800 عام على الماغنا كارتا

تم نشره في السبت 13 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً

بيتر سنجر*

برينستون- إذا سافرت من مطار هيثرو في لندن، فإن من الممكن أن تطير فوق حقل عشبي يدعى رونيميد؛ حيث كان هناك في مثل هذا الشهر قبل 800 عام، مشهد تتخلله الألوان، وقد انتصبت خيام البارونات والفرسان والخيمة الأكبر لملك إنجلترا، جون، الشبيهة بخيمة السيرك الكبيرة بينما يرفرف العلم الملكي عالياً.
رغم الطابع الاحتفالي لهذا التجمع والأبهة التي أحاطت به، كانت الأجواء متوترة بالتأكيد: كان الهدف منه هو تسوية النزاع بين البارونات الثائرين وملكهم، وهو حاكم وصفه أحد معاصريه بأنه "مليء بالصفات السيئة".
كانت جهود جون لجمع الأموال من أجل استعادة الأراضي المفقودة في فرنسا قد تجاوزت الضرائب والرسوم التي كان النبلاء يقبلوها من الملوك السابقين. وكان الملك جون يستولي على الأملاك، وأحياناً يعتقل اللوردات والتجار الأغنياء ولا يفرج عنهم إلا بعد دفع مبالغ باهظة.
ولو أن السنوات التي قضاها في جمع الأموال قادت إلى النصر، لاستطاع جون أن يفرض أساليبه التعسفية. ولكن، عندما تعرض للهزيمة في فرنسا، ثارت مجموعة من البارونات ضده واحتلت لندن. وكجزء من صفقة السلام التي رعاها كبير أساقفة كانتربري، قبل الملك مطالبات البارونات التي تم تقديمها له في وثيقة أطلق عليها اسم "الماغنا كارتا" أو "الميثاق العظيم".
لم تكن الماغنا كارتا أول ميثاق يصدر عن ملك إنجليزي. فقبل قرن من ذلك التاريخ، أصدر هنري الأول مثياق التتويج الذي كان يوحي بأنه سوف يكون أكثر احتراماً لمزايا النبلاء مقارنة بمن سبقه. ولكن خلفاء هنري عادوا سريعا إلى الأساليب التعسفية للملوك في ذلك الزمان.
كان واضحاً أن الماغنا كارتا لن تدوم طويلاً كذلك، وقد تم إلغاؤها بعد ذلك بوقت قصير على يد البابا انوسينت الثالث الذي شكل تحالفاً مع الملك. ولكن جون توفي في العام الذي يليه، ودعم النبلاء خليفته البالغ تسعة أعوام، هنري الثالث، الذي كان بحاجة إلى ذلك الدعم ضد منافس يطالب بالعرش. ومن أجل الحصول على ذلك الدعم، قامت حكومة هنري بإعادة إصدار نسختها من الماغنا كارتا، والتي ما تزال تشكل جزءا من قوانين إنجلترا.
تم عمل نسخ وتوزيعها على الكاتدرائيات الإنجليزية العظيمة، وتمت ترجمة النسخة اللاتينية أولا إلى الفرنسية، وهي لغة النبلاء، ثم إلى الإنجليزية. وبحلول نهاية القرن، كان الفلاحون يستشهدون بها في صراعهم ضد الظلم.
تم إعداد أول طبعة للماغنا كارتا سنة 1508، ورأى فيها النبلاء في سنة 1640 الأساس القانوني لإطاحتهم بالملك بشارلز الأول. ولاحقاً قام بعض الثوار -بما في ذلك الثوريون الأميركان ونلسون مانديلا، باستخدام الماغنا كارتا أيضاً في تبرير أعمالهم.
كان ما أخذه هولاء المقاتلون من أجل العدالة والحرية من وثيقة تصل كلماتها الى 3500 كلمة هو بيانات موجزه لمبادئ عامة، رداً على مصادرة الملك جون التعسفية لممتلكات رعاياه، بالإضافة إلى احتجاز الأفراد. وتقول الماغنا كارتا في الفصل 39: "يجب أن لا يتم اعتقال أو سجن أي شخص حر أو سلبه ممتلكاته أو اعتباره خارجاً على القانون أو نفيه أو قتله، أو أن نكون ضده أن أن نرسل أشخاصاً ضده، إلا من خلال حكم قانوني صادر عن نظرائه أو بموجب قانون البلاد". وينص الفصل الأربعون بإيجاز على مبدأ قوي آخر: "لن نبيع لأي شخص ولن ننكر على أي شخص أو نؤخر على أي شخص الحق أو العدالة".
إننا نجد صدى لهاتين الفكرتين في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، والذي ينص على أنه لا تستطيع أي دولة أن تحرم أي شخص من حياته أو ممتلكاته "بدون إجراءات قانونية أو أن تحرم أي شخص من "الحماية المتساوية للقوانين".
لكن الماغنا كارتا ليست وثيقة ديمقراطية. فرغم أنها أسست لمطلب الموافقة المشتركة على فرض الضرائب، فإنه كان يتم الحصول على تلك الموافقة من جمعية من البارونات والأساقفة ورؤساء الأديرة. وفي عصر الفروسية، لم تتم حتى دعوة الفرسان للمشاركة.
كانت هناك أصوات في تلك الفترة تدعو إلى تمثيل بلدات مثل لندن، ولكن هذه الفكرة لم تجد مكانا لها في النص النهائي. وعليه، فإن ما تظهره الماغنا كارتا أن "من الذي سيحكم؟" هو سؤال، ولكن "ما هي حدود السلطة السياسية إن وجدت؟" هو سؤال آخر تماماً.
بالنظر إلى أن الماغنا كارتا حاولت أن تضع حدوداً للقوة السياسية بدون تأسيس تلك الحدود على سيادة الناس، فإنها تكون بذلك قد طرحت مشكلة تصدى لها الفلاسفة لفترة تمتد لأكثر من 800 عام، وهي: من أين تأتي المبادئ التي تقيد الحكام إذا لم تأت من الحكام أو رعاياهم؟
يعطينا تقليد القانون الطبيعي جواباً كان معروفاً لدى الباحثين في العصور الوسطى، والذين كانوا يعتقدون أن بإمكاننا معرفة القانون الطبيعي عن طريق المنطق الطبيعي (عكس القوانين التي يمكن اكتشافها فقط من خلال الوحي الإلهي). وكانت المبادئ الرئيسة للماغنا كارتا مستقاة من المنطق لأن فكرة القانون تستثني الاعتقال والمصادرة التعسفية وإصدار الأحكام على أي أساس سوى التطبيق الصحيح للقانون. إذا كان (أ) ملزما قانوناً بإعادة بقرة (ب) لو ضلت طريقها في أرض (أ)، وبعد ذلك ضلت بقرة (ج) طريقها في أرض (ب) في ظروف مشابهة، فإنه يجب أن يكون (ب) ملزماً كذلك بإعادة بقرة (ج). ولن يكون (ج) بحاجة إلى دفع رشوة للقاضي من أجل استعادة بقرته.
لا يوجد أي شيء في الماغنا كارتا قد يمنع فرض وتطبيق القوانين الظالمة. ولكن هذه الوثيقة رفعت القانون ليصبح أعلى من إرادة الحاكم. غير أن هذه الفكرة ما تزال، للأسف، غير مقبولة في العديد من البلدان. وكما يدل استمرار السجن الأميركي في خليج غوانتانمو، فإنه حتى بين البلدان التي يمتد تاريخ مؤسساتها السياسية إلى الماغنا كارتا، فإن التهديدات الأمنية التي يتم تصورها قد أضعفت المطلب بأن لا يتم الاعتقال إلا بموجب قانون البلاد، وأن لا يتم تأخير العدالة.

*أستاذ الأخلاق الحيوية في جامعة برنستون وأستاذ فخري في جامعة ملبورن.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.

التعليق