أزمة العرب ومعنى التخلف (3)

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً
  • احدى ساحات قصر الحمراء في الأندلس (اسبانيا حاليا) شاهدا على ما وصله المسلمون من حضارة في زمن مضى - (أرشيفية)

أ. د. كامل صالح أبو جابر*

حقيقة أننا ما نزال في فترة التلقي، هي أمر لا بد من الاعتراف به، بغرض الانطلاق من هذه الحقيقة للبحث عن المخرج منها. ويحلو للبعض أن يدعو الأمر "تبعية"، من منطلق جلد الذات. لكنها فترة لا بد وأن تكون عابرة، لاسيما أن منطقتنا وحضارتنا العربية شهدت فترات انحطاط مماثلة عبر تاريخها الطويل. ومثل هؤلاء البعض اتخذوا من هذا الأمر ذريعة لمقاومة حركة التاريخ وضرورات التطور. وقد صاحبت هذه المقاومة القوية لضرورة التغيير، هجرة كبيرة للعقول العربية منذ مطلع القرن العشرين، إلى دول العالم الغربي خصوصاً.
أحد أهم أسباب هذه الهجرة هو الأنظمة الظلامية في بعض البلدان العربية، التي لا تدري أنه باستمرار طغيانها إنما تتعاون، عن وعي أو من دون وعي، مع قوى المحافظة الشديدة الموجودة أصلا في مجتمعاتها، والتي يأكلها الإحباط والقهر من الأحوال التي تزداد ترديا مع مرور الزمن. ولعل من أبرز سمات هذه الظاهرة اغتراب المثقف العربي؛ إما جسديا بالهجرة إلى الغرب، أو وجدانيا بالتقوقع على ذاته، فيكون همه الأكبر أن لا تلحظه السلطة. ومثل ذلك أيضا أن يضع "رأسه بين الرؤوس"، فيتحول مع مرور الزمن إلى إنتاج أدب السلطان المادح، بدلا من البحث الموضوعي في قضايا أمته، وتقديم الحلول لها.
أما اغتراب بعض المثقفين إلى الماضي ورومانسيته، فما هو إلا دليل آخر على ما يسميه عالم الاجتماع دوركهايم بـ"حال الضياع" (Anomie). والتاريخ العربي، بمجده وعبقه وأصالته، جاذب قوي؛ إذ يشكل لدى البعض الثابت الذي يبدو وكأنه الثابت الوحيد في عالم من التغيير السريع والمتسارع، الأمر الذي يزيد من حدة الأزمة لا حلها، وبحيث يبدو وكأن أمة العرب لم تع بعد نصيحة "الغازي" كمال أتاتورك الذي حذر أمته بقوله "إما أن تتغيروا أو تنقرضوا" (Change or Perish).
وكما فشل العرب، حتى اللحظة، في مواجهة التحديات الداخلية، فإنهم فشلوا كذلك في مواجهة التحديات الخارجية. إذ بالإضافه إلى التحدي الغربي التاريخي، جاء تحدي الصهيونية العالمية خلال القرنين الماضيين. ومن الجدير الإشارة إلى أن أحد أهم التطورات التي حصلت على مجرى العلاقات الدولية إبان هذه الفترة، تمثل في كيفية تغلغل النفوذ الصهيوني داخل السياسة الغربية، ولاسيما فما يتصل بعلاقات الدول الغربية ببلدان العالم العربي. فالوجود الحسي للمحور الأنجلو-أميركي في بلدان المشرق العربي، أصبح اليوم أكثر وضوحا من السابق. وهذا الوجود الذي أصبح كالسياستين الغربيتين اللتين تم إنتاجهما بعد الحرب العالمية الأولى، وهما وعد بلفور واتفاقية سايكس-بيكو، صار يشكل المحور الأساسي، بل والقاعدة التي تتشكل حولها مجمل علاقات العالم العربي مع دول الغرب، وبما يلقي بظلال سوداء عليها. ويزيد من حدة تعقيد هذه العلاقات كذلك، تعاظم نفوذ القوى اليمينية، وحتى سيطرتها على مجرى السياسة الداخلية في كل من إسرائيل من جهة، والولايات المتحده الأميركية من جهة أخرى. فالأولى أصبح اليمين الليكودي يسيطر على مجراها، فيما يبرز في الثانية نفوذ اليمين المسيحي المتصهين للمحافظين الجدد، بحيث يبدو وكأن الخيار داخل كل من البلدين هو بين اليمين المتشدد والآخر الأكثر تشددا.
قد يستغرب الزائر من بلدان أخرى أحوال العرب في العصر الحديث؛ إذ يجد منطقة تتمتع بتاريخ مجيد، لا من الناحية السياسية والعسكرية فحسب، بل من جميع نواحي الحياة الإنتاجية، الفكرية والفنية والعلمية، وبحيث أنتجت إحدى أبهى الحضارات البشرية. إضافة لذلك، فهي منطقة تتمتع بموقع استراتيجي مهم، وتحتوي على موارد بشرية وطبيعية تؤهل شعوبها لأن تكون في طليعة شعوب العالم من حيث الرفاه والإنتاج. وفوق هذا، هي منطقة تضم شعوبا تتكلم لغة واحدة، وتنتمي غالبيتها إلى عقيدة واحدة وتاريخ مشترك، فيفترض منطقيا أن تكون لها مصالح مشتركة. فهكذا يبدو وكأن عوامل التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا، كلها لا بد أن تدفع باتجاه التوحد، أو على الأقل التضامن المعقول بين بلدانها وشعوبها.
هذا ما يفترضه المنطق والعقل، لكن واقع جهود التنمية على صعيد بلدان المنطقة منفردة ومجتمعة، يشير الى عكس ذلك تماما. فالتنمية ليست متوازنة ولا عادلة داخل أي من بلدانها، ولا على صعيد المنطقة ككل. وتشير جهود التنمية ومعدلات النمو عبر العقود الخمسة الأخيرة، إلى هبوط متزايد في مستوياتهما.
هكذا يحتار الزائر من الخارج، مثله مثل مواطن هذه البلدان، من هذا التضارب الكبير بين التوقعات من جهه والواقع من جهة أخرى. والبحث في هذا السؤال المحير لا يجيب عنه مجرد إلقاء اللوم على الاستعمار الغربي وإسرائيل والصهيونية العالمية. فحقيقة الأمر تقول إن هذه القوى الخارجية كانت وما تزال أحد أهم أسباب استمرار التخلف، وأنها بالقطع ليست بريئة من الأحوال السيئة للعالم العربي؛ إذ كانت وما تزال تمتص الكثير من القوى الفكرية والموارد، لا للمثقف والقائد العربي فحسب، بل ولرجل الشارع كذلك. فمنذ اللحظة الأولى لظهور الإسلام، والأمه منشغلة بالتحسب للهجمة والتحدي الغربيين اللذين ما انقطعا لحظة واحدة. كما أن الدهشة الغربية لانتشار الإسلام السريع، وخلال جيل واحد فقط بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ من بلاد العرب إلى الصين شرقاً، وإسبانيا وجنوب فرنسا غربا، كان يلازمها (تلك الدهشة) دوما ضرورة التحسب للوقوف أمام التقدم السريع لهذه الحضارة.
ومثل هذا الصراع الحضاري لازمته على الدوام علاقة محبة وكره وحب استطلاع مشتركه بين الحضارتين الغربية والعربية؛ صراع تعددت أوجهه عبر القرون الماضية، تارة على الصعيد الفكري، وأخرى على الصعيد السياسي أو الصدام العسكري، ودوما على الصعيد الاقتصادي. والاعتراف بوجود هذا الصراع التاريخي متعدد الأشكال، لا يعني الدعوة لاستمراره، بقدر ما يعني ضرورة الاعتراف به، ومن ثم البحث عن السبل والوسائل التي قد تعمل على تلافيه إن أمكن، أو احتوائه على الأقل.
ومن أهم تجليات هذا الصدام الحضاري التاريخي، إنشاء دولة إسرائيل في قلب العالم العربي، وبالتالي تقطيع أوصاله الجغرافية، ما بين بلدان المشرق العربي والشمال الأفريقي. فإسرائيل ليست دولة غريبة عن المنطقة من الناحية الحضارية فحسب، وإنما كذلك من خلال كفاءتها العسكرية والتكنولوجية منقطعة النظير، والتي تستمر جميع دول الغرب، من دون استثناء، في تغذيتها بالسبل كافة، واعتبارها الشريك الوحيد المعتمد لديها في المنطقة.

*وزير سابق

التعليق