مأزق أخلاقي

تم نشره في الأربعاء 1 تموز / يوليو 2015. 12:03 صباحاً

بقدر ما أن تكليف ديوان المحاسبة بتنفيذ عملية نقل وتوزيع أسئلة امتحان الثانوية العامة "التوجيهي" إلى قاعات الامتحان، يعبر عن ثقة حكومية بالديوان، فإنه يمثل في الوقت والقدر نفسه، اعترافا بخلل أخلاقي في وزارة التربية والتعليم، يجب الاعتراف به.
فإشراك ديوان المحاسبة في تنفيذ عملية نقل الأسئلة -برغم كل المحاولات لتغليفها بمهام المراقبة المالية والإدارية- يمثل عملية تنفيذية وليست رقابية. وهي فوق ذلك مرهقة للديوان، الذي انشغل خلال فترة الامتحانات عن مهامه الاعتيادية التي لا يقوم بها ولا يمكن أن ينفذها غيره، بحسب القوانين والأنظمة.
وبغض النظر عن النقاش حول دستورية هذا الأمر، فيبدو أن ديوان المحاسبة قد نجح بشكل فاعل في منع تسريب أسئلة امتحان الثانوية العامة. وهي النتيجة المطلوبة من إسناد هذه المهمة للديوان، وبما سيسهم في إعادة الهيبة لهذا الامتحان في الأردن. وهو الهدف الذي أعلنه معالي وزير التربية والتعليم عدة مرات، والذي لا نختلف حوله.
لكن هذا لا يمنعنا من التوقف عند الوضع الذي وصلت إليه وزارة التربية والتعليم، خصوصا في ظل ما رأيناه، من خلال وسائل الإعلام المختلفة، من خروقات واسعة في امتحانات الصفين السادس والتاسع، وهو الأمر الذي لم تنفه الوزارة. فهل ننتظر أن يُطلَب لاحقا إشراك ديوان المحاسبة في إنجاز أعمال أخرى لوزارة التربية أو غيرها من المؤسسات، إذا لم تتم معالجة هذا الخلل الأخلاقي الخطير؟!
أعود بذاكرتي إلى الفترة التي كنت فيها على مقاعد الدراسة؛ إذ كانت وزارة التربية والتعليم تلعب دوراً مركزياً وقيادياً في الحكومة والمجتمع، وربما كانت مصدر توجيه وتكوين أخلاقيين وتربويين واجتماعيين. وتعدى مجال تأثيرها طلبتها، إلى المجتمع المحلي والرأي العام. وكانت الثقة بالوزارة وكوادرها عالية. وكلنا يعرف كيف قادت كوادر وزارة التربية والتعليم أعمال الإدارة والتنمية المحلية، والاجتماعية والثقافية، خصوصا في المجتمعات الريفية والبادية على اتساع رقعة الوطن، ودورها القيادي في تحديث وتطوير الدولة والمجتمع.
للإنصاف أقول، إنه لا يمكن لوم الوزارة وحدها على هذه النتيجة، فالمسؤولية تمتد عرضا وعمقا، وتشمل تراكمات تعمقت في الدولة والمجتمع عبر الزمن، تصويبها يحتاج إلى مناقشة مفتوحة، ومقاربات ثقافية واجتماعية ومهنية، ووقتا كافيا، وذلك قبل أن يتسع الخرق، ولا تعود الإدارة المدنية في الدولة بأكملها قادرة على إدارة ونقل أسئلة الامتحانات إلى قاعات الامتحان واستعادتها من دون خروقات كبيرة. وبالتالي، قد نجد أنفسنا في ورطة أكبر.
وزارة التربية والتعليم معنية الآن بالاعتراف بحجم وخطورة هذا الخلل، والعمل على إيجاد حلول طويلة المدى له. ونقابة المعلمين معنية أيضاً بالقدر ذاته. ومطلوب من الحكومة والمجتمع المساهمة في ذلك، ودعم خطط الحل للحفاظ على مؤسسة صناعة المستقبل، ورعاية فلذات الأكباد. فكما أن المحافظة على سمعة وكفاءة شهادة الثانوية العامة مهم، فإن سلامة وسمعة الوضع الأخلاقي والإداري في وزارة التربية والتعليم أكثر أهمية، وقد آن الأوان للالتفات له أيضا، وتصويبه، مهما كانت الرحلة طويلة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مجتمع مشوه (معلم متألم)

    الأربعاء 1 تموز / يوليو 2015.
    هؤلاء لم يأتوا من الفضاء و انما هم نتيجة مجتمع مشوه فقد هويته و ما زال يبحث عنها .
  • »صحيح... لكن (محمد)

    الأربعاء 1 تموز / يوليو 2015.
    مقال يضعنا نسير في الاتجاه الصحيح ، اسستخدم الكاتب البوصلة الصصحيحة ، لكن تبقى هناك غصة ، لماذا الكل ينظر هكذا للوزارة ، وعندما يقال الوزارة ، من الذي نعنيه بالضبط ؟ إن عنينا المعلمين وحدهم فأنا أعتقد ان هناك مأزقا أخلاقيا آخر في نظرة المجتمع للمعلمين ، علما أنه يقع عليهم العبء الاكبر الأصعب في الامتحانات والتصحيح
  • »متشائمه (دعاء حمدان)

    الأربعاء 1 تموز / يوليو 2015.
    اتفق مع الكاتب في توصيفه للمشكله انها مأزق اخلاقي لكني غير متفائله بامكانية التغيير الايجابي فحيثما نظرت لا ارى الا ظلاما دامسا و ابوابا موصدة .
  • »ازمة عميقة (د . سامر ابو حمدان)

    الأربعاء 1 تموز / يوليو 2015.
    مقال جميل و فعلا هو مأزق اخلاقي عندما تعجز وزارة مهمة بحجم وزارة التربية عن تأمين امتحان و ان تكون الخروقات بالحجم الذي شاهدناه قبل اسابيع بين يدي امتحانات الصف السادس و التاسع .لا زلنا نذكر جيدا عندما لم تجد الحكومة في الثمانينات افضل من المعلمين لتعيينهم في دائرة ضريبة الدخل لأنهم كانوا مثال النظافة و الاستقامة .من الظلم لقاء المسؤوليه كاملة على كاهل المعلمين فهم جزء من منظومة مجتمعية شهدت عبر السنوات الماضية عملية تشويه و انحراف قيمي مما انتج ازمات عميقة في بنيتنا الاجتماعية .الحل لا يكون بالترقيع وبالفزعة وانما بخطة طويلة الامد تبدأ بالاسرة مرورا باصلاح التعليم وقبل ذلك كله اصلاح سياسي شامل يضمن الحريات الفردية و الجماعية ضمن دولة القانون .
  • »الحل سهل (عبدالله عرفه)

    الأربعاء 1 تموز / يوليو 2015.
    الحل هو إزالة بسط يد الاخوان على التعليم و إزالة تأثيرهم المدمر على المناهج