثون عني، فسألت لماذا، قالوا: مدير الشرطة العسكرية كامل عبد القادر يريدك، اتصلت بالقيادة، فسألت ما المطلوب مني فقالوا: صادق الشرع رئيس هيئة الأركان يريدك، لكنه غادر الآن، وعليك مقابلته صباحا.
في اليوم التالي طلبني صادق الشرع، ودار حوار بيني وبينه، ومن دون أن أشعر بأي ارتباك أو خوف أو مسؤولية.
فقال: هل أفرجت عن 70 موقوفا، ومنهم من تم توقيفه على خلفية قضايا عسكرية؟ فقلت: نعم. قال: هل سألت آمرك؟ فقلت: ليس لي آمر فأنا آمر نفسي. قال وهو مصدوم: هل صلاحياتك الافراج عن الموقوفين؟ فقلت: نعم، وبموجب الأحكام الصادرة من المحكمة العسكرية. قال: وهل عندك صلاحيات التوقيف؟ فقلت: نعم. قال: ألا ترجع لحابس باشا؟ فقلت: لا؛ فحابس باشا يعلم بصلاحياتي وأنا أمارسها باسمه.
فقال: "نيالك على هالصلاحيات"؛ وكل هذه الصلاحيات ولا يوجد هاتف في منزلك؟ فقلت: طلبت منهم تمديد خط هاتف، ولم يجيبوا على طلبي.
وإذ به يطلب سلاح اللاسلكي، ويطلب تمديد خط هاتف، لمكان إقامتي عند اسرتي. فقال لي: لقد أعدت من أفرجت عنهم. فقلت: أعرفهم، وهم أنهوا مدة محاكماتهم منذ 60 يوما، أي أنهم تجاوزوا مدة توقيفهم كل هذه المدة، ولذلك أنا الآن سأوقع بالمصادقة على قرار المحكمة العسكرية بالإفراج عنهم لأنهم تجاوزوا المدة.
وأذكر بأنه جادلني بالإفراج عن أحد المحكومين بقضية للمخدرات، وقلت له المحكمة العسكرية، هي من حكمت بمدة أربعة أشهر، وهو بقي في السجن خمسة أشهر، وهذا مخالف للقانون.
لقد كانت غرفة مكتبي في القيادة مليئة بالخزائن، من ثلاث واجهات، وكانت تلك الخزائن متروسة بملفات الأحكام العسكرية على الموقوفين، ولم تكن تحتاج هذه الملفات لأكثر من مصادقة المشاور العدلي، على أحكام المحكمة العسكرية بحق السجناء والموقوفين.
كنت مساعدا للمشاور العدلي، وطلبت أن آخذ في كل يوم معي إلى البيت عددا من هذه الملفات، لأدرسها وأصادق على الأحكام، التي جاءت فيها، فأجابوني بأن الأمن العسكري يمنع إخراج الوثائق من القيادة العامة.
فسألتهم عن طريقة للإسراع بدراسة ملفات القضايا، فقيل لي بأنه من الممكن أن يسمح لي الأمن العسكري بالعودة للعمل مساء.
وفعلا طلبت سيارة عسكرية، لنقلي وأصدرت التصاريح اللازمة لدخولي القيادة بعد انتهاء العمل الرسمي، حيث كنت أغادر للمنزل لتناول طعام الغداء، وأعود للعمل بعد الرابعة في القيادة وأبقى في مكتبي حتى الساعة الـ11 ليلا، وطبعا الأمن العسكري ظل يفتش كل ليلة علي، وأنا في المكتب، مستغربين كيف لعاقل أن يعود للعمل بعد انتهاء ساعاته.
وبقيت على ذات البرنامج، حتى "نظفت" الخزائن تماما من الملفات، وكم كان من بين تلك الملفات قضايا فيها ظلم وقع على أصحابها، وكم أن تأخير موظف صغير في المصادقة على أحكام المحاكم العسكرية، قد تسبب في ظلم لموقوفين، أنهوا مدة التوقيف، وتم نسيانهم في السجون.

mohammed.rawashdeh@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأستاذ عبدالفتاح تلستان (وليد هاكوز)

    الاثنين 2 شباط / فبراير 2015.
    رئيسة تحرير الغد المحترمة
    الأستاذة جمانة غنيمات
    أود بداية ان اشكر صحيفة الغد على ايلاء موضوع التاريخ السياسي للمملكة من خلال الحلقات التي تنشر تباعا مع دولة السيد مضر بدران.
    لقد جاء في الحلقة الثالثة المنشورة في يوم الثلاثاء 27-11-2015 بان "وفاة شيوعي شركسي خلال التحقيق دفع حكومة سمير الرفاعي (الجد) لالغاء الاحكام العرفية مطلع الستينيات، وانه-اي دولته- لا يعرف اسم هذا الشخص، وانه كان يقطن جبل التاج. واود ان انوه ان هذا الشخص هو الاستاذ عبد الفتاح تلستان نقور، والذي كان معلما في مدرسة العباسية في منطقة راس العين، وليس طالبا ، وكان يقطن في حي المهاجرين وليس في جبل التاج.
    وتفضلوا بقبول وافر الاحترام.
    وليد هاكوز
  • »تصحيح اسم (موفق حدادين)

    الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015.
    بعد التحية
    ان اسم نائب حزب التحرير في مجلس النواب (1956) هو الداعور وليس الناعوري واسمه الاول أحمد.