علاء الدين أبو زينة

زيارة فلسطين ألم.. والبعد عنها فجيعة!

تم نشره في الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2015. 11:06 مـساءً

طرحت "الغد" سؤالاً على موقعها الإلكتروني في زاوية "شارك برأيك"، على النحو التالي: "زيارة المسجد الأقصى تحت الاحتلال تدعم صمود الفلسطينيين أم أنها تطبيع؟". وكانت آراء المداخلين مقسومة بالتساوي تقريباً؛ بين من برروا الزيارة، وبين الذين اعتبروها تطبيعاً مع العدو. والاختلاف طبيعي، لأن السؤال جدلي، ومقاربته نسبية حسب نظرات الأشخاص وزوايا النظر.
في الحقيقة، يغلب أن تكون زيارة فلسطين في هذه الظروف سبباً للحسرة، خاصة حين يشاهد الزائر الغرباء وهم يجوسون على راحتهم كأصحاب الدار، فيما هو الغريب. وقد شاهدنا على الشاشات ألم أصحاب البيوت الذين زاروا بلداتهم المحتلة، وبعضهم اشتبكوا مع المستوطنين المعادين الذين لا يأبهون لمشاعر الذي بنى البيت وزرع أشجاره. كما أن مشاهدة قبح الاحتلال وقواته، أو الاحتكاك مع الجنود الوقحين، لن يكونا سوى الألم والمهانة مجسدتين.
في المقابل، يعز على فلسطيني ولد وشب وشاب في المنفى، أن لا يرى وطنه مرة واحدة. وسوف يصارعه حنين طاغ إلى رؤية الأماكن التي يعرفها في قلبه ولم يلمسها. كما أننا نتذكر شكلاً من القطيعة التي كانت قائمة بين "فلسطينيي 48" تحت الاحتلال، وبين بقية الفلسطينيين والعرب. وكان الأمر وكأن البعض قرر التبرع بأهلنا للاحتلال، ومعاقبة المنزرعين في منازلهم على صمودهم وتمسكهم بأرض الآباء. وما من فلسطيني ليس له أقارب في مكان ما في أرض فلسطين التاريخية، والذين يشتاق إليهم أو يحب أن يقابلهم ويتعرف إليهم. وإذا كانت الأمور لا تشير إلى تحرير فلسطين في يوم قريب، فإن الصراع يكون كبيراً بين رغبة رؤية الوطن، وبين هاجس التطبيع البغيض.
تسنت لي زيارة فلسطين في سن صغيرة جداً، قبل احتلال 67 مباشرة. وفي قاع الذاكرة من تلك الزيارة، أبناء وبنات أخوال وأقارب. وبعد مرور 49 عاماً الآن على تلك الزيارة، لا أعرف ماذا حل بهم، ومن شاخ ومن توفي. وقبل فترة، رأيت على "فيسبوك" نعياً لابنة خال لي لا أعرفها، ولم أرها في حياتي، وعزيت على "فيسبوك" كأي غريب. هل كان يجب أن أجد وسيلة للزيارة وأبقى على صلة؟ هل كانت رؤية أرض الآباء ستجعل شعور الانتماء المقدس أكثر دنيوية، بحيث يصبح للهوية معنى أوضح أبعاداً؟
في "عائد إلى حيفا"، أجاب غسان كنفاني بطريقة ما عن سؤال زيارة فلسطين المحتلة. فبعد احتلال 67 وفتح الضفة على بقية فلسطين تحت الاحتلال، يعود سعيد، الذي كان قد فرّ من حيفا في 48 تحت القصف، ليبحث عن ابنه الذي كان صغيراً ولم يستطع التقاطه وبقي في المنزل. ويجد هو وزوجته العائلة اليهودية التي استولت على منزلهما وأخذت الطفل وربته وسمته "دوف". ويرى الزوجان صورة الشاب في زي العدو العسكري، ويعرفان أنه ابنهما المتروك. وعندما يعود ويدور حوار قاس جداً، يدرك الأب أن استعادة ابنه بهذه الطريقة مستحيلة، وبأن طريقة "استعادته" معروفة ولا بديل عنها. ويفكر وهو عائد إلى المنفى بابنه الآخر الذي يحاول الالتحاق بالمقاومة، فيمنعه، ويتمنى أن يعود إلى البيت، فيجد أن ابنه التحق بالفدائيين.
إن زيارة فلسطين لا تعني استعادة فلسطين، لكنها قد تعني استعادة فلسطين أيضاً، بمعنى تعظيم الشعور بضرورتها، كمن يتخيل حبيبة، ثم يلتقي بها فيصبح ارتباطه بها قَدرياً ولا فكاك منه.
هل يجوز مَنحُ الفلسطيني الذي غادر فلسطين ولم يرها منذ وقت طويل، أو الذي ولد خارجها ولم يشاهدها أصلاً، رخصةً من الشكّ، والتسامح مع وقوعه مرة في شباك الحنين؟ أم هل يجب أن يكون الفلسطيني بالتحديد أكثر حرصاً من أي عربي أو إنساني آخر على إنكار العدو وسلطته، بحيث لا يقبل زيارة الوطن برخصة منه؟ هل هناك فرق بين المشاركة الشائنة في مناسبة رسمية يديرها الكيان، وبين زيارة "حرة" يتجول فيها الزائر في الشوارع والميادين التي بناها أهله، والتي ما يزال أبناؤهم يملؤون فضاءاتها بالأحرف العربية؟
أسئلة صعبة، مثل كل الأسئلة الصعبة التي يواجهها الفلسطينيون. والإجابة حارقة في كل الأحوال: أن تنظر من خلف السياج وتتحسر مؤلم؛ وأن تقبل بأن يوقّع العدو على إذن دخولك بيتك، مهين وموجع أيضاً!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فلسطين في القلب (الدكتور صالح أبو جادو)

    الخميس 18 حزيران / يونيو 2015.
    لا شك أخي علاء أن زيارة فلسطين حلم يراود كل فلسطيني حيثما كان..وفرق كبير بين زيارة احتفالية بمناسبة لهم وبين زيارة يلتم فيها الشمل ويتعزز الشوق للوطن..طرحت جدلية ...لعل المبالغة في تحميل الفلسطيني عار العودة للوطن برخصة من الاحتلال قسوة ليست مبررة تحت عناوين تتجاوز حدود المعقول والمنطق..أبدعت في طرح المقاربة والأشكالية ووفقت في طرح وجهة النظر التي تحاكي الواقع والمسكن بغير تشنج وانفعال