الحركات المتطرفة تستغل نقص العدالة

تم نشره في السبت 28 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً
  • مقر "الدولة الإسلامية" في محافظة الرقة السورية - (أرشيفية)

سارة تشايس* - (الواشنطن بوست)

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

12/3/2015
"كان يمكن أن يحتفظ ببيتي لنفسه لولا طالبان. لقد كانوا سريعين ومنصفين". هكذا وصف أحد سكان قندهار في أفغانستان، عدالة حركة طالبان مؤخراً لصحيفة "نيويورك تايمز".
ربما تبدو مثل هذه الكلمات صاعقة بالنسبة للآذان الغربية. وقد توصف محاكم طالبان في التقارير الغربية بأنها سريعة ووحشية، لكنها لا توصف أبداً بأنها سريعة و"منصفة". ومع ذلك، تقدم هذه الملاحظة بعض التفسير لظهور ومكوث قوة الحركات المتطرفة، من أفغانستان إلى الشرق الأوسط وإلى نيجيريا. وإذا كانت الاضطرابات العالمية التي شهدتها أواخر الثمانينيات قد تغذت على وقود العجز في منسوب الحرية، فإنه يحتمل كثيراً أن تكون الحركات المتطرفة اليوم بصدد استغلال ذلك العجز في العدالة.
لم تكن كلمات القندهاري أعلاه مفاجئة بالنسبة لي. فقد عشت في قندهار لعقد كامل. وقبل أكثر من نصف دزينة من الأعوام، بدأت أسمع عن أناس عرضوا نزاعاتهم على طالبان للبت فيها. وهم أناس عاديون أناس كنت أعرفهم. وعلى النقيض من المحاكم التابعة للحكومة، لم يكن قضاة طالبان يطلبون الرشاوى، كما قال لي جيراني. كانوا يؤدون عملهم بفعالية وكفاءة. والأهم من كل شيء، أنهم لم يؤثروا الغني والقوي على الفقير والضعيف. وكانوا يصدرون إخطارات استدعاء، والتي كان حتى المستدعى الذي يتمتع بصلات جيدة يشعر بأنه ملزم بإطاعتها –خشية التعرض للانتقام في حال عدم مثوله.
بعبارات أخرى، فإن المشكلة مع المؤسسات القضائية التي كانت الولايات المتحدة وشركاؤها يدعمونها في أفغانستان، لم تكن تتعلق بكونها تطبق القوانين الغربية، وإنما بكونها لم تكن تطبق أي قوانين على الإطلاق -باستثناء قانون أعلى مقدم عطاء، والطاعة للنخبة التي تصبح المجرمة بازدياد.
ذات مرة، قال مسؤول محكمة على نحو غريب لصديقة كانت تحاول طرد أشخاص متطفلين احتلوا منزل عائلتها، بأنه يعرف أن مطالبة خصومها بالمنزل كانت مزيفة، بما أن "حجة البيع" التي زعموا أن والدها وقعها، كانت تحمل تاريخاً يزيد بعدة أعوام عن وقت مقتله على يد السوفيات. لكن المسؤول قال لها: " لكن لدى خصمك 5000 دولار لكي أقول أن الحجة صحيحة، فكم لديك للقول بأنها غير أصيلة؟"
عندما كان رئيساً، دأب حامد كرزاي على التباهي جهراً بتدخله المباشر بين فترة وأخرى في المداولات القضائية. وكانت مجموعة من بيننا، نحن العاملين على حكم القانون في السفارات الغربية والمقار العسكرية الدولية، تراقب بينما تكفي مكالمة هاتفية واحدة للإفراج عن مشتبه به من احتجاز ما قبل المحاكمة، وإهمال مذكرات التفتيش ودفن ملفات القضية من الأساس. وكانت عدالة الحكومة الأفغانية تعمل في خدمة النظام السياسي الفاسد بشكل كبير.
 ينطبق نفس الشيء على معظم البلدان التي تزدهر فيها الحركات المتطرفة. فمن أجل ضمان الحصانة لأعضاء الشبكة الحاكمة، أو من أجل إنزال العقوبة في مشاكس، يقوم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتحويل القضايا الرئيسية إلى المحاكم العسكرية التي يستطيع التأثير عليها -تماماً كما كان يفعل الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وفي آسيا الوسطى، لم يعد الشباب الممتعض يلقون بالاً للمجموعات المؤيدة للديمقراطية، وفق ما قاله ناشطون من عدة بلدان كنت قد أجريت مقابلات معهم. وبدلاً من ذلك، تجدهم يذهبون زرافات إلى المساجد. وتقول مارلين لاريل من جامعة جورج واشنطن، والعالمة البارزة في شؤون آسيا الوسطى: "إن الناس الوحيدين الذين يمارسون العدالة المجتمعية في هذه الأيام هم الإسلاميون." وتضيف: "الأطروحة التي يقدمونها هي أن النظام فاسد وغير عادل لأنه علماني. ولم تكن لمثل هذه الحجة الكثير من الأصداء في الماضي. لكن لها الكثير من الأصداء في الوقت الحالي".
بعبارات أخرى، يتم تقديم نسخة الدين التطهري المتشدد على أساس أنه بديل أكثر عدلاً بشكل حتمي عن الحكم العلماني الفاسد.
في نيجيريا، اكتسحت حركة تحبذ الشريعة الإسلامية عموم شمال البلد قبل 15 عاماً، وهو ما يشكل رعباً للمسيحيين المحليين والمراقبين الغربيين على حد سواء. وتشيع هناك بوفرة المخاوف من إجبار الفتيات على ارتداء الحجاب، أو من رجم الزناة حتى الموت.
 لكن العديد من النيجيريين أصبحوا يحللون الظاهرة راهناً بشكل مختلف. في أواخر العام 2013، قال لي يونوسا زكريا ياؤو، الذي يترأس مجموعة تعمل على مسؤولية الموازنة: "كان الفساد كثيراً جداً ببساطة. كان مستشرياً في كل مكان ومن دون تنمية. واعتقد الناس بأنهم إذا طبقوا الشريعة، فإن الفساد سيزول. كانت أيدي الناس تُقطع. لكنهم شاهدوا عندها أن المجرمين ما يزالون يحتفظون بأيديهم". يعني المجرمين في الحكومة. وقال ياؤو أن الكثير من الناس تحولوا، بسبب الخيبة، إلى البديل الأكثر راديكالية والمتجسد في منظمة بوكو حرام.
من الطبيعي أن المتطرفين في بوكو حرام، أو طالبان أو الدولة الإسلامية، لا يقدمون نموذجاً جذاباً أو مستداماً للحوكمة. ومع ذلك، برهنت حجتهم، في البداية على الأقل، على قوتها بالنسبة للعديدين. وإذا كان المسؤولون الأميركيون يريدون فعلاً مخاطبة الأسباب الكامنة وراء التطرف، سوية مع إنجازاته عسكرياً، فإنه يجب عليهم أن يولوا الاهتمام للعدالة وحكم القانون.
ويعني ذلك ما هو أكثر من مجرد بناء المحاكم أو السجون، أو توفير أجهزة الحاسوب أو التدريب التقني نيابة عن الأنظمة القضائية التي يمكن أن تكون طيعة لخدمة الأنظمة الفاسدة. ومن الطبيعي أن يكون من الأصعب صنع أثر في معظم البلدان أكثر مما كان يمكن إحداثه في أفغانستان، حيث كانت الولايات المتحدة تتمتع بكل هذا النفوذ الجامح لوقت طويل. لكن المسؤولين الأميركيين يستطيعون رفع سوية حكم القانون، على الأقل إلى نفس سوية الحريات الدينية، أو سوية حقوق المثليين في الحوارات الثنائية مع هذه البلدان. وهم يستطيعون، عندما يكون ذلك ممكناً، نشر بعض ما لدى الترسانة القانونية الأميركية ضد المسؤولين الأجانب الفاسدين، من أجل تغيير البنية المحفزة ولو قليلاً على الأقل، من خلال جعل أمر التمتع بثمار انتهاكهم للقانون بحصانة أمراً أكثر صعوبة.
[email protected]

*مشاركة رفيعة المستوى في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وهي مؤلفة كتاب "لصوص الدولة: لماذا يهدد الفساد الأمن العالمي".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Extremist movements exploit a justice deficit

التعليق