امتحان التوجيهي: النوايا الطيبة لا تكفي

تم نشره في الثلاثاء 5 أيار / مايو 2015. 11:00 مـساءً

حسني عايش

هل حسّن امتحان الثانوية العامة منذ الأخذ به إلى اليوم التعليم والتعلم؟
إذا كان مقياساً لذلك فقد فشل تماماً فيهما، فالكل يشكو من تدهور التعلم والتعليم، ومن دفع الامتحان التلاميذ والأهلين إلى الدروس الخصوصية والغش في الامتحان بالحيلة أو بالوسيلة أو بالقوة والعنف.
 قد يرى واحد العكس فيدعي أنه منع المزيد من التدهور، ولكنه لم يفعل لأن تعلم التلاميذ الذين يجلسون له يزداد سوءاً سنة بعد أخرى لأسباب وعوامل كثيرة على رأسها ضعف المعلمين والمعلمات في موادهم وفي أساليب تعليمهم لها، وتراجع الالتزام بالواجب عند غياب الرقيب عند كثيرين منهم، وعدائية مرافق المدرسة وبيئتها للتعلم والتعليم، علاوة على سوء الإدارة بمستوياتها المختلفة التي هي في النهاية المشكلة والحل.
ولعجز المسؤولين عن إصلاح الاعوجاج الإداري والتعليمي، وبخاصة إذا كانوا وزراء عابرين، فإنهم يلجأون إلى أسهل الطرق وأسرعها لإصلاح الاعوجاج، وهي الامتحانات زيادة أو صعوبة أو جعلها مركزية فلا تنصلح الإدارة ولا ينصلح التعليم والتعلم وإنما تزداد اعوجاجاً والمناخ المدرسي والمجتمعي توتراً وطوارئ وغشاً، وإنفاقاً إضافياً على الدروس الخصوصية.
لقد قام الوزير الحالي الأستاذ محمد الذنيبات بفحص الإدارة فاكتشف فيها الخراب والفساد وأعلن عنهما بقدر ما يمكن، كما قام بإصلاحات تعليمية جيدة من مثل اختبار مدى إتقان المعلمين والمعلمات المرشحين للتوظيف في موادهم..
إن نوايا الوزير طيبة ولكنها لا تُلبى بإجراء امتحانات مركزية بوليسية لتلاميذ (أطفال) في صفوف ومواد مختارة من التعليم الأساسي.
تبدو الخطة عظيمة في نظر الناس العاديين وغير المطلعين على البحوث التربوية في علم النفس وعلم الاجتماع، وأنها في نظرهم ستجبر التلاميذ على الاجتهاد والمدرسة على الانضباط.
نعم، قد تبدو الأمور كذلك، ولكن هذه النظرة سطحية إذ إن الامتحانات المركزية ستكرر سلبيات امتحان الثانوية العامة وربما أكثر، كما أنها لن تساعد في تكوين شخصيات سوية ومبادرة ومبتكرة وقيادية وتعاونية للتلاميذ.
المطلوب تعليم جيد على مدار الحصة واليوم والأسبوع والشهر والسنة، وأنشطة منهجية مرافقة، وتقييم لتعلم التلاميذ أولاً بأول لمعرفة مدى ما اكتسبوا، ومساءلة المعلمين والمعلمات والإدارة عليه، وإلزامهم بسد الفراغات او الثغرات فيه أولاً بأول، وبحيث لا يرسب تلميذ سوى (معوق عقلياً) في أي مادة لأن الطفل السوي قادر على تعلم أي شيء يعلمه بصورة صحيحة.
إن جميع التلاميذ في المرحلة الأساسية في مدارس الدنمارك – مثلاً - يتعلمون جيداً بتعليم جيد ويرفعون من سنة إلى أخرى دون أن يسمعوا بكلمة أو مصطلح (امتحان)، وإن التربويين الأمريكيين الذين يزورون الدانمارك يتحسرون عندما يرون ذلك لأن طبيعة نظام التعليم الأميركي وامتحاناته الكمية الكثيرة لا تسمح لهم بنقل التجربة الدنماركية إلى بلدهم. ولكننا نرى وزارة التربية والتعليم في بلدنا العزيز تنقل امتحاناته المركزية الجديدة عن أميركا بدلاً من أن تتعلم من الخبرات التربوية الأوربية المتطورة الأقرب إلينا. ففي أمريكا يوجد أكثر من خمسة عشر ألف إدارة تربوية مستقلة عن بعضها البعض، ونظام رأسمالي لا يرحم ولا يهمه رسوم أو تسرب للأطفال وإن اشتكى المربون بمرارة منهما.
كما ان الامتحانات هناك هي احد اكبر المصالح التجارية لعدد كثير من الشركات الامتحانية والعاملين فيها وعلى رأسها شركة (SAT) المعروفة، إنها تبيع الأسئلة لمن يشتري ويدفع من المدارس والجامعات وغيرها حتى في الأردن.
يوجد نقاد ومربون شتى في أميركا يعارضون ذلك، ولكنهم لا يستطيعون وقف هذا "البزنس" أو التيار بعد أن أطلق وامتد واشتد وشُرّع.
أما الأجانب الذين يزورون المدارس الأميركية فيعجبون بها من الخارج والظاهر ويكتفون به، ولا يطلعون على الوجه الآخر أو الخفي منها، ولذا فإنهم سرعان ما يدعون إلى تقليدها.
وحتى نحن هنا في الأردن نلاحظ أن زوار بلدنا ومدارسنا وجامعاتنا يعجبون بها ويظنون أنها "عال العال" في كل شيء، لأنهم لا يطلعون على الخفايا أو الوجه السلبي لها، فيقرر بعضهم النقل عنا والتعلم منا كما نفعل نحن بالنسبة لأميركا.
ان هدف وزير التربية والتعليم من إجراء الامتحانات المركزية لبعض المواد والصفوف في المرحلة الأساسية نبيل ويستحق الشكر عليه، ولكننا ننسى ان الامتحانات المركزية تفسد التربية والتعليم، فالتلاميذ ينشغلون بتحزر الأسئلة التي تأتي في الامتحان وبالدروس الخصوصية التي سيتسع مداها وكلفتها، وبالغش في الامتحان بأية وسيلة ممكنة، وبتعاون المعلمين والإدارة مع التلاميذ في هذا الغش، وكما هو حاصل في أميركا الآن وكما هو موثق، وأرجو أن أتمكن من اطلاعكم عليه.
وبالتركيز على مواد معينة في الامتحان سيهمل التلاميذ والمعلمون والمعلمات الآخرون الاهتمام ببقية المواد التي يُعلمون ولا تطلب في الامتحان كالتاريخ والجغرافيا... والأنشطة كافة، وسيتقلص المنهاج سنة بعد أخرى نتيجة ضغط الامتحانات، وكما هو حاصل في أميركا بالضبط.
 أعرف أن هذا النقد من كاتب واحد لن يلغي القرار الخاص بالامتحانات المركزية الجديدة وقد صدر، ولكنه لا يستطيع إلا أن يقول كلمته فيها إرضاء لضميره في خدمة الحقيقة والمجتمع سواء قبلت أو رفضت.

التعليق