الحلقة الخامسة والعشرون من "سياسي يتذكر"

بدران: مجلس نواب "مش ابن عيشة".. كان تقييم كبار المسؤولين

تم نشره في الخميس 19 شباط / فبراير 2015. 12:00 صباحاً
  • مضر بدران وحوله نواب اسلاميون خلال فترة حكومته الاخيرة مطلع التسعينيات
  • الراحلان الحسين بن طلال والعاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز في أحد اللقاءات
  • رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران يتحدث لـ _ ضمن سلسلة "سياسي يتذكر" - (تصوير: محمد ابو غوش)

محمد خير الرواشدة

عمان- يستكمل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران حديثه اليوم، ويشرح الطريقة، التي استدعاه بها الراحل الحسين لموقع رئيس الديوان نهاية الثمانينيات.
وفي حلقة اليوم، من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، يصف بدران الآلية التي بدأ فيها العمل، مع رئيس الوزراء، وقتها، الأمير زيد بن شاكر، على التحضير لانتخابات مجلس النواب الحادي عشر، العام 1989.
ويسهب بدران اليوم، في شرح "مميزات" أبو شاكر، في رئاسة الحكومة، فصحيح أنه لم يسبق له العمل رئيسا للحكومة، لكن بدران يؤكد بأنه "رجل مناسب، لأن المرحلة (كانت) تحتاج لرجل، لم يسبق له الخدمة، ولم يكوّن المواطن عنه أي انطباع سلبي"، وظلت شخصية أبو شاكر كقائد للجيش شخصية عسكرية محبوبة.
ويتحدث بدران عن دفاعه عن نتائج انتخابات مجلس النواب العام 1989، التي انتقدها من حضر اجتماعا، في مجلس الوزراء، حيث أكد المنتقدون يومها صعوبة التعامل مع المجلس الجديد، خصوصا وأن المجلس أغلبيته معارضة، جاءت بالانتخاب، وقالوا: بأن المجلس "مش ابن عيشه".
وقال بدران "لقد كشفنا ما في "بطن الطنجرة"، وعرفّنا شعبنا ما الذي يريده، لقد كانت اليافطات، تغطي رؤوسنا في الشوارع (خلال الانتخابات)، وتحجب عنا نور الشمس، وكلها كانت تطالب بمكافحة الفساد، وهذا ما يريده شعبنا. والمجلس وليد قرار ديمقراطي، ويجب أن يبقى، وهنا أنهى الحسين النقاش".
واليوم، يبدأ بدران الحديث عن تكليفه بتشكيل حكومته الأخيرة، العام 1989، والظروف التي قبل فيها تكليف الراحل الحسين، ويدخل في تفاصيل المواقف النيابية من حكومته، وتقييمه لصعوبة المهمة.
وكان بدران قد تحدث في الحلقة السابقة، عن مواقف تاريخية، جرت بينه وبين رئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي، والقائد العام للقوات المسلحة الأمير زيد بن شاكر، وهي المواقف التي جاءت بعد تنبؤ بدران بأزمة سقوط الدينار.
كما استذكر بدران أمس، لحظة تنبئه باستقالة حكومة الرفاعي، وتكليف زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة، كما يتذكر أنه في تلك اللحظات استدعاه الراحل الحسين لموقع رئيس الديوان الملكي، بطريقة وصفها بـ"الغريبة"، وهو ما سيشرحه اليوم.
وفيما يلي نص الحلقة الخامسة والعشرين:

* قلت إن الحسين، رحمه الله، استدعاك لرئاسة الديوان العام 1989 بطريقة غريبة، ما هي هذه الطريقة؟
- وأنا خارج المسؤولية، لا أحب أن أتدخل في التفاصيل، لكن إن وقع أي خطب جلل، أقاوم هذا التحدي، ولا أترك أحدا من كبار المسؤولين، إلا وأبلغه بمخاوفي، وأنصحه بتقدير الأمور جيدا.
لقد هدأت الأمور في البلاد (بعد مظاهرات هبة نيسان)، ولم يعد هناك ما يخيف، خصوصا أن الراحل الحسين عقد العزم فعلا على اعادة الحياة الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية.
لقد أسميت ما جرى في نيسان 1989 بالثورة، لأن الأمور كانت تنذر بذلك، ولولا خوفي من تلك الحالة، لما بادرت بالاتصال مع أحد.
لقد جاءني عبد اللطيف مرعي، وهو من أنسبائي، وكان يعمل في مجال استيراد الخشب، وقال لي بأنه كان يوزع الخشب على تجار التجزئة، ولا يطالب بدفع شيء من قيمة الخشب تحت الحساب، حتى يستوفوا أموالهم من المشاريع، التي يعملون فيها، ومع الأحداث جاءني، وقال لي قصة مرعبة، وهي أن أحد التجار، الذين يتعامل معهم، جاءه وسأله عن الأحداث، وقال "لو بدأت الأحداث في عمان، فأول شيء سيقوم به ذلك التاجر، هو حرق مستودعات عبداللطيف مرعي"، فاستغرب مرعي من الأمر، وسأله: لماذا تفعل بي ذلك، وأنا اتعامل معك بأريحية؟، فرد الرجل بالقول: لماذا تملك أنت هذه المستودعات وأنا لا أملك مثلها!.
لقد أذهلتني هذه القصة، وقد حركتني بكل الاتجاهات.
وبعد أن استدعاني الراحل الحسين، من بعد أن كلف زيد بن شاكر برئاسة الحكومة، ذهبت إلى الديوان الملكي، ودخلت على الحسين في مكتبه، وقال: اريدك رئيسا للديوان، وهم بالخروج بعدها، فقلت له: لو سمحت سيدي أن تجلس فليس بهذه الصورة تتم الأمور.
وقلت له بأني لم أتغير، وأنه من تغير، فقال الحسين: صحيح، وقلت لذلك، قد لا أكون ممن يستطيعون خدمة الملك، في هذه المرحلة، فقال بأنه يحتاجني ويريدني إلى جواره، فقلت لكن المهمة صعبة، وتحتاج من الجميع التضحية، وأول من سيضحي هم أسرته، الذين لا يعلمون شيئا عن الأحداث في البلاد.
فقال الحسين: افعل ما تراه مناسبا.
بدأ زيد بن شاكر، رئيس الوزراء، التحضير للانتخابات، وبدأنا نعمل كخلية نحل، فالوقت يداهمنا، واستحقاقات الحدث لا تتطلب أي تأخير، وكنت مع ابو شاكر خطوة بخطوة، وطلب الراحل الحسين من أبوشاكر بأن يضعني بصورة الانتخابات أولا بأول، فأبو شاكر لم يسبق له العمل الحكومي، لكنه رجل مناسب، لأن المرحلة تحتاج لرجل لم يسبق له الخدمة ولم يكوّن المواطن عنه أي انطباع سلبي، وظلت شخصية أبو شاكر كقائد للجيش شخصية عسكرية محبوبة. تعاونا في كل شيء، ولم يكن هناك أي منغّص من أي نوع، فقد توافقنا على الأدوار، وجرت الانتخابات نهاية العام 1989.
وفعلا كانت انتخابات حرة ونزيهة، ولم تتدخل أجهزة الدولة، بأي شكل من أشكال التزوير، وبقينا متيقظين لسلامة الإجراءات بالدقة والحرفية اللازمتين، وكشفنا عن الصناديق وعرفنا ما الذي يريده الشعب.

*من داخل مركز القرار، هل كان هناك ارتياح لنتائج انتخابات مجلس النواب الحادي عشر العام 1989؟
- أمضينا أنا وزيد بن شاكر طول ليلة الانتخابات في مكتبه برئاسة الوزراء، وظلت تأتينا النتائج أولا بأول.
في الصباح أبلغنا بأن الراحل الحسين سيزور رئاسة الوزراء، وسيلتقي بنا هناك، كنا ما نزال على وضعنا، لم ننم ولم نغادر المكتب.
وسأل الحسين عن تقييم النتائج، وكان يجلس على الطاولة الأمير الحسن وزيد الرفاعي وزيد بن شاكر وأنا.
وبدأ الجميع ينتقد نتائج الانتخابات، ويقول كيف لنا، أن نواجه مجلسا أغلبيته معارضة، جاءت بالانتخاب، وقالوا: بأن المجلس "مش ابن عيشه".
أنا بقيت صامتا، لكن أريد أن أنفجر، لدى سماعي لهذه الآراء، وإذ بالملك الحسين يريد أن أقدم رأيي في النتائج، وقلت بيني وبين نفسي: "جاء الفرج"، فلو بقيت صامتا لمت غيظا.
وبدأت أرد على كل ما جاء من تقييمات، ووجهت كلامي للحسين، وقلت: لقد كشفنا ما في "بطن الطنجرة"، وعَرفّنا شعبنا ما الذي يريده، لقد كانت اليافطات تغطي رؤوسنا في الشوارع وتحجب عنا نور الشمس، وكلها كانت تطالب بمكافحة الفساد، وهذا ما يريده شعبنا.
والمجلس وليد قرار ديمقراطي، ويجب أن يبقى، وهنا أنهى الحسين النقاش.

*وكيف شكلت حكومتك في وجه مجلس نيابي، جاء بشهية مفتوحة للمعارضة، بعد طول مدة الأحكام العرفية؟
-تلك قصة قد تستغرب منها؛ لقد أنهينا الانتخابات، وتوقعت تماما مخرجات صنايق الاقتراع، ولم أتفاجأ بالأمر، فردة الفعل الشعبية، خلال الانتخابات كانت ستأتي، بنسب عالية من مشاركة الناخبين، من أصحاب المزاج الغاضب، خصوصا بعد انقطاع طويل عن ممارسة هذا الحق السياسي، في زمن الأحكام العرفية.
كما أن النواب قادمون على ظهور قواعد انتخابية، تواقة للتغيير، ومادام التغيير المطلوب  يستهدف رجال الحكم، وانت عليك أن تتصالح مع الفكرة، فعليك اذا أن تقبل التعامل مع هذه الفئة الجديدة من النواب، الذين لن يقبلوا بالحلول الوسط في السياسات، كما عليك أن تحضر درسك جيدا، كرئيس حكومة، فالنواب سلطة عليك، تشريعية ورقابية.
لما بدأ الكلام عن تطبيق العرف السياسي، القاضي بتكليف رئيس حكومة جديد، يواجه مجلس النواب الجديد، كنت مطمئنا لفكرة أن يعاد تكليف زيد بن شاكر، فهو من أجرى انتخابات حرة ونزيهة، هذا سيشفع له أمام مجلس النواب، خصوصا وأن أبو شاكر رجل دمث ومهذب، وليس له تاريخ سياسي، يحاسب عليه، وقد تكون صفاته الدبلوماسية تلك، من المؤهلات اللازمة لمواجهة برلمان شديد المعارضة، كما أنه قائد عسكري له كاريزميته.
وفي أحد الأيام من تلك الفترة، طلب مني الراحل الحسين تشكيل الحكومة، فقلت له: كيف ذلك، خصوصا وأن زيد بن شاكر يجب أن يكمل مهمته؟
فقال لي الحسين بأنه يريد بن شاكر رئيسا للديوان، وأكدت على الحسين بأن مهمة أبو شاكر في الحكومة لها مقومات النجاح، فيما أنا سأكون على مرمى المعارضة النيابية، التي ستخرج لي أخطاء حكومات توفيق أبوالهدى وتحاسبني عليها.
راوغت كثيرا مع الحسين، وأغضبه رفضي، وقال بأني من ورطه بمجلس النواب، وعليّ أنا أن أواجه.
قلت له، أقبل بتشكيلها بشرط واحد، وهو إن وافق الإسلاميون على الدخول في حكومتي، فقال امضِ بمشاوراتك، فقلت وإن رفضوا، فإني سأعتذر عن التكليف وتشكيل الحكومة.
طبعا، أظن بأن الراحل الحسين أرادني في تشكيل الحكومة تلك، لأنه كان على علم بموافقة الإسلاميين على اختياري كرئيس، فقد قالها الحسين مرة، لمحمد عبد الرحمن خليفة (المراقب العام للاخوان المسلمين) عن اختيار مضر بدران لتشكيل الحكومة، فقال له: "خير ما تعمل".
وبدأت من هناك رحلة التفكير في الأمر، فلماذا العودة مجددا للعمل الحكومي، الذي أرهقني كثيرا، وأنا كنت قد قررت اعتزال العمل السياسي الحكومي، وهيأت نفسي للإقامة في منزلي، واعتبرت مهمة رئاسة الديوان خلال العام 1989 هي مهمة وطنية، قبلتها بدافع حرصي على النظام السياسي، وعلى وطني، وخدمة العرش الذي أمضيت عمري في خدمته.
وبدأت مشاوراتي مع كتلة الاخوان المسلمين في مجلس النواب، وكانت مفاوضاتي معهم سهلة، فهناك تاريخ بيني وبينهم من الثقة، ولا أجد ما يبرر معارضتهم لي أو لحكومتي، كما أني كنت أعرف كيف أقوى قياداتهم في العمل الحكومي، وكان التعاون معهم سهلا، فاسحق الفرحان وعبد اللطيف عربيات أعرفهما من العمل الحكومي وليس السياسي الحزبي.
لكن ما أخر مناقشاتي معهم، بأني كنت أريد أن أدخل وزراء منهم الحكومة مع تشكيلها الأول، فظلوا يذهبون لقيادتهم، ويعودون في ماراثون مفاوضات، أخذ وقتلا طويلا.
في نهاية المطاف، زارني المراقب العام خليفة، وأبلغني موافقة الجماعة على منح الثقة لحكومتي، لكن من دون دخولهم كوزراء معي.
فقلت له، بأن قرارهم هذا سيعني إبلاغي للراحل الحسين اعتذاري عن تشكيل الحكومة، وفشلي في المفاوضات معهم، فرد علي، وأبلغني بقصته مع الحسين.
قال خليفة: لكننا سنمنحك الثقة، فقلت أنا أريد المعارضة في حكومتي، وليس على مقاعد الرقابة علي.
كان الملك تلك الأثناء، يتابع عن كثب كل ما يدور معي، وظل يتصل معي، يريد أن يطلع على التطورات.
بعد أن أبلغني محمد عبد الرحمن خليفة موقف الإخوان بعدم الدخول معي بالحكومة، طلبت الحسين وقلت أريد موعدا في اليوم التالي، لأطلعه على التفاصيل الجديدة.
الحسين من الذكاء لأن يعرف ماذا أنوي فعله، وعرف بنيتي الاعتذار عن قبول المهمة.
فجأة رن جرس المنزل، وأبلغوني بأن الملك الحسين، في غرفة الضيوف، ينتظرني، استغربت، خرجت بسرعة، فقد خفت من أن هناك شيئا خطيرا جاء بالحسين.
لم نجلس، وبقينا واقفين، وقال لي الحسين بأنه يريد مني القبول بتشكيل الحكومة بدون أعذار، وأن أوافق على مواجهة مجلس النواب مهما كان الأمر، وأن هذه رغبته، وطلب مني، أن لا أخالف أوامره.
جلست فجأة، فقلت ماذا سأقول للحسين؟ هل أرفض طلبه وهو الذي شرفني في بيتي بهذه الزيارة، وطلب هذا الطلب في منزلي؟
سكت، وقلت للحسين: "أنا بأمرك، ولن أناقشك الآن في شيء"، وقلتها في بيان الحكومة أمام مجلس النواب: "لما طلب مني الملك الحسين تشكيل الحكومة صدعت لأمره"، وكنت أعني قولها.
وقبلت التحدي، الذي ألزمني به الحسين، وتحملت من أجل ذلك ما تحملته من كلام وانتقادات، فقد قيل خلال مناقشة أعضاء المجلس لبيان الحكومة، ما لم يقله أحد، وصمدت في وجه كل تلك الانتقادات.
وكان همي الوحيد، أن ينجح المجلس بمهمته، ولم يكن لي في ذلك سوى أن أحضر جيدا درسي الحكومي، فالخطأ كان أمام أعضاء ذلك المجلس مصيبة، فأنت تتحدث عن 22 نائبا إسلاميا، ونحو 16 نائبا يساريا وقوميا، والبقية نواب الكتلة الوطنية، لكن الثقل كله بيد المعارضة، وأي خطأ أمام هذه المعارضة، يسهل الإطاحة بك، وهذا لا يعني أن نواب الكتلة الوطنية، كانوا أقل براعة ومعارضة من المعارضة النيابية، ففيهم نواب متمرسون بالعمل السياسي، وليس سهلا الاستحواذ على مواقفهم، من دون أن تقنعهم، خصوصا أنهم قادمون أصلا من المناطق والمحافظات، التي كانت سببا أساسيا من أسباب التحول الديمقراطي الكبير.

 *كيف شكلت آخر حكومة لك العام 1989، وكيف قاومت المعارضة النيابية، وكيف اقنعت جماعة الإخوان المسلمين بالمشاركة في حكومتك بعد إجراء تعديل عليها، وهي المرة الوحيدة التي منحوا فيها الثقة لحكومة وشاركوا فيها؟
-لم يكن الأمر سهلا هذه المرة، فوجود مجلس نواب حر ونزيه، يفرض عليك الرقابة في كل شاردة وواردة، ولا يجعلك تتحرك بسهولة في خياراتك، من أسماء الوزراء.
كنت عاقدا العزم على أن يكون معي نواب في الحكومة، يمثلون الاتجاهات السياسية الثلاثة، وكان جل همي أن لا ينفرد الإسلاميون بمقاعد المعارضة، وقطعا إذا أردت الإسلاميين معك، فإنك تكون قد خسرت القوميين واليساريين.
فالفرق الأيديولوجي بينهما، كان يقضي بوجود أحد معك، أما كلاهما.. فهذا أمر مستحيل. وكانت حساباتي دقيقة، فالرقم النيابي، الذي أحتاجه معي في العمل الحكومي، يقضي مني أن أناور على نصف أعضاء مجلس النواب، زائد واحد، وهذا يعني أن تكون المعادلة واضحة: 22 نائبا إسلاميا، وأستطيع إقناع نواب الكتلة الوطنية، الذين كان عددهم نحو 32 نائبا، وبالتالي أحظى بدعم النواب لي، سواء بالثقة في الحكومة، أو حتى في سائر التشريعات والأعمال التي تحتاجها الحكومة.
عرفت بمنح الإسلاميين لي الثقة، وسعيت للتفاوض بشكل جاد مع نواب الكتلة الوطنية، ولم أدع نائبا، إلا شاورته، وكان ماراثونا طويل النقاشات، حتى وقفت على تشكيل حكومة برلمانية، أو يمكن اعتبارها كذلك.
بالنسبة لي، كنت أفضل العمل مع الإسلاميين، الذين عملوا في الحكومة، لأنهم يستطيعون أن يضيفوا للعمل الحكومي من جهة، وتستطيع أن تستثمرهم عند جماعتهم في القدرة على الإقناع، لأن المشاركة في السلطة تختلف جذريا عن معارضتها، فأنت، عندما تكون مسؤولا حكوميا، تعرف فلسفة القرارات، وتستطيع بناء المقاربات حولها، باختصار ستكون ناضجا في معارضتك.
واعتقد أن ما زاد بريق عبد اللطيف عربيات مثلا في صفوف الحركة الإسلامية، من جهة، وفي صفوف رجالات الراحل الحسين من الجهة الأخرى، هو خدمته الحكومية في وزارة التربية، واعتلاؤه كرسي رئاسة مجلس النواب لثلاث دورات نيابية في مجلس النواب الحادي عشر.
 * كان لك موقف بعد نيل الثقة النيابية مع العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز والأمراء في وقتها، الأمير عبد الله ابن عبد العزيز ولي العهد، ووزير الخارجية سعود الفيصل؟
-صحيح؛ كان موقفا غريبا نوعا ما، ولم أكن أعرف بأن الأشقاء في السعودية، يتابعون عن كثب، ما يجري في أروقة السياسة المحلية عندنا.
كنا في زيارة مع الراحل الحسين إلى الرياض، وإذ بالملك فهد يسألني، عن الطاقة والجلد لديّ حتى تحملت كل هذا النقد النيابي في البرلمان، وأنه تفاجأ من قدرتي على الصمود أمام المعارضة النيابية، التي ما تركت وصفا إلا ووصفتني به، وقال الأمير عبدالله بأنه والملك فهد والأمير سعود بن فيصل أمضوا ليلة كاملة، وهم يتابعون شريط تسجيل مناقشات النواب لبيان حكومتي.
فقلت للملك فهد: "ببساطة أنتم السبب في كل ما جرى ويجري.. وأن الديمقراطية في الأردن سببها تأخر المساعدات الخليجية وشحّها". وقلت انهم بفعلتهم تلك تركوا الاقتصاد الأردني في تراجع حتى بدأت ثورة حقيقية، هددت النظام الملكي في الأردن، وبأنهم يعرفون أكثر من غيرهم قيمة أن يكون الأردن آمنا مستقرا.
وطلبت من الملك فهد، رحمه الله، أن ينادي الأمير عبد الله، لكي يسأله حول كم مرة طلبت منه العون والمساعدة الطارئة، لأن وضعنا في "الويل".
واليوم، كان عليكم أن تتوقعوا ذلك، لأنكم بصورة أوضاعنا الاقتصادية، ولم يكن أمامنا سوى حل وحيد، وهو الديمقراطية، حتى نتشارك جميعا في الأردن بتحمل المسؤولية.
وإذا أردتم حل مجلس النواب، فالأمر بسيط وسهل، ويمكن أن تعود الأمور لما كانت عليه، لكن مقابل حل اقتصادي جذري لمشكلتنا.
وسأل الملك فهد عن الحل الجذري، وكم يكلف، فقلت: يكلفني كمملكة أردنية 5 مليارات دولار، ويكلفك كمملكة عربية سعودية 8 مليارات.
سأل؛ كيف؟ قلت: إن سددت أنا مديونية الأردن، فسأستفيد من خصم على السداد المبكر للقروض، وإن ذهبت أنت لتدفع مديونيتنا، فسيأخذونها منك 8 مليارات كاملة.
للحظة، ساد الهدوء القاعة التي كنا نجلس فيها، وإذ بالملك فهد يكسر الصمت بالقول: ويُحل مجلس النواب؟ قلت: بلا تأخير، قال ستبدأ اللجان بالعمل على الأمر، وسأدفع لكم مديونيتكم.
مباشرة، وبعد انتهاء اللقاء، عدنا بمعية الراحل الحسين إلى عمان، ومباشرة طلبت لقاء نواب كتلة الإخوان المسلمين في منزلي، وأبلغتهم بالموقف السعودي من دفع المديونية، مقابل حل مجلس النواب، وكان يجلس في غرفة الضيوف، في بيتي، كل من عبداللطيف عربيات واسحق الفرحان والدكتور علي الحوامدة والدكتور يوسف العظم، رحم الله العظم، الذي قال بعد أن سمع ما قلته: سأذهب للجفر مشيا على الأقدام، لأبلغ الناس نجاحنا في حل مشكلة الأردن الاقتصادية.
في اليوم التالي، التقيت رئيس كتلة اليساريين والقوميين عيسى مدانات، ولما أبلغته بالأمر، قال بعدها يمكنك حل مجلس النواب فورا، ومن دون تأخير.
لقد قدر نواب المعارضة كلفة حل مجلس النواب، بـ8 مليارات، واعتبروه ثمنا يكافئ حل مجلسهم، لأن في تلك المعادلة ثمة مصلحة وطنية أهم من كل الاعتبارات الأخرى.
وفعلا، كان الأمر بالنسبة لنا نافذة لحل مشكلتنا الاقتصادية، بشكل جذري، لم يمض على كلام الملك فهد أشهر، حتى باغتنا الرئيس العراقي السابق صدام حسين باحتلال الكويت، وبدأنا نعيش نذر كارثة جديدة تمر على الأمة العربية.

mohammed.rawashdeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما اشبه اليوم بالبارحه (جميل الشبول)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2015.
    اقول لمن يهمه الامر ايستحق الاردني هذا لا فرق بين مجلس 89 والمجلس الحالي ولا فرق بين الرئيس والرئيس الحالي (فقط بجواز السفر) دولة ابو عماد كنت اتابع تلك الجلسات ولم اكن اتوقع ان تستطيع انت وجميع رؤساء وزارات الاردن على الوقوف امام هذا السيل العرم لكنك كنت اشبه بموسى في مواجهة السحرة وعرف الحسين كيف يرمي هؤلاء الرجال بهذا الرجل فانتصر الاردن كل الاردن ونجحنا جميع ونجونا ولقد استخدم الحسين هذا المجلس وجنبنا دم العراقيين في حينه لا نقول انك عمر بن الخطاب لكنك من رجالات الاردن ممن كتبوا في صفحة الوطن...