د. جاسم الشمري

سياسة الانتقام!

تم نشره في الاثنين 8 حزيران / يونيو 2015. 11:04 مـساءً

لا شك في أن الحروب على مر العصور، تمتاز بقسوة الأطراف المتصارعة مع بعضها؛ لأن كل طرف يريد الاستحواذ على النصر، وهزيمة الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى، وهذا حق (مشروع) يكفله المنطق والواقع.
ورغم مشاهد القتل والدم والغبار والدخان التي تُخيم على ميادين المعارك، إلا أن الأعراف القديمة والقوانين الحديثة حددت بعض الضوابط العامة للحروب، وجعلت رحاها تدور -في الغالب- في أماكن بعيدة عن تواجد المدنيين ومنازلهم.
وعلى الرغم من وجود هذه القوانين، إلا أن العديد من الدول استخفت بأرواح المدنيين، وجعلتهم وقوداً للحرب، وكأن الغاية هي الانتقام واقتلاع جنس الفريق المقابل، من مدنيين وعسكريين، من الوجود! وهذه ليست من أخلاق الحروب والفرسان.
في حرب احتلال العراق العام 2003، رأينا أن طائرات التحالف لم تفرق بين المدنيين والعسكريين. وهذه الجريمة ارتكبتها كذلك قوات الاحتلال الأميركية على مدى السنوات المريرة التالية، والتي أهلكت فيها كل ما هو جميل ونقي في بلاد الرافدين.
وبعد الانسحاب الرسمي للقوات الأميركية المحتلة من العراق نهاية العام 2011، دخلت البلاد في محرقة وفتنة الاقتتال "الحكومي-الشعبي"، بحجة محاربة "الإرهاب".
هذا الاقتتال هو نتيجة حتمية للخراب السياسي الذي نتج عنه غضب شعبي اختُزل -مع الأسف الشديد- في تنظيم "داعش". وهذا ظلم للقضية العراقية من أساسها، لأنها قضية شعب مظلوم، وقف وقفة سلمية شجاعة لتحقيق مكاسبه المغتصبة. والدليل أن الجماهير ثارت في أكثر من ست محافظات في مظاهرات حضارية دستورية، قبل أن يكون لـ"داعش" أي بروز، أو ظهور حقيقي في ميدان المعارك والمشاكسات في البلاد. وهذا يعني أن إلباس القضية العراقية ثوب "الإرهاب" هو ظلم للعراقيين.
الخطوط العريضة للعمليات الميدانية اتضحت بعد سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل في حزيران (يونيو) 2014. حينها، انطلق بخطين متوازيين التحالف الدولي ومليشيات "الحشد الشعبي"، وكلاهما يقصد إيقاف تمدد "داعش" في العراق والمنطقة. لكن اليوم، نجد أن "داعش" يستولي -بعد الموصل- على محافظة الأنبار، أكبر محافظات العراق مساحة، ولم يبق منها سوى مدينتي الحبانية والخالدية، وهما الآن قاب قوسين أو أدنى من سيطرة التنظيم، بحسب تصريحات لمسؤولين محليين في الأنبار.
تخبط التحالف الدولي والحكومي في استراتيجية مواجهة التنظيم الذي أصبح اليوم قريباً من بغداد، دفعت العديد من المسؤولين للحديث عن حرق الأخضر واليابس في الأنبار وغيرها؛ بحجة أن هؤلاء من "الدواعش". وهذه التصريحات بمثابة الضوء الأخضر لمليشيات "الحشد الشعبي" لقتل المدنيين في أماكن تواجد التنظيم. ومعلوم أن الكثير من العوائل لم تتمكن من مغادرة الفلوجة والرمادي والموصل، بسبب التعقيدات الحكومية وطلب الكفيل، ورفض حكومة حيدر العبادي فك الحصار عن المدينة لخروج الأهالي منها، وكذلك ربما بسبب العوز وقلة ذات اليد!
ومن بين الدعوات الانتقامية، تصريح البرلماني قاسم الأعرجي؛ النائب في برلمان حكومة بغداد عن قائمة "دولة القانون" التي يتزعمها نوري المالكي، وذلك في تدوينه عبر "فيسبوك"، الأسبوع الماضي، بأن "الفلوجة رأس الأفعى، فمن أراد الحل عليه بالفلوجة. اجعلوا عاليها سافلها قربةً لله"!
فهل يمكن بهذا المنطق حل القضية العراقية؟!
هذا النائب المبغض للعراق، سبق أن اتهمته قوات الاحتلال الأميركية، العام 2006، بجرائم عنف طائفية، منعته من المشاركة في الانتخابات البرلمانية الثانية. ويبدو أن هذا النائب الناقم على العراقيين لا يريد أن يفارق سبيل العنف والإرهاب، عبر هذه التصريحات المغذية للعنف، والمهددة للسلم الأهلي!
الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تكون سبباً لسحق المدنيين العزل، من النساء والأطفال والشيوخ، وإلا فإن هذه حرب إبادة، تقع تبعاتها على مكون واحد من الشعب العراقي. وبالتالي، فإن هذه الأساليب الوحشية القمعية، ستزرع الحقد الطائفي لدى الأجيال الحالية واللاحقة. وبالمنظور الاستراتيجي، فإن هذه السياسات هي سياسات تخريبية تدميرية للعراق؛ حضارة وشعباً.
الإرهاب لا يمكن أن يوقف بالإرهاب، وإلا فإن جرائم "الحشد الشعبي" لا تقل وحشية ودماراً عن جرائم التنظيمات الإرهابية الأخرى، وجميعها لا تحقق المصلحة الوطنية العراقية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ردود الكاتب على التعليقات (د. جاسم الشمري / كاتب المقال)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2015.
    السلام عليكم
    احترامي وتقديري لقراء الغد
    وبخصوص ردودي على تعليقات الاحبة القراء، فهي:
    أولاً: الاخ سعد الدليمي: شكرا لك صديقي الكريم، واتمنى لك التوفيق.
    ثانياً: الفاضلة ابتسام: فعلا ما يجري في العراق عبارة عن إرادة مجاميع لديها حب الانتقام يسري في دمائهم منذ الأزل
    فماذا نتوقع من هؤلاء غير الذي حدث ويحدث الآن في بلادنا؟!
    وفعلا كما قلتي(في زمن الدكتاتوريه كما يدعون كان الحب يملأ بلادي والألفة تعم بين أهلها لا فرق بين طائفة وطائفة أخرى نحن لم أعرف طائفتي الأ بعد أن انتشرت الطائفية لم يتحدث قط أي أحد بهذا الموضوع في ذالك الزمن).
    شكرا لك ووفقك ربي.
    ثالثاً: الفاضلة كريمة من الجزائر:
    فعلا العراق بحاجة لحل جذري، يصنعه رجال العراق، وشكرا لك وحفظ الله اهلنا في الجزائر.
    رابعاً: اخي الحبيب نوفل الماشطي الحسيني:
    تحية طيبة لك، واتمنى ان تكون بخير
    السؤال الذي طرحته دقيق جدا، وهذا الامر جزء من الاشكالية الكبيرة في العراق.
    شكري لك وتقديري
    خامساً: الاخ العراقي الاصيل)
    فعلا لاعجب من العنف بهذا البلد حسبنا الله ..!
    تحياتي لك واحترامي
    أخيرا نسأل الله السلامة للعراق ولكل بلاد العالم.
  • »بوركت جهودكم (سعد الدليمي)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2015.
    بوركت جهودكم استاذ، دمتم لكلمة الحق
  • »روح الانتقام في دمهم (ابتسام الغاليه)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2015.
    ان ماجرى في بلادي العراق هو عبارة عن إرادة ناس لديهم حب الانتقام يسري في دمهم منذو الأزل
    فماذا نتوقع من هولاء غير الذي حدث ويحدث الآن في بلدي
    المحتل جاء إلى بلدي بنية الانتقام من شخص رئيس البلاد وليس من أجل نشر الحرية والديمقراطية المزعومة من أجل التخلص من زعيم كان شوكه في طريق احلامهم الاستعمارية
    من جاء مع المحتل أيضا جاء من أجل الانتقام وليس حبا للبلد وإنما كان كل همهم كيفية الاستيلاء على كل شئ من أجل مصالحهم ولاشباع غريزتهم الانتقامية ونفسيتهم المريضة
    الكل يعلم على أي شئ استولوا عندما حطوا رحالهم في بلدي لقد سكنوا في مساكن ليس من حقهم لقد اغتصبو ملك الغير ملك من كان يحكمون بلدي الم يقولو عنهم انهم كانو ظلمة إذا كيف يسكنو مساكن نهى الله سبحان أن يسكنو فيها (بقوله الكريم ولاتسكنو مساكن الذين ظلموا أنفسهم)
    في زمن الدكتاتوريه كما يدعون كان الحب يملأ بلادي والالفه تعم بين أهلها لافرق بين طائفة وطائفة أخرى انا لم أعرف طائفتي الأبعد أن انتشرت الطائفية لم يتحدث قط أي أحد بهذا الموضوع في ذالك الزمن
    هذا يثبت أن سياسة الانتقام ليس وليدت الصدفة بل هي متجذرة في أعماق من حمل هذه السياسة إلى بلدي ودمر كل شئ جميلا فيها
    الله ينتقم من هكذا سياسة انتقامية دمرو بها بلد أصيلا له جذور ممتدة في الأعماق لم ولن يستطيعو قلعها ليزرعو حقدهم وانتقامهم محلها
    بلادي ستبقى بلد الحضارات وبلد المحبه والسلام لم يستطيع أحد محو هذه الحقيقة لأنها بلد مد على الأفق جناحه
    تحية لكاتب المقال تشخيص أكثر من رائع لما يجري في بلدي
    حفظ الله بلدي العراق وأهله الصابرين وحفظكم ياسيدي المجاهد في إعلاء كلمة الحق
  • »لنكن يد واحده (كريمه الجزائر)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2015.
    لم تعد تكفينا كل كلمه اسف ..عن مايحدث ببلاد الرافدين ..البلد يريد حل جذريا وحقيقيا ..يصنعه ابناوه ..لاجل سلام الجميع..
    فلتكن قبل كل شئ حمله توعيه ان لا وطن لقله.. بل للكل هو غنيمه
  • »وجهة نظر (نوفل الماشطي الحسيني)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2015.
    يجب علينا ان نفرق بين اثنين لا ثالث لهما فعلينا ان نفرق مابين ارهاب رجال الدولة الاسلامية عن ارهاب القوات الامنية العراقية الحكومية بكل مسمياتها والمليشيات الطائفية المدعومة ايرانيا كما ونوعا والحشد الشعبي الطائفي بامتياز ... فرجال الدولة الاسلامية يستهدفون القوات الحكومية ومن معها ولكن بالمقابل القوات الحكومية ومن معها يستهدفون المواطن السني ومناطقه فكل مناطق السنة بنظر الحكومة العراقية هي مواقع لداعش وكل سني هو داعشي فعلينا ان لانخلط الاوراق ولنبين الفرق مابين هذا وذاك وهناك سؤال يطرح نفسه ..لو ان الدولة الاسلامية استولت على كربلاء مثلا فهل القوات الحكومية ستتعامل مع مواطني كربلاء بنفس الكيفية والاسلوب الذي تعاملت به مع مواطني الموصل وديالى وصلاح الدين والانبار ومع ممتلكاتهم ؟؟؟سؤال مطروح للعقلاء ليجاوبوا عليه .....
  • »لافرق بينهم ! (عراقي اصيل)

    الاثنين 8 حزيران / يونيو 2015.
    بارك الله بك ... لاعجب بهذه السياسة التي تتبعها حكومتنا الموقرة .. !!! من التحريض ع القتل والقتل !! فهذه سياسة العبادي ..! او المالكي ..! او اي رئيس يأتي بعده .. !! استوقفتني ما قاله الاعرجي عن الفلوجة ؟! فعلا لاعجب من العنف بهذا البلد حسبنا الله ..!