"اولمبياد ريو" 2016.. رياح انكماش أم تفاؤل مبالغ فيه؟

تم نشره في الخميس 26 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً
  • خليج غونابارا تحول إلى بركة قمامة مع اقتراب موعد أولمبياد ريو دي جانيرو -(رويترز)

بيروت-  فارق كبير بين أواخر العام 2009 والفصل الأول من 2015 بالنسبة إلى سكان ريو دي جانيرو. ففي 2 تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام تجمهر حوالي 100 ألف شخص على شاطئ كوبا كابانا للاحتفال باختيار المدينة البرازيلية لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية العام 2016.
عامذاك، تقدمت المدينة الصاخبة في مجموع الأصوات التي نالتها على طوكيو ومدريد وشيكاغو، وفاخرت بمؤازرة شعبية لملفها بلغت 85 بالمائة، في مقابل 59 بالمائة حاليا وفق استطلاعات موثوقة، قبل نحو 17 شهرا من موعد الألعاب (5- 21 آب (أغسطس) 2016).
حين نالت ريو شرف التنظيم، ظن الجميع أنها ستتخلص وجوارها ومناطق برازيلية أخرى من إهمال مزمن في نواح كثيرة، لا سيما أن ورشة مونديال 2014 لكرة القدم ستسبقها وستسهم في توفير منشآت وبنى عدة. لكن الآن وبعد خمسة اعوام، بهتت الفرحة وضمرت الحماسة.
ولقد تفاقمت مشكلات اقتصادية واجتماعية كثيرة وأثرت سلبا على الملفين المونديالي والأولمبي، وسببها الشكوى من الفساد والاحتكار وارتفاع الأسعار وأزمات النقل والصحة والتعليم، ما أدى إلى تظاهرات واضرابات وأعمال شغب أحيانا. وبالتالي، لم يعد كثر يؤمنون أن ما سينفق من أموال سيحسن مستوى الخدمات، خصوصا ان مثال كأس العالم لكرة القدم ماثل أمامهم.
وأظهرت دراسات صدرت أخيرا أن البرازيل القوة الاقتصادية السابعة في العالم على شفير الانكماش؛ حيث يقفز التضخم إلى 7ر7 في المائة، مع تدهور سعر صرف الريال (العملة الوطنية) بواقع 30 في المائة في 12 شهرا أمام الدولار.
ورغم ذلك، يمضي الاستحقاق الأولمبي الأول من نوعه في أميركا الجنوبية قدما نحو "النهاية السعيدة" كما يؤكد المسؤولون، مبدين تفاؤلا مبالغ فيه أحيانا، ومنهم مدير اللجنة المنظمة كارلوس نوزمان (62 سنة)، الذي كان عضوا في منتخب بلاده للكرة الطائرة خلال دورة طوكيو الأولمبية العام 1964. وتلعب الصدفة دورها فهو من سيسلم العلم الأولمبي في ختام "ريو 2016" إلى ممثلي اللجنة المنظمة في طوكيو المقررة فيها ألعاب 2020.
ويلفت نوزمان إلى أن التنظيم سيكون مقتصدا ومن دون تبذير، مضيفا: "سنقدم ألعابا فريدة من مختلف النواحي"، علما أن الموازنة المقدرة تبلغ 3ر11 مليار يورو منها 5ر7 مليار للمشاريع والبنى التحتية. لكن هذه الموازنة تخطت بـ27 في المائة حتى الآن الأرقام التي تضمنها ملف الترشح للاستضافة العام 2008. وتسهم اللجنة الأولمبية الدولية بـ3ر1 مليار يورو.
وأبدت لجنة المتابعة برئاسة البطلة الأولمبية السابقة المغربية نوال المتوكل، المكلفة من قبل اللجنة الأولمبية الاولمبية بتفقد الأعمال دوريا وإعداد تقارير عن التقدم الحاصل، ارتياحا لسير الأمور بعد زيارتها الثامنة، وإن لفتت المتوكل إلى ضرورة حث الخطى وبذل جهود في بعض المشاريع والمنشآت، لا سيما مرج الغولف ومضمار الدراجات ومركز الفروسية، مستدركة بديبلوماسية: "نحن واثقون بأنهم سيحترمون المهل والمواعيد المقررة".
في الجانب الوردي المائل إلى الرمادي، يشير المنظمون إلى أن خط المترو بين ايبانيما وريو سيرفع نسبة المستفيدين من النقل العام من 16 إلى 63 في المائة. ويتحدثون عن إقبال كثيف على التطوع، وهم يخضعون 250 ألف متطوع من الجنسين لدورات في اللغة الانجليزية وبرامج تدريب وتأهيل على التواصل والعلاقات العامة. ويؤكدون أن مئات شركات التوريد الداخلي معنية بمشاريع التطوير، وستوفر آلاف فرص العمل.
كما اعلن المنظمون ان 7 ملايين تذكرة لحضور المباريات والمسابقات ستكون في متناول الراغبين، منها 8ر3 مليون تذكرة سعرها الأعلى 30 دولارا. وستقدم حسومات للطلاب وكبار السن، وسيكون الدفع متاحا ببطاقات الائتمان وبالتقسيط المريح، علما ان تذاكر حفلة الافتتاح من الفئة "أ" يبلغ ثمنها 1500 يورو، وهي الأغلى ضمن الدورة.
والمنشآت والمرافق الموزعة على 39 ورشة ضمن 4 مناطق، يسجل تقدم في جانب منها أو تسير أعمالها وفق الجدول المقرر، ومنها القرية الأولمبية (قرية الرياضيين) التي ينتظر ان تسلم في مطلع السنة المقبلة وستحتضن 17950 شخصا، وحملة التسويق لبيع شققها بعد الألعاب جيدة جدا، والطلب عليها مزدهر.
ويضم "البارك الأولمبي" منشآت لكرة السلة وكرة اليد وكرة الطاولة والجودو والتايكواندو والمبارزة والدراجات والجمباز، إلى المجمع المائي. وهو يقع في قلب الحلبة التي كانت تستضيف حتى العام 1989 إحدى الجوائز الكبرى لبطولة العالم لسباقات فورمولا 1. وكان معظم هذه المرافق استخدم في دورة الألعاب الأميركية العام 2007. وسيتحول المكان بعد "ريو 2016" إلى مركز تدريب عال لرياضيي أميركا الجنوبية.
كما تشهد منطقة بورتو مارافيلا البحرية ورشة عملاقة، فهي على مساحة 5 ملايين متر مربع، وتضم 70 كلم من الشوراع و4 أنفاق. ومع بلوغ حلتها الجديدة، ستستقبل بواخر إقامة لتكون بمثابة فنادق عائمة. وتذكر عملية التطوير بما خضعت له الواجهة البحرية في برشلونة استعدادا لدورة ألعاب العام 1992.
لكن في مقابل الجانب المشرق، تقف عثرات عدة بالمرصاد ما يطرح أكثر من علامة استفهام.
فحتى الساعة نسبة التلوث عالية جدا لا بل مقلقة في خليج غونابارا، الذي يعد من الأجمل في العالم، لكنه تحول إلى بركة قمامة. وفي العام المنصرم، رفع المشاركون في سباقات الشراع الصوت عاليا منبهين من خطر داهم وإهمال مستشر، علما أن رئيس اللجنة المنظمة للألعاب يؤكد أن المعالجة التدريجية للتلوث تسجل تقدما مضطردا وقد انخفضت نسبة الخطر إلى ما دون الـ40 في المائة، وإن كان الهدف المرتجى بلوغ الـ80 في المائة.
أما خط المترو الذي تدرجه اللجنة المنظمة في اطار انجازاتها الكبيرة، فيبدو أن محطات عدة فيه لن تنجز في موعد الاستحقاق، لتبقى هناك "أحلام معلقة" كما حصل في مونديال كرة القدم.
وورشة انشاء مرج جديد للغولف (18 حفرة) في محمية ماراباندي المقدرة كلفته بـ18 مليون يورو، واجهت معارضة شديدة من قبل الناشطين البيئيين، فنفذوا اعتصامات وضربوا حصارا حول المكان، قبل ان تسوى الأمور بعد تأخير كبير زاد في كلفة الأعمال، المتوقع أن تنجز في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
وارتفاع الكلفة ينسحب أيضا على مضمار الدراجات (5 آلاف متفرج)، وستبلغ 36 مليون يورو، ولن ينجز قبل كانون الأول (ديسمبر) المقبل. كذلك مضمار الضاحية المخصص للفروسية (المسابقة الكاملة) في ديودارو على بعد ساعة بالسيارة من ريو دي جانيرو، أيضا ملعب الرجبي، وحقل الرماية، ومسار الدراجات "في تي تي"، وأماكن مسابقات الكانوي.
وسمة التأخير والعراقيل لأسباب شتى تبدو "مزايا" برازيلية بحسب الصحافي فينيسييه كاشنسكي، إذ إن "معاناة قصة المونديال ستتكرر، ولا تنتهي الأعمال إلا في اللحظة الاخيرة". لكن القلق الأكبر يبقى في مصير "الإرث الأولمبي" وأن يتحول إلى "كابوس" مكلف، كما هي منشآت دورة أثينا 2004، أو ما يعرف بـ"الأفيال البيض"، والقصد منها منشآت عملاقة كلفت ثروات وتتطلب صيانتها ثروات اخرى، والاستفادة منها معدومة. فستاد ماراكانا الشهير الذي أعيد بناؤه للمونديال، تبلغ نفقات صيانته 28ر1 مليون يورو شهريا، ومنذ نهائي كأس المسابقة الكروية فاقت خسائره الـ5ر13 مليون يورو.
واللافت أن تنفيذ الاشغال يخضع لتعقيدات إدارية عدة لأن الموافقات تتطلب نقاشات واجتماعات مطولة وتواقيع جهات عدة صاحب قرار، في مقدمها عمدة المدينة، وحاكم الولاية والحكومة الفيديرالية وهكذا دواليك، فضلاً عن ان الرعاة المحليين غير متحمسين في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، واعتبارهم أن المنافسات أولمبية لا تتمتع كلها بجاذبية كرة القدم.
غير أن الرهان "الصامد أبدا" هو ما يتمتع به البرازيليون من حيوية وفرح الحياة وحسن الضيافة. عوامل أثارت الإعجاب في مناسبات كثيرة ومنها مونديال 2014، وهي سلاحهم الفتاك لجبه الصعوبات. فقد ابدى 95 في المائة من الذين قصدوا البرازيل خلال المونديال الماضي عن استعدادهم إلى العودة مجددا، وهذا رأسمال بحد ذاته.-(أ ف ب)

التعليق