النكبة الفلسطينية: كارثة إسرائيل

تم نشره في الجمعة 15 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • الفلسطينيون والأرض، ارتباط لا ينتهي. رسم للفنان الراحل ناجي العلي - (أرشيفية)

الدكتورة فاسي فلانزا* - (بالستاين كرونيكل) 12/5/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

"بالقوة العسكرية، احتلت القوات اليهودية 78 % من فلسطين في العام 1948، ودمرت 675 بلدة وقرية، تاركة 15 % فقط من مواطنيها الفلسطينيين تحت حكم القوات اليهودية. هذه المنطقة من فلسطين سميت إسرائيل". - (سلمان أبو ستة)
تشكل النكبة الفلسطينية كارثة بالنسبة للمستعمرين اليهود وذريتهم: فقد حولت الناس الذين كانوا ذات مرة ضحايا ناجين من معاداة السامية الأوروبية والهولوكوست إلى إرهابيين وقتلة ولصوص وعنصريين، وكذابين -ليكونوا صورة في المرآة لمضطهديهم السابقين. ولطخت الفرشاة المنحرفة نفسها سمعة الأمم المتحدة والحكومات الغربية، باعتبارهم متعاونين مع المجتمع الأكثر مرضاً وسادية في العالم على الإطلاق.
كانت نكبة 1947-1948 تنفيذاً للإرهاب المنظم والوحشي الذي ورد في "خطة دالت"، مع الهدف الواضح المتمثل في التطهير العرقي لفلسطين من الفلسطينيين الأصليين في إطار السعي الصهيوني إلى خلق مجال حيوي. وتمتد هذه النظرة التوسعية في الأرض من نهر النيل إلى نهر الفرات، لصالح العنصريين الذين اختارهم الرب (سفر التكوين 15:18). وفي واقع الأمر، شكلت هذه الفكرة السياسة التي انتهجتها الإمبريالية الصهيونية لإعادة هيكلة الشرق الأوسط بطريقة عنصرية (إحلال الأوروبيين محل العرب) بدءا من دولة إسرائيل اليهودية.
أكثر من 700.000 من الفلسطينيين المروَّعين المجردين من ممتلكاتهم وأموالهم ومنازلهم وبساتينهم ومواشيهم وأراضيهم، الهاربين من المذابح على يد الميليشيات اليهودية التي لا ترحم، تم طردهم من وطنهم قسراً، وأصبحوا، منذ 67 عاماً، لاجئين بلا جنسية ولا دولة، محتشدين في 59 من المعتزلات في لبنان والأردن وسورية والضفة الغربية وقطاع غزة: لاجئين يتمسكون بقوة بالمحبة وبمفاتيح منازل عائلاتهم المتجذرة في أصل تربة فلسطينهم القديمة، والتي دمرها أو استولى عليها وسكن فيها المعتدون اليهود المنيعون أخلاقياً أمام الإحساس الإنساني بحال مالكيها البائسين المنفيين:
"بيت جدي الكبير (إسماعيل محمود خليل النجار) في لفتا الفوقا/ القدس (صيف 2013)، ما يزال قائماً، يحتله اليهود. ويقال إن قبره موجود في مكان ما في الأرض خلف المنزل...
إنه واقع لا يغتفر ... لفتا أصبحت أطلالاً يُحتفظ بها فقط كموقع "تراثي" بينما سكانها وأحفادهم، وبضعهم موجودون هنا تماماً في القدس، يمرون بها ويستطيعون أن ينظروا إليها فقط بمشاعر الغيظ والغضب". - (ريما النجار)
اليوم هو يوم النكبة، تماماً كما كان الأمس وكل الأيام رجوعاً إلى الانتداب البريطاني في العام 1922، الذي خان التزاماته القانونية بالاحتفاظ بفلسطين كوديعة حتى استقلالها.
على أساس يومي تحدث جرائم الحرب الصهيونية، من عمليات الهدم غير المشروعة للبيوت، وعمليات الطرد والإخلاء واحتلال منازل الفلسطينيين. كما أن التعذيب المفروض من الخوف والتوتر وفقدان الأسر الفلسطينية قاس إلى حد يعز عن الوصف.
في 4 أيار (مايو) 2015، أمرت المحكمة الصهيونية بإزالة القرية البدوية، سوسيا، في جنوب الخليل. وفي 5 أيار (مايو) 2015، صدر الأمر لقرية العراقيب التي تم هدمها عن بكرة أبيها 83 مرة على أراضيها البدوية تقليدياً، بدفع 500.000 دولار لتغطية تكاليف الهدم! ولم يوجد للانحطاط العقلي الذي يمكن أن يمارس مثل هذا الابتزاز والظلم المقيت على الضحايا منذ الرايخ الثالث.
في العام 2014 وحده، في الضفة الغربية، تم هدم 493 من المرافق الفلسطينية في أعمال إرهاب دولة، وهناك 11.000 من أوامر الهدم التي تنتظر التنفيذ.
مثل هذه الأوامر تذكرنا بأمر "مصادرة الأملاك" النازي الذي يقطع شوطاً طويلاً في شرح العقلية المتعجرفة للصهاينة الذين يعيشون بلا حشمة ولا خجل في المنازل والأراضي المصادرة ممن أصبحوا الآن 7.2 مليون فلسطيني محرومين من الحق غير القابل للتصرف بالعودة إلى ديارهم بسبب سياسات الحكومات الصهيونية المتعاقبة.
وفي الوقت نفسه، يُمنح حق الهجرة إلى إسرائيل لجميع اليهود الذين يتم اجتذابهم بشكل رئيسي من المتعصبين اليهود المسعورين المتطرفين من الولايات المتحدة الأميركية، والذين يسكنون في المستعمرات الطفيلية غير القانونية التي تستنزف أرض ومعيشة الفلسطينيين العرقيين.
هؤلاء الإرهابيون الاستعماريون يشكلون طليعة 400.000 من ميليشيات المستوطنين المسلحة غير القانونية، والذين يقومون -بحصانة من الدولة بنسبة 100 %- بتهديد المزارعين، واقتلاع أشجار الزيتون والبساتين، وإغلاق الأراضي الزراعية القريبة أمام أصحابها الفلسطينيين، وتجريف الأراضي الزراعية الفلسطينية، ويستهلكون ثلثي المياه الفلسطينية، ويفرغون النفايات الصلبة بجوار القرى الفلسطينية، ويقومون بإلقاء البراز والبول على الفلسطينيين، ويقومون بتخريب المقابر والمساجد والكنائس ويحرقون السيارات، ويسرقون القطع الأثرية من المواقع التاريخية والأثرية، ويدمرون البنية التحتية للمياه والكهرباء، ويشنون غارات الكر والفر لضرب الفلسطينيين عمداً، بمن فيهم الأطفال، ويضايقون تلاميذ المدارس، ويمارسون الاعتداء الجسدي والقتل. وفي مجتمع محترم، كان مثل هؤلاء الجناة المختلين الذين يرتكبون هذا الإجرام المستشري سيوضعون في المصحات العقلية.
بشكل حتمي، يلوث هذا التطرف العنصري الجيش الصهيوني أيضاً، بطريقة تماثل الشعور المقلق بالمتعة والتسري بالتعذيب والقتل، الذي وثقته المخابرات البريطانية عن تجارب الحرب المسجلة للجنود النازيين. وفي 4 أيار (مايو) 2015، نشرت المنظمة الإسرائيلية غير الحكومية، "كسر حاجز الصمت"، تقريراً بعنوان "هكذا قاتلنا في غزة"، والذي ضم شهادات مروعة عن عقيدة "أطلق النار لتقتل" الوحشية، وجرائم الحرب، وعمليات الانتقام والقصف العشوائي التي ارتكبها الجنود الصهاينة خلال الحرب الصهيونية التي استمرت 51 على شعب غزة الأسير. وجاء في تلك الشهادات:
"إذا أطلقت النار على شخص في غزة، فذلك شيء عادي، ليس شيئاً كبيراً". (ص 55)
"كان هؤلاء الرجال سعيدين جداً، مجنونين تماماً". (ص 83)
"أخلاقك تضيع بعض الشيء، إنك تفقدها بطريقة ما، ويصبح الأمر أيضاً أشبه قليلاً بلعبة كمبيوتر، عادية تماماً وحقيقية". (ص 110)
"إنه شيء للمرح فقط -ذلك النوع من المرح الذي تحصل عليه في ميدان للرماية". (ص 136)
"سحق سيارة هو من نوع الحلم الرطب الذي يحلم به كل شخص يعمل في طاقم دبابة، لكل سائق دبابة، أكثر أو أقل... لم أكن أفكر في نفسي بشي من قبيل: آه، ربما يحتاج شخص تلك السيارة الآن". (ص 147)
"كان هناك الكثير من الناس الذين يكرهون العرب حقاً. حقاً، حقاً يكرهون العرب. كان بوسعك أن ترى تلك الكراهية في عيونهم". (ص 156)
"هل سبق لك أن قتلت أحداً ما، أم لا؟"... معظم الناس في مجتمعنا يعتبرون ذلك بمثابة وسام شرف. لذلك، يريد الكل أن يخرج من هناك مع شعور بالرضا... لدينا رجال في مجموعتنا يتجولون مع إشارات X على الأطواق (بعدد الذين قتلوهم)، إنه نوع من الثقافة". (ص 237)
ومن جهة أخرى، يتعرض الأطفال الصهاينة إلى التشويه وإساءة معاملة الأطفال نفسياً منذ الولادة -حيث يتم تشبيعهم بعقلية الضحية مع الخوف الدائم من التعرض لمحرقة أخرى في المستقبل. وتجري تغطية جنون الارتياب هذا بأفكار التفوق الوطني وكراهية العرب، مما يؤدي إلى تحريض نزعات العداء والعدوان بشكل مثالي لتناسب مصيرهم العسكري كآلات للقتل -روبوتات لاإنسانية- تم فيها إخصاء القوى الحضارية المتعلقة بالرحمة واحترام الآخر.
ويعني التجنيد الإلزامي، فيما عدا استثناءات قليلة، أن كل مواطن هو جندي، على نحو يزويد إسرائيل بجيش أبدي من المعتدين وقتلة الأطفال بلا وازع.
أبناء بني إسرائيل، المجهزون بعتاد العدوان التكتيكي، يمكنهم إطلاق النار عرضاً على مراهق، وإصابته وتركه ينزف حتى الموت؛ وقد استهدفوا الأطفال مباشرة في غارات بالطائرات من دون طيار. إنهم يستطيعون إطلاق القذائف وذبح أربعة من الصبية الصغار الذين يلعبون كرة القدم على الشاطئ على الفور. إنهم يطلقون بدم بارد قذائف الفوسفور الأبيض غير القانونية التي تصنع الحروق الفظيعة على أجساد أطفال غزة الغضة. إنهم ينفذون مداهمات الجستابو الليلية التي تنتزع الأطفال الفلسطينيين المذعورين من أسرتهم بسبب رميهم الحجارة على سيارات الجيب المدرعة. وهم يعذبون الأطفال الفلسطينيين بشكل روتيني في الاعتقال؛ إنهم يكفلون أن لا يكون هناك طفل فلسطيني واحد آمن.
لا يقتصر الأمر فقط على أن إسرائيل مجتمع عسكري مصحوب بتطبيع الفظاعات والقسوة الوحشية، وإنما هي اقتصاد عسكري أيضاً. ويجري تعزيز إيراداتها عن طريق اختبار الأسلحة ذات التقنية العالية على أجساد الأشخاص الأحياء الأبرياء في مختبر مغلق يدعى غزة، حيث يسيطر الصهاينة على الحدود البرية والبحرية. وكان العالم قد صُدم بالتجارب النازية على البشر، ولكن العائلات الفلسطينية، الميتة، والمشوهة، والمصدومة، ومئات الآلاف من الذين بلا مأوى جراء القصف المدمر، هي أمور تزيد الأرباح الإسرائيلية من مبيعات الأسلحة للحكومات الغربية والشرقية الراغبة.
من أجل إخفاء جرائمهم، وفي تعاون وثيق مع وسائل الإعلام الغربية السائدة، لا سيما محطتا "فوكس نيوز" و"سي. إن. إن"، يتقيا الصهاينة ما لا نهاية له من التفسيرات والدعاية الغوبلزية:
إسرائيل هي الضحية -كذبة؛ إسرائيل هي دولة ديمقراطية -كذبة؛ إسرائيل لديها أكثر الجيوش أخلاقية في العالم -كذبة. إسرائيل تتجنب وقوع الضحايا المدنيين -كذبة. إسرائيل تدافع عن نفسها فقط -كذبة. الفلسطينيون لا يريدون السلام -كذبة. انتقاد إسرائيل هو معاداة للسامية -كذبة: اليهود المخالفون هم يهود كارهون للذات –كذبة. تعتزم حملة المقاطعة وسحب الاسثمارات تدمير إسرائيل -كذبة. الفلسطينيون هم المشكلة، وهم الذين بدأوا المشكلة -كذبة...
أكاذيب، أكاذيب، والمزيد من الأكاذيب المغثية التي لم يعد الناس الشرفاء ينخدعون بها.
في حكومة ائتلاف نتنياهو الجديدة من حزبي الليكود والبيت اليهودي، سقطت الأقنعة عن العنصرية الصريحة، ونزعة الحرب وفكرة الدولة اليهودية بلا حدود وبلا فلسطينيين.
في 16 آذار (مارس) 2015، أعلن نتنياهو: "إذا ما تم انتخابي، لن تكون هناك دولة فلسطينية". ونفتالي بينيت، رئيس حزب المستوطنين اليميني المتطرف "البيت اليهودي"، والآن وزير التربية والتعليم، رفض قيام دولة فلسطينية. وإيلي بن داهان، من "البيت اليهودي"، هو الآن مسؤول عن إدارة الفلسطينيين الذين كان قد ندد بهم ووصفهم بأنهم "وحوش، إنهم ليسوا بشراً". ووزير العدل، إيليت شاكيد، "البيت اليهودي"، دعا إلى إبادة الفلسطينيين. وقال عضو البرلمان من حزب "البيت اليهودي" ينون ماغال إن الدفع بحل الدولتين هو خيانة وطنية. وفي العام الماضي، دعا نائب رئيس الكنيست موشيه فيجلين، في خضم الدمار في غزة، إلى الإبادة الشاملة لجميع الفلسطينيين في غزة التي تحكمها حماس، والنقل القسري للاجئين المتبقين إلى معسكرات اعتقال في مصر.
كان يمكن تجنب المأساة الدائمة التي صنعتها النكبة. فعند رفض خطة التقسيم غير المشروعة التي وضعتها الأمم المتحدة لفلسطين، عرض عزام باشا، الأمين العام لجامعة الدول العربية في ذلك الوقت، فكرة المساواة بين العرب واليهود بنبل. وقال: "إننا نقاتل من أجل فلسطين عربية. ومهما تكن النتيجة، فإن العرب سوف يتمسكون بعرض المواطنة المتساوية لليهود في فلسطين العربية، وجعلهم يظلون يهوداً كما يحلو لهم. وفي المناطق التي يسودون فيها، سيكون لديهم حكم ذاتي كامل".
لكن بن غوريون اختار احتلال وسرقة فلسطين: "دعونا لا نتجاهل الحقيقة فيما بيننا... سياسياً، نحن المعتدون وهم الذين يدافعون عن أنفسهم... البلد بلدهم، لأنهم يقطنونه ويعيشون فيه، بينما نحن نريد أن نأتي إلى هنا ونستوطن، وفي نظرهم نحن نريد أن نسلب منهم بلدهم".
نتيجة لذلك، أصبح الصهاينة محكومين بقدر أن لا يعيشوا في أرض ميعاد، وإنما أن يكونوا منذورين للنفي في أرض يباب من الركود الأخلاقي. ومثل كل غزاة فلسطين القديمة، فإنهم سوف يذهبون.
وفي المقابل، يظل الفلسطينيون، أينما تشتتوا وذهبت بهم السبل، يعشيون في فلسطين.تقول رهام الحلسي: "الصهاينة وشركاؤهم لن يفهموا أبداً... لن يفهموا أبداً أنها قضية ناصعة الوضوح، قضية لا أمل منها: إنها قضية حب داخلي، قضية رابطة لا يمكن فصمها.. إنها قضية شعب، وأرض، وهوية... إنها قضية فلسطين، وثقافتها وشعبها... إنها قضية كونك فلسطينياً. سوف لن يفهم الصهاينة وشركاؤهم أبداً أنها حالة مستحيلة من الحب الداخلي، لأن فلسطين هي نحن، ونحن فلسطين".

*منسقة العدل للشؤون الفلسطينية. عملت مستشارة لحقوق الإنسان في أكثر من بعثة. وكانت منسقة للوبي العدالة في تيمور الشرقية، وخدمت في تلك المنطقة مع بعثة الأمم المتحدة من 1999 وحتى 2001.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Nakba: Israel's Catastrophe

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق