آلة ابتزاز الفلسطينيين في جيش الاحتلال الإسرائيلي

تم نشره في الجمعة 15 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • متظاهر فلسطينيي واجه قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اشتباكات شرق مدينة غزة -(ارشيفية)

عمان - الغد - "اعتقلوني، وطلبوا إنقاذ صديقي من الاغتيال بتسهيل اعتقاله، رفضت، كشفوا عن امتلاكهم تسجيلات مكالمات هاتفية مخجلة لي مع فتاة، سيوزعونها". هكذا استذكر الشاب الفلسطيني إياد -محتجز سابق في سجون الاحتلال الإسرائيلي- تفاصيل تعرضه لمحاولة ابتزاز من المخابرات الإسرائيلية.
ما جرى مع إياد، يتوافق مع ما كشفت عنه رسالة ضباط استخبارات إسرائيليين قبل عدة شهور، نشرتها وسائل الإعلام العبرية، اشتكى الضباط من التأثير النفسي لعملهم على حياتهم. اقتصرت المعلومات التي نشرتها وسائل الإعلام العبرية حول القضية على مقابلات أجراها مراسلوها العسكريون، أظهرتهم كمتضررين من نمط عملهم، ولم يتم التطرق خلالها للضحايا.
وحسب تقرير نشره موقع "العربي الجديد" فإن ضابطا في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، من المجموعة المحتجة، كشف ما وصفه بـ"الآلية الكاملة لعمل الوحدة 8200" الذي يستهدف الفلسطينيين في عمليات ابتزاز منهجي.
على مدار ساعات شرح الملازم أول عاموس. ص الضابط السابق في "وحدة 8200" التابعة لاستخبارات جيش الاحتلال، لـ"العربي الجديد" طبيعة عمل وحدته الذي يقوم على التفتيش وراء خصوصيات الفلسطينيين لابتزازهم حتى لو كانوا مراهقين أو نساء، إذ تراقب الوحدة -كما وثق كاتب التحقيق-، كل ما له علاقة بالاتصالات الفلسطينية (الحواسيب الإلكترونية، الهواتف، الاتصالات اللاسلكية)، وهو ما أكده الدكتور خضر عباس، مدير دائرة مكافحة التجسس في المخابرات الفلسطينية سابقاً، : إن هذه الوحدة تستهدف جميع الفلسطينيين حتى طلاب المدارس، داعياً إلى بذل جهود توعية لصغار السن لأنهم ليسوا خارج دائرة الاستهداف الإسرائيلية.
كيف تعمل الوحدة 8200؟
الكاتب الإسرائيلي، موشي زوندر، ضابط سابق في الوحدة 8200، يكشف أن الوحدة تعتمد في جمع معلوماتها على التنصت على وسائل الاتصال، وتقدم 80% من المعلومات التي تصل لضباط تحليل المعلومات في "أمان" الذين يُعدون التقديرات التي تقدم للحكومة، الوزراء وأعضاء محددين في الكنيست، في لجنة الخارجية والأمن.
يؤكد الضابط عاموس الذي اشترط عدم الإفصاح عن هويته لأنه ممنوع من الإدلاء بمعلومات حول طبيعة عمله للصحافيين من دون إذن الرقابة العسكرية، ما جاء في كتاب زوندر، إذ كشف عن مجهود ضخم تكرسه الوحدة للتنصت على أشخاص عاديين ليسوا أهدافاً استخبارية لابتزازهم بهدف تجنديهم كجواسيس لفترة طويلة أو لإجبارهم على التعاون لتنفيذ مهمة واحدة.
يفسر الشاب إياد، تعبير المهمة الواحدة، بأن ضابط الاستخبارات، طلب منه وضع جهاز في ملابس زميله، في السكن الجامعي، فقط وينتهي كل شيء، ويتم مسح المكالمات المسجلة له مع صديقته، قائلاً لـ"العربي الجديد": "لم أكن أتوقع أن تسجل الاستخبارات الإسرائيلية مكالماتي الهاتفية، أنا لست شخصاً مهماً، ولست ناشطاً سياسيّاً"، ويضيف إياد "لم أتخيل يوماً أن تسعى إسرائيل لتجنيدي كجاسوس، فأنا بعيد عن السياسة ولست محتاجاً من الناحية المالية وغير مطلع على معلومات سرية".
تشخيص نقاط الضعف البشري
"يتم تسجيل كل المكالمات التي يجريها الفلسطينيون، وبإمكان منظومة الفلترة تصنيف المكالمات والمحادثات عبر الإنترنت بناء على فحواها، سواء تلك التي تشير لخطر أمني وشيك أو ضعف بشري مثل قصة خيانة زوجية، علاقات حميمة خارج نطاق الزوجية، أو علاقات عاطفية أو جنسية بين مراهقين أو فساد شخصية مسؤولة أو شخص يعاني من ضائقة ما". طبقاً لما أكده الضابط الإسرائيلي، ويوضح عاموس أنه يتم البحث عن أشخاص لتجنيدهم كعملاء بشكل روتيني للاستخبارات.
يؤكد المدير السابق لدائرة مكافحة التجسس بالمخابرات الفلسطينية، أنه ليس بالإمكان تقدير أعداد الذين تعرضوا لمحاولات التجنيد، لكن الاحتلال في بعض الأوقات يعمل على مضاعفة جهوده لتجنيد أشخاص يقطنون في مكان ما أو مقربين من تنظيم محدد مثلما فعلت إسرائيل خلال بحثها عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، إذ عمدت بحسب عاموس إلى محاولة تجنيد شباب من غزة، باستخدام هذه المحادثات.
يوضح عاموس أن الخطوة التالية لتسجيل "محادثة ضعف بشري" هي تحويلها لضباط يجيدون العربية ويفهمون الشخصية الفلسطينية، مهمتهم إيجاد الشخص الذي من المحتمل أن يعمل جاسوسا، وإذا كان أحد أطراف المحادثة يقع في نطاق أفضلية التجنيد يتم تحليل المكالمة وتحويل الملف لوحدة 504 المتخصصة بتجنيد وتشغيل الجواسيس العرب والفلسطينيين في (أمان).
يسرد الشاب إياد تفاصيل محاولة تجنيده التي استخدم فيها الخداع والابتزاز وتم استغلال وضعه النفسي السيئ، إذ قال الضابط الإسرائيلي له "لن يمكث صديقك في السجن أكثر من عام إذا اعتقلناه قبل تنفيذ أي هجوم، وستنجو من السجن، وستنقذ نفسك وصديقك وبنت الناس من الموت".
أفضلية التجنيد والاستهداف
ثمة عدة اعتبارات تضع الشخص في دائرة أفضلية التجنيد، منها أن تكون ناشطاً في أحد الفصائل أو مسؤولاً سياسياً أو أمنياً أو لكونك من الدوائر القريبة من "شخص مستهدف" مثل الأقارب و زملاء العمل والجيران بحسب ما أكد عاموس.
يمكن أن تستخدم المحادثات المسجلة، بعد سنوات من تسجليها، لأغراض الحصول على معلومات عادية جداً، وتوليد انطباع لدى الهدف أنه كان تحت مراقبة مشددة ولتشكيكه في محيطه ودفعه للانهيار إذا كان خاضعاً للاستجواب.
بذهول وكأن الأمر قد حدث لتوه يستذكر إياد،"استغلوا شعوري بالصدمة، وقالوا إن أخاً ساعد في اعتقاله أخيه حتى لا يتم اغتياله، وافقت على تسهيل اعتقال صديقي، ولكني أبلغت صديقي وسفارة الدولة الأجنبية التي أحمل جنسيتها الأمر".
رسم البروفايل
يكشف عاموس أن وحدته تقوم بناء على طلب وحدات أخرى من الاستخبارات برسم ملامح شخصية للمستهدفين عبر تحليل المعلومات التي تملكها الوحدة، ويفسر الدكتور عباس أهمية الخطوة بأن الصفات والسمات التي يمتاز بها الشخص هي أحد المداخل المهمة جداً لعملية التجنيد.
يشير عاموس إلى أن عملية رسم الملامح الشخصية تقع على عاتق ضباط متخصصين في علم النفس والثقافة العربية وتأتي ثمرة لتحليل المحادثات الهاتفية والإلكترونية ودارسة المواقع الإلكترونية التي تصفحها وطبيعة نشاطه اليومي، مثل كم ساعة يقضي في العمل؟ ومتى يعود للمنزل؟ وهل يذهب للصلاة أو إلى المقهى؟ وهل يشارك مثلاً في احتجاجات أو فعاليات سياسية.
يقول عاموس إنه ضمن عملية رسم البروفايل يتم تحليل ترددات الهاتف المحمول للهدف ومقارنتها بمنظومة تحديد المواقع GPS ليتم إعداد رسم بياني لتحركات الشخص، وبالتالي تحديد نمط حياته، وطبيعة علاقاته بأسرته وأصدقائه والمشاكل التي يعاني منها واهتماماته، وطريقة تفكيره وسلم أولوياته.
تحرص "وحدة 8200" في سياق "رسم ملامح الشخصية" كما أوضح عاموس على تحليل مكالمات ومحادثات لأصدقاء وخصوم وأقارب الشخص المستهدف يرد فيها ذكر اسمه، لتحديد صورته في عيون الآخرين. وفيما يتعلق بالبحث عن أشخاص لتجنيدهم جواسيس، يؤكد أن الاستخبارات الإسرائيلية تدرك عدم وجود شخص مستعد لخيانة بيئته الطبيعية دون إخضاعه للابتزاز أو الإغراء، لذلك فإن الطفرة في استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية لدى الفلسطينيين ضاعفت قدرة وحدة 8200، على جمع المعلومات التي تُمكنها من تحديد هؤلاء الأشخاص.
ينبه الدكتور خضر عباس، أن المخابرات الإسرائيلية تعتمد على المعلومات التي تجمعها عبر الاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي في إطار التحضير لعمليات تجنيد العملاء، فيتم تحديد الصفات الشخصية للمستهدفين مثل الطمع والحاجة للمال.
ولكن ضابط الاستخبارات الإسرائيلي شدد على أن عمل "وحدة 8200"، لا يقتصر على جمع المعلومات عن الأشخاص بهدف تجنيدهم أو اعتقالهم وإنما، أيضاً، جمع معلومات سياسية واقتصادية وتوجهات الجمهور إزاء المستجدات واستطلاع الرأي العام حول قضايا وشخصيات معينة في لحظات محددة.
ويضرب مثلاً على قدرات وحدته على رصد توجهات الجمهور بالضفة الغربية أو غزة في لحظة معينة بالقول: "تملك وحدة 8200، القدرة على تحديد على وجه الدقة عدد الأشخاص الذين شاركوا مثلا بإحياء انطلاقة حماس أو فتح، و تحديد إجمالي الأشخاص الذين شاركوا في الضفة بالتضامن مع غزة خلال الحرب، عن طريق برمجية تحصى عدد الهواتف المحمولة أماكن تلك الاحتجاجات".
ويمضى إلى الإشارة الى أن وحدته تعد تقريراً يومياً يظهر قائمة الأخبار التي تصفحها الفلسطينيون عبر شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى ذلك تجري الوحدة دراسات لرصد توجهات الجمهور وتفاعله مع قضية معينة عن طريق تحليل فحوى حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديد أكثر المواقع الإلكترونية تصفحاً.
ويخلص الدكتور عباس الى أن الجهود الفلسطينية لتحصين أفراد المجتمع في مواجهة احتمال تعرضهم للابتزاز أو تجنيدهم كعملاء ومكافحة التجسس تتسم بالموسمية، ما يعد تهديداً متصاعداً بمزيد من الاختراق الإسرائيلي.

التعليق