نزار قباني وأبو تريكة.. وعائلة ميديتشي

تم نشره في الاثنين 11 أيار / مايو 2015. 12:04 صباحاً

ليس يثير الغضب والسخرية، في آن، أكثر من لجوء شبيحة نظام بشار الأسد، لاسيما مندوبه في الأمم المتحدة، إلى استحضار أقوال الشاعر السوري نزار قباني، للتغني بدمشق، تباكياً كاذباً عليها وعلى سورية التي دمرها النظام المستبد الفاسد ذاته. فهؤلاء يظنون، وليس غريباً عنهم إن كانوا لا يعرفون، أن نزار كان ممنوعاً من دخول سورية إلا جثماناً. بل ويمكن القول إنه حتى السماح بدفنه في دمشق كان بسبب الإحراج الذي شعره النظام المتنكر للشاعر الكبير، عندما بادر جلالة الراحل المغفور له الحسين بن طلال إلى الإيعاز بالتكفل بعلاج نزار في مرضه الأخير. فأغلب الظن أن نزار، لولا اللفتة الهاشمية، كان سينتهي في إحدى المقابر العربية أو الأجنبية، أسوة بكثير من النخب السورية التي ما ارتكبت إلا "جريرة" المعارضة السياسية السلمية الخالصة للنظام، علماً أنهم برغم ذلك محظوظون، إذ لم ينتهوا إلى السجون التي تُعد بحق -كما وصف مصطفى خليفة في شهادته "القوقعة"- أكبر تجمع للجامعيين السوريين!
مرة أخرى، فإن "الربيع العربي" ما كان لينشب، محرقاً الجميع، لولا مطاردة واعتقال وتصفية النخب الفكرية والعلمية والثقافية في بلدان الثورات. فعدا عن أن الاحتفاظ بهم كان يعني إقامة وطن حقيقي؛ كرامة وحرية وفرصاً وأفقاً، فإن هذه النخب كان ستؤدي بدورها إلى تعزيز التنمية بأشكالها ومستوياتها كافة، بما يحمي الشعب والنظام معاً، وبالتالي الدولة. لكن يبدو أن البعض لا يريد أبداً أن يتعظ من كل ما جرى، ويظن أنه يستطيع إدارة عقارب الساعة إلى الوراء؛ إنما كسباً لوقت قصير جداً.
فبعد إحالة أوراق وائل غنيم، المتهم بإشعال "ثورة يناير"، إلى لجنة للنظر في تجريده من الجنسية المصرية، يتم التحفظ على أموال اللاعب الاستثنائي في أدائه وأخلاقه، وبالتالي في إجماع المصريين على محبته، محمد أبو تريكة، ودائماً بالتهمة ذاتها: "الانضمام للإخوان المسلمين"! وليس غنيم وأبو تريكة إلا اسمين ضمن قائمة طويلة لنخبة من المصريين الممنوعين من السفر، أو المهددين بالاعتقال في حال عودتهم من بعض أعرق جامعات العالم، كما حال الدكتور عماد شاهين، مثلاً، من جامعة هارفارد.
أمام كل هذه النماذج، لا يبدو ممكناً إلا استحضار موقف "عائلة ميديتشي" الإيطالية، ممن يعتبر أعظم فناني عصر النهضة؛ مايكل أنجلو. فمايكل أنجلو الذي اكتشفه ورعاه وتسبب في شهرته أفراد عائلة ميديتشي الثرية والحاكمة في مدينة فلورانسا الإيطالية، أمضى عقوده الثلاثة الأخيرة، معارضاً شرساً لهذه العائلة التي رآها خطراً على تقدم مدينته، ومؤيداً بالتالي للجمهورية. وقد بلغ في معارضته أن صار يخشى على حياته، بحكم تنفذ "الميديتشي" حد احتلال أحدهم كرسي البابوية.
لكن عندما مات مايكل أنجلو في روما عن سبعين عاماً، بشكل طبيعي، كان ما قامت به العائلة هو اختطاف جثمان الفنان وإعادته إلى فلورنسا، فقط لتنظيم جنازة مهيبة له، ودفنه في مدينته، إذ لا يجوز أن يُنسب لغيرها، حتى وإن كان مناوئاً لحكامها!
ولعل هذا ما يلخص استحقاق عائلة "ميديتشي" في المحصلة لقب الأب الروحي لعصر النهضة الأوروبية ككل، كما توصف فعلاً، برغم خطايا ارتكبتها على امتداد مسيرتها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الرأي والرأي الاخر (هاني سعيد)

    الاثنين 11 أيار / مايو 2015.
    يجب ان يراعى ياسيد خالد وانا اخاطب خالد لأنه كان صديق العمر الرأي والرأي الاخر في المقالات السياسية لأن سماع وجهة نظر واحدة لا تكفي ولا بد من سماع الطرف الاخر رجاء !!!!!