حان وقت الواقعية في الشرق الأوسط

تم نشره في الثلاثاء 5 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • وزير الخارجية الأميركية جون كيري أثناء إحدى زياراته للرئيس محمود عباس - (أرشيفية)

كريستوفر هِل*

دنفر- لم يكن التعامل مع الشرق الأوسط بالمهمة اليسيرة على رؤساء الولايات المتحدة طيلة العقود السبعة السابقة. فتاريخياً، كان دعم إسرائيل وحقها في الوجود ضمن حدود يمكن الدفاع عنها في احتياج إلى توازن دقيق في مقابل الحاجة إلى الدفاع عن ممرات الشحن الملاحية للنفط وحماية إمدادات الطاقة العالمية. ولكن الصعوبات التي واجهت الإدارات الأميركية السابقة تتضاءل مقارنة بتلك التي خلقتها تحديات اليوم في منطقة الشرق الأوسط.
ما تزال إسرائيل هناك، ولكنها أصبحت حليفاً أكثر صعوبة. والواقع أن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي في آذار (مارس) الماضي بدعوة من خصوم الرئيس باراك أوباما المحليين، تسبب في تعريض قضية أساسية في السياسة الخارجية لتشوهات الاستقطاب الحزبي العميق والمعَطِّل في أميركا.
في الوقت نفسه، أصبح ضمان إمدادات النفط وممرات الشحن الآمنة أكثر تعقيدا، لأن الولايات المتحدة يجب أن تلعب الآن على رقعة الشطرنج الكاملة للقضايا العربية. والأمر الأسوأ هو أنها بدت في بعض الأحيان وكأنها تلعب معصوبة العينين، في ظل ثغرات كبيرة بين الواقع المحلي وفهم صناع السياسات لهذا الواقع.
عندما بدأ الربيع العربي قبل أربع سنوات، اندفعت الولايات المتحدة غريزياً إلى ممارسة الضغوط من أجل تغيير النظام في ليبيا، وسورية، ومصر، في حين دافعت عن النظام الدستوري الجديد في العراق. وينبغي لنا أن نقرأ النتائج باعتبارها رواية تحذيرية لأولئك الذين يسعون إلى المكافأة الفورية من خلال تغيير النظام. ورغم الإطاحة ببعض القادة البغيضين، فإن ما أعقب ذلك كان أشد سوءا. كان التأثير الرئيسي المترتب على تغيير النظام تعزيز الهويات الطائفية وإضعاف احتمالات بقاء الدول القومية القائمة.
والآن، يتم فرض المفاوضات العالية المخاطر مع إيران حول برنامجها النووي فرضاً على تعقيدات القضايا العربية. وقد اتُّهِمَت إدارة أوباما بالرغبة الشديدة في إبرام هذا الاتفاق وعدم القدرة على الانسحاب. لكنه إذا كان هذا الاتهام صحيحاً، فإنه لا يرجع إلى رغبة أوباما الشديدة في الوفاء بالتعهد الذي بذله في حملته الانتخابية في العام 2008 بالتفاوض مع أعداء أميركا وإيجاد أرضية مشتركة معهم.
الأمر الأكثر أهمية هو أن بدائل هذا الاتفاق القابلة للتطبيق شديدة الندرة. فإيران بكل المقاييس مجتمع منقسم بشدة بين أولئك الذين يريدون لبلادهم أن تكون عضواً محترماً في المجتمع الدولي وهؤلاء الذين يرون أن أفضل وسيلة لخدمة مكانة إيران الدولية تتلخص في برنامج الأسلحة النووية. ويبدو أن العقوبات الدولية المفروضة على إيران تساعد الطرف الأخير وليس الأول.
قد يكون هذا صادقاً إذا كانت إيران دولة ديمقراطية تامة النضوج، وخاضعة للمساءلة لدى شعبها حقاً. لكن هناك القليل من الأدلة التي قد تشير إلى أن العقوبات نجحت في تحقيق أي شيء لإبطاء برنامج إيران النووي. وعلاوة على ذلك، في الكثير من الحالات، ربما يكون التأثير الأوضح للعقوبات هو إهلاك الطبقة المتوسطة وإضعاف الأقل قوة وليس تحفيز قادة إيران وحملهم على السعي إلى عقد صفقة.
يرى كثيرون من الأميركيين أن المواجهة مع إيران هي صراع ثنائي أشبه بتكرار للمحادثات النووية مع الاتحاد السوفايتي. ومن بعض الجوانب، يعكس إصرار مجلس الشيوخ الأميركي على القيام بدور في الموافقة على الاتفاق النووي شكلاً من أشكال عقلية العودة إلى المستقبل: فإذا كانت اتفاقيات مثل (SALT) و(START) هي معاهدات ملزمة قانوناً بين دولتين، فيجب أن يكون الاتفاق مع إيران كذلك.
لكن الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه مع إيران متعدد الأطراف؛ إذ يشارك فيه كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا. ويتلخص جزء من وظيفة أوباما في ضمان تفهم الشعب الأميركي لحقيقة أن مصير الاتفاق ليس بيد الولايات المتحدة وحدها.
إن ما نطلق عليه وصف أطراف المحادثات ليست الدول الوحيدة التي لديها مصلحة كبيرة في النتائج. فقد كان العالم العربي شديد القلق وهو يراقب الاتفاق النووي. ومن الواضح أن الصراع الشيعي السُنّي المتصاعد، جنباً إلى جنب مع التدخل المتهور من إيران الشيعية في بلدان ذات أغلبية سُنّية، كان سبباً في زيادة الشكوك في المنطقة بدرجة كبيرة حول أي اتفاق. والواقع أن الزعماء الدينيين في إيران لا يخفون رغبتهم في فرض هيمنتهم الإقليمية، إن لم يكن زعامة العالم الإسلامي.
يعود انعدام الثقة بين الإيرانيين والعرب إلى ما قبل الانقسام الشيعي السُنّي الأخير؛ وفي العصر الذي من المرجح أن يتذكره الناس باعتباره عصر الزعامة الضعيفة في مختلف مناطق العالم، ينظر العرب إلى المحادثات النووية وكأنها تدور حول شيء أكثر جوهرية من مجرد الحد من التسلح. ولكن، وفي ظل الاضطرابات التي تجتاح العالم العربي، هل تسعى الولايات المتحدة إلى بناء إطار استراتيجي بديل في المنطقة، في هيئة شراكة متجددة مع إيران؟
يرى العديد من الأميركيين الذين يتذكرون إيران بشكل أفضل أن هذا السيناريو ربما يكون غير جذاب في أقل تقدير. ومع ذلك، فإن إيران تبدو من منظور العالم العربي عنصراً أكثر استقراراً في المعادلة الإقليمية، وهي لاعب يستعد للانطلاق إلى الأمام.
لذلك، تولي الولايات المتحدة قدراً متزايداً من الانتباه لهذا النوع من التفكير في العالم العربي، وهي تغازل المملكة العربية السعودية بنشاط. بل إن الدعم الضمني الذي تقدمه أميركا لحملة القصف التي تشنها المملكة العربية السعودية في اليمن يشير إلى السبل التي قد تطرقها الولايات المتحدة لمعالجة المخاوف العربية السُنّية.
بشكل عام، سوف تتطلب مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" وتحقيق الاستقرار في العراق وسورية وليبيا واليمن جهوداً دبلوماسية حثيثة وشاملة تبذلها الولايات المتحدة. وهذا يعني تبديد المخاوف السعودية، وإعادة بناء العلاقة مع مصر، والتواصل مع إيران -وهي الأولويات التي تستند إلى واقع البيئة الإقليمية المعاصرة. ولا بد أن تكون الأولوية الأولى -بالنسبة لأوباما وخليفته على حد سواء- هي تفسير لماذا كانت الأخطاء الجسيمة التي ارتُكِبَت في الماضي القريب سبباً في جعل مثل هذا النهج الواقعي الخيار الوحيد المعقول.

*مساعد سابق في وزارة الخارجية الأميركية لشؤون شرق آسيا، وكان سفير الولايات المتحدة إلى العراق، وكوريا الجنوبية، ومقدونيا وبولندا، والمبعوث الأميركي الخاص إلى كوسوفو والمفاوض في اتفاقات دايتون للسلام.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وقت الواقعية (هاني سعيد)

    الثلاثاء 5 أيار / مايو 2015.
    صح النوم حان وقت الواقعية عن اي واقعية يتكلمون واقعية امريكا ام اسرائيل نتنمنى من احد ان يفسر لنا العنوان لأن المقال لا بوضح شيء وليس فيه اي نوع من الواقعية
    هل انتهى دور الولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط وتم لها ما ارادت من تخطيط على يد مستشاريها البواسل وعملائها الخون ام ان ما زال الكثير !!!!