محمد أبو رمان

إرهاب "مكافحة الإرهاب"!

تم نشره في الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2015. 11:09 مـساءً

أعلنت محكمة استئناف أميركية، أول من أمس الأربعاء، أن مسؤولين أمنيين انتهكوا حقوق سجناء سابقين اعتقلوا بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وذلك لأنهم عرب أو مسلمون، أو لتصنيفهم على هذا الأساس. وقالت المحكمة إن من حق أولئك السجناء مقاضاة هؤلاء المسؤولين.
وبرّر القاضيان في محكمة الاستئناف تلك، روزماري بولر وريتشارد ويسلي، القرار (من 109 صفحات) بأنّه "لا يوجد غرض شرعي للحكومة في احتجاز أحد في أكثر ظروف الحبس المتاحة تقييدا، لا لشيء إلا لأنه تصادف أنه أو -وهو الأسوأ- كان يبدو أنه عربي أو مسلم".
بالطبع، لك أن تقارن مثل هذا القرار المهم بالأحكام التي صدرت مؤخراً في مصر على قيادات الإخوان المسلمين، وبديباجة قرار القاضي المصري التي جاء نصّها ليؤكّد على الطبيعة التوتاليتارية السافرة، وإلغاء أي استقلالية لأي قضاء أو إعلام أو مؤسسات أخرى، فيصبح الجميع يدور في فلك السلطة العسكرية والحكم المنفرد.
أعرف أنّ كثيراً منكم سيقولون إنّ أميركا هي من أكبر الدول التي تمارس التعذيب غير القانوني والقتل في الحروب بذرائع مكافحة الإرهاب، وهذا صحيح. لكنّ ما نتحدث عنه هنا تحديداً ليس السياسات الأميركية الرسمية، بل شيء آخر تماماً، اسمه فصل السلطات أو التوازن بينها، والقدرة على النقد والمواجهة وتصحيح المسار، ووجود مؤسسات وسلطات أخرى تقول لا ضد الخطأ، ولا يتم اتهامها بالخيانة والتآمر.
من اللافت أنّه قبل صدور قرار المحكمة الأميركية بيوم، صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة على حظر استخدام التعذيب، في تصويت تاريخي يهدف إلى منع أي استخدام آخر "لأساليب الاستجواب القاسية" مع المعتقلين، ويحوّل أمرا تنفيذيا وقعه الرئيس باراك أوباما العام 2009 إلى قانون.
ما نتحدث عنه هنا، بالإضافة إلى القضاء المستقل، هو الإعلام المستقل، بوصفه سلطة رقابية مهمة. وربما ذلك يذكرنا بأحد أهم الأفلام الوثائقية الأميركية عن الحرب على الإرهاب، للصحفي الأميركي المحقق جيرمي سكاهيل (Jeremy Scahill) بعنوان "حروب قذرة" (Dirty Wars). وهو فيلم يفضح الانتهاكات الأميركية لحقوق الإنسان، والخروج على القانون في إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب، وخصخصة الحروب، ودور الشركات الأمنية.
الفيلم يكشف من خلال ساحات أفغانستان واليمن والصومال، كيف أنّ هذه الحروب هي التي تنتج الخصوم الجدد، الذين يريدون أن ينتقموا من الولايات المتحدة الأميركية.
ومن الأفلام المهمة التي تكشف الانتهاكات الأميركية في حقبة الحرب على الإرهاب، فيلم "تسليم خارج القانون" (Rendition)، ويحكي قصة مواطن أميركي من أصل مصري، تشك فيه المخابرات المركزية الأميركية "سي. آي. إيه"، ويتم تسليمه للمخابرات المغربية، ثم تبدأ بعدها فصول التعذيب والاضطهاد، بمشاركة وإشراف أميركيين غير مباشرين، للتحايل على القانون.
هذه الأفلام تعرض في العالم وفي الولايات المتحدة الأميركية، ولا يتم منعها أو مصادرتها وتخوين أبطالها ومؤلفيها، بل وحصل فيلم "حروب قذرة" على جوائز عالمية مهمة. بينما إلى الآن، ومنذ عامين، يعاقب الممثل خالد أبو النجا بمنع عرض أي عمل له (لا علاقة له بالسياسة) بسبب موقفه من العسكر. كما تعاقب بسمة؛ الممثلة المصرية المشهورة، بمنع أعمالها (عقاباً لزوجها عمرو حمزاوي على مواقفه). وكذلك الحال مع فيلم بلال فضل "أهل اسكندرية"، بسبب مواقفه.
يعلّق بلال فضل على فيلم "حروب قذرة" بالقول: "أريد أن أعيش في بلد حتى لو ارتكب ساسته الشر، يكون من حقي كمواطن أن أقاوم هذا الشر باستخدام حريتي في التعبير والرفض من دون أن يتمّ قتلي في حادث غامض أو الزجّ بي في السجن..".

التعليق