قضية أخلاقية بامتياز

تم نشره في الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2015. 12:03 صباحاً

رغم التقدم الهائل الذي حققه الطب عبر العصور، وما نتج عن ذلك من تحسن كبير في معظم المؤشرات الصحية؛ من حيث نسب الشفاء من الأمراض المختلفة، والقضاء على بعضها، وزيادة في متوسط عمر الإنسان، إلا أن حقيقة واحدة بقيت ثابتة، ونسبة واحدة بقيت صامدة وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وهي أن نسبة الموت 100 %.
وقد خاطب رب العزة نبيه في سورة الزمر بقوله تعالى: "إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ". فهو الموت نهاية كل حي، ولا ينفرد بالبقاء إلا الله. ففي الموت يستوي كل البشر. لكنها الحقيقة التي نحاول أن نتناساها ونتجاهل حتميتها. كما يتجنب الأطباء والعاملون في القطاع الصحي التطرق إليها؛ فهم ينظرون إلى الموت كما لو أنه نتيجة فشلهم، وكأن مهمة الطب تحييد الموت؛ فما إن يصبح المريض في مرحلة من لا يرجى شفاؤه، حتى يخف حماسهم للعناية به، ومعظمهم يحاولون التهرب من مواجهة هذه المهمة الصعبة.
وإذا كان لا بد من الموت، فليكن موتا كريما؛ يحفظ للشخص كرامته وإنسانيته، ويكون خاليا من الألم. فمن المعيب أن يموت ملايين البشر سنويا متألمين، بينما يستهلك أقل من خُمس البشر حوالي
90 % من المورفين الطبي المتوفر عالميا. وبالطبع، تحظى الدول المتقدمة بحصة الأسد من هذا الدواء المهم.
الأسباب الكامنة خلف هذا الخلل، وعدم استخدام هذا الدواء الفعال والرخيص نسبيا، تنقسم إلى قصور في التشريعات الناظمة لذلك، والخوف غير المبرر من أن يؤدي استخدامه الى الإدمان، إضافة إلى مخاوف من التعاطي والاتجار غير الشرعيين.
فالعناية بالإنسان يجب أن تغطي مراحل حياته كافة، وأن لا تقتصر على مرحلة الطفولة، حيث هناك من يهتم بصحته وهم الأهل؛ وفي مرحلة الإنتاج الاقتصادي، إذ تتولى الدول والمؤسسات هذه المهمة، بينما يتخلى الجميع عنه عندما يخفت صوته ويختفي في خضم الصخب الهادر والوتيرة المتسارعة للحياة من حوله.
إذ إن المرضى في مرحلة الاحتضار لا يشكلون مجاميع تصويتية تجتذب السياسيين. كما أن شركات الأدوية لا تجد فيهم زبائن مغرين يستحقون إنفاق الأموال الطائلة على الأبحاث التي تعنى بهم. أما الناشطون ومنظمات المجتمع المدني ومجموعات الضغط، فينصرفون عنهم إلى مواضيع أكثر جاذبية. وهنا يأتي دور الدول وصناع القرار في جعل الرعاية التلطيفية والعناية بالمرضى في مرحلة الاحتضار أحد أهداف الرعاية الصحية المهمة، بحيث يضعون استراتيجية تقوم على تطوير هذا التخصص ودعمه، ومد العاملين فيه بكل الموارد الضرورية لأداء مهمتهم.
وفي بلدنا، فإن هذا التخصص ما يزال في مرحلة الطفولة المبكرة؛ يحاول أن يتلمس طريقه ضمن التخصصات الطبية الأخرى. ولا بد لصناع القرار من الالتفات إليه والاستثمار فيه، وذلك بإدراج مبادئ الرعاية التلطيفية وعلاج الألم ضمن مساقات الكليات الطبية، وإنشاء برامج زمالة تخرج مختصين في هذا المجال. كما يجب تعديل التشريعات المعيقة للاستخدام الأمثل لأدوية الألم.
للوهلة الأولى، قد يبدو الحديث في هذا الموضوع، في الوقت الذي تتصدر فيه الوحشية والقبح المشهد من حولنا، من باب الترف الفكري. لكن رغم قتامة المشهد، يبقى المعيار الأهم لرقي الأمم وتحضرها متمثلاً في مدى رعايتها للشرائح الأضعف بين ظهرانيها.

*مدير عام مركز الحسين للسرطان

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (حمدالله حسن الحاج ابراهيم)

    السبت 2 أيار / مايو 2015.
    الموت والحياة بيد الله عز وجل ‚ و على الطبيب ان يقوم بواجبه اتجاه المريض بكل ما اتي من علم وخبرة ومهارة مهما كانت الحالة الصحية للمريض وعليه ان لا يتهاون في علاجه لكبر سنه او لسوء حالته وان لا يقتصر العلاج على تخفيف الالم والعد التنازلي لحياة المريض
    ويجب ان لا ينسى انه سبب وان الشافي هو الله
  • »السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (حمدالله حسن الحاج ابراهيم)

    السبت 2 أيار / مايو 2015.
    الموت والحياة بيد الله عز وجل ‚ و على الطبيب ان يقوم بواجبه اتجاه المريض بكل ما اتي من علم وخبرة ومهارة مهما كانت الحالة الصحية للمريض وعليه ان لا يتهاون في علاجه لكبر سنه او لسوء حالته وان لا يقتصر العلاج على تخفيف الالم والعد التنازلي لحياة المريض
    ويجب ان لا ينسى انه سبب وان الشافي هو الله
  • »السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (عبدالحميد ابوعون)

    السبت 2 أيار / مايو 2015.
    بارك الله فيك اخي الكريم فهذا هو ما يجب علينا ان نعمل لأجله
    وليت هذا الموضوع يصل إلى العامة.
  • »مقال رائع ودعوة في مكانها (فراس الحمد - كاتب وباحث)

    السبت 25 نيسان / أبريل 2015.
    دعوة كاتب المقال في مكانها ويجب دعم شريحة كبار السن عبر الرعاية الطبية الراقية
  • »قضية أخلاقية (نريمان لبيب)

    الجمعة 24 نيسان / أبريل 2015.
    حقيقة رائعة بان نسبة الموت ١٠٠٪ لكنها حقيقية أليمة و هذا سبب تهرب المجتمع منها
  • »العنايه التلطيفيه (مها عطعوط)

    الجمعة 24 نيسان / أبريل 2015.
    اشكرك د.عاصم على هذا المقال المهم جدا . انا ادرس الان في إنجلترا في جامعة نوتنجهام دكتوراه في تخصص العنايه التلطيفيه للأطفال مساق بحث (تمريض). وحقًّا لمست الفرق الكبير بين اهتمام الغرب بالنواحي النفسيه والتلطيفيه للمرضى في حالة الاحتضار وبين ما تعانيه بلادنا من قلة وعي باهمية هذا الموضوع . للأسف لا زالت النظره سائدة ان العنايه التلطيفيه هي فقط لمرضى السرطان . بينما نرى جميعا كم يعاني مرضى اخرون وللاسف يتم التعامل معهم باهتمام اقل من مرضى السرطان. الوضع حاليا أفضل بكثير من سابقا ولكن نحتاج مجهود على مستوى وطني أبحاث وتشريعات من اجل النهوض بهذا الجانب المهم في القطاع الطبي
  • »رائع حقا (محمد جرادات)

    الخميس 23 نيسان / أبريل 2015.
    طرح انساني متخصص رفيع أخلاقيا و قيميا .. كل المحبة لك و للفيف الأطباء المحترمين الذين علقوا بكلمات جميلة و بمبادرات كريمة كالدكتور نبيل خروفة و غيره.
  • »الرعاية التلطيفية (الدكتور نبيل خروفة. اختصاص طب نووي)

    الأربعاء 22 نيسان / أبريل 2015.
    اؤيد ما جاء في مقال الدكتور عاصم منصور في الحاجة الى تخفيف معاناة مرضى السرطان من الالم.
    نحن في مستشفى الاشعاع والطب النووي في مدينة الموصل في العراق قمنا بمبادرة انشاء عيادة خاصة للرعاية التلطيفية منذ عام 1995 تحت تسمية عيادة الالم ولي الشرف ان كنت احد العاملين في هذه العيادة حتى احالتي على التقاعد في عام 2012.
    ولكوني الان اعيش في عمان وقريب من مركز الحسين للسرطان فانا على استعداد للتطوع للعمل في هذه العيادة اذا تم انشائها.
    في حالة الحاجة للاتصال بي على الرقم : 0786423795
    او البريد الالكتروني nkharrufa@yahoo.com
  • »الرعاية التلفيقية (د، عايدة النجار)

    الأربعاء 22 نيسان / أبريل 2015.
    الاهتمام بالضغفاء في مراحل عذابهم الاخيرة يعتبر من أنبل الاعمال الانسانية والطبية ، نعم انها قضية أخلاقية بامتياز يا دكتور ، تحياتي
  • »الرعاية التلطيفية (الدكتور عصام ابوخرمه)

    الاثنين 20 نيسان / أبريل 2015.
    كل الشكر والتقدير للدكتور الفاضل عاصم منصور واتفق تماما بما جاء فيه الدكتور بخصوص الرعاية التلطيفية بكل ما يتعلق بمسكنات الالم وبرأيي ان الآلام الحادة لايتحملها آدمي على الاطلاق والمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا اذا شكا منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.لذلك قمة الاحساس ان تشعر بآلام الاخرين وتتعايش معهم وتأخذ بايديهم.
  • »الشكر (محمد الشرعه)

    الأحد 19 نيسان / أبريل 2015.
    كل الشكر للدكتور على هذا المقال الرائع والدي يعاني من مرض وكل ما أتمناه أن اخفف الألم عن أبي الغالي
  • »الدعم النفسي و علاقتك بقاتل ان الألم (صهيب ابو ناصر)

    الأحد 19 نيسان / أبريل 2015.
    أشكرك دكتور عاصم على هذا النضوج الرائع في مستوي الكتابة و دمج الطب بالمسائل الدينية و الأخلاقية ، و انا من وجه نظري بلإضافة الى قاتلات الألم في تخفيف حدة الأمراض فان الجانب الإيماني عند كلا من المريض و الطبيب و الدعم النفسي خصوصا في الأمراض المزمنة يلعب دورا هاما في تحسن و تلطيف مستوي المرض أضف لذاك النقاهة اثناء العلاج
  • »اسكن في الولايات المتحده الامريكيه (لانا الطيب)

    الأحد 19 نيسان / أبريل 2015.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اشتقت ا لى بلدي الاْردن الغالي
    انا أوافقك على هذا المقال الرائع والهادف وانا طالبت فيه سابقا عندما كانت ابنتي المرحومة تتعالج في المركز ولكن مع الأسف لم اجد اي استجابه
    بارك الله فيك وجزاك الله خيرا
    مع الشكر
  • »تخصص مطلوب (الاستاذه وسام روحي البكري)

    السبت 18 نيسان / أبريل 2015.
    أتفق معك يا دكتورنا الكريم ,, نحن ليتنا نعامل المريض في آخر ايامه المعامله الحسنه , فالكل يتأفف من ألمه و يدعو له بالراحه و الموت السريع ليرتاح , و لا نعلم و لا ندرك مدى الآلاام التي يعانيها ,في معاملة الخيل يطلقون رساصة الرحمه ليقييهم ألامهم المبرحه , و نحن البشر لا ننال هذه الرصاصه و لو بكلمة طيبة او بعلاج ينسينا آلاامنا ,,,,كم رأيت من أقاربي من عانوا آلاما مبرحه و تمنوا الموت في اليوم الف مره لينهوا عاذاباتهم , و كم أحسست بآلاامهم و بكيتهم لعدم قدرتي على تخفيف ألاامهم و تركهم يلاقون مصيرهم بلا رافه او رحمه تحت قول لا علاج له و التخفيف عنه مكلف و اهدار للمال و الجهد.. لم يضع دكتور واحد نفسه بدل هذا المريض الذي يصرخ من شدة آلامه و لم يفكر احد بالكم الهائل من الآلام التي يحملها و لا يحتملها ,,,أتمنى ان ينظر في هذا الأمر بجديه و يتم نقاشه و وضع ميزانيه له ,,,فنحن محاسبون امام الله أن كان لدينا الحلول و لم نستنزفها.
  • »د. محمد بشناق-رئيس الجمعية الاردنية للرعاية التلطيفية وعلاج الألم (د.محمد بشناق)

    الجمعة 17 نيسان / أبريل 2015.
    حضرة الدكتور عاصم منصور..اشكرك على هذا المقال القيم واتفق معك في طرحك واقتراحاتك. لقد تشرفت بالعمل في مركز الحسين للسىرطان وانتهز هذه الفرصة للتوجه الى هذه المؤسسة الرائدة حتى تأخذ دورها للتعاون مع الجهود الوطنية الرامية الى نشر الرعاية التلطيفية في ربوع الوطن. اننا ننفق الملايين في سبيل توفير العلاج لمرضى السرطان ونقف عاجزين عن تخفيف الالم والمعاناة عن المريض. علينا ان نتفق ان من حق المريض ان لا يشعر بالالم ولا الخوف ولا المعاناة في كافة مراحل حياته. لم لا نعمل معا الى تحويل هذه الرؤية الجميلة الى واقع ضمن خطة وطنية شاملة ونقدم مشروعا حضاريا نفاخر به العالم؟ لك مني كل الاحترام والتقدير واطيب التحيات.
  • »تخصص مهم (الدكتور محمد ابو سليم)

    الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2015.
    اتفق مع الدكتور عتصم فيما ذهب اليه فتخصص الرعاية التلطيفية مهم جدا لتخفيف الام المرضى و علاج الاعراض المختلفة و على رأسها الالم و هو الشيء الذي لا نوليه اهميه كبرى و نتعامل معه كما لو كان شيء لا مندوحة عنه بينما الغرب لا يقبل ام يتلألم المريض.فالمريض في مرحلة ما لا بد ان يحتاج لهذا التخصص خاصة عندما يستنفذ الاطباء كل ما لديهم من ادويه لشفائه عندها يأتي دور الرعاية التلطيفية .